ديسمبر 14, 2018
  • ديسمبر 14, 2018
فبراير 5, 2018

فصل من رواية “روحسد” للسوداني محمد الطيب يوسف

By 0 114 Views

الشوارع ليست هي نفسها، أتيتها بشوق الحبيب الغائب ولكنها أنكرتني، كأن خطواتي تعانقها للمرة الأولى، اللافتات مثل وجوه المارة لم آلفها ولم تألفني، الأشجار كأنها غرست اليوم واستطالت نحو السماء، اثنا عشر عاماً والشوارع التي تحتويني كأمي الممعنة في الغياب الممتد الطويل تتنكر لي الآن، غربة النفس تنسال نحو الأرض وترتد نحوي، لا يُجنى من غرس اليأس سوى قبض الهواء، غادرت لأنها تبحث عن طفل تناغيه حتى ينام، غريزة الأم عندها كانت أقوى من غريزة الحب، كثيراً ما أغرق في معضلة البيضة والدجاجة، هل تركتها لأني أبحث عن سمو الروح أم تركتني لأن غريزة الأم لديها أقوى، غلب الطين على روحها فامتطى الجسد الروح امتطاء الدابة، هل أنا حزين لأني فقدتها أم حزين لأنها فقدت تجربة التسامي فوق نداءات طينها اللازب.

هذا الجسد الطيني يجرني نحو طينه لذا داويته بالنار، أحلته حجراً يعبر النسيم منه فلا يجني سوى الخدش، صلداً لا تحركه المشاعر ولا تذله الحاجات، غصت في الطين حتى النخاع وخرجت  منه والروح  ملطخة  طينية الرائحة لذلك غسلتها في هذه الأزقة حتى عادت شفافة كرقراق الماء، عندما يشدني ذات الطين أتشبث بالسماء فأنجو، الذاكرة المتقدة كالنار لا تمنحني فرصة النسيان، لعنة الاستسلام تغور في الروح عميقاً لذا  أقف في وجهها صلداً حتى تولي وهي تجر أذيال خيبتها.

تأخذني الأزقة إلى شوارع أوسع، إشارات المرور تومض مثل غمز العيون لفتاة حسناء، وجوه المارة عابسة كأنها الطرق  التي يعلوها التراب، غرباء خلفهم غرباء، لا أعرف منهم وجهاً ولا أدرك لهم جهة، يدبون على وجه الأرض كالنمل ويعيثون في ذاكرة الشوارع خراباً فتغدو غير الشوارع التي رافقتنا في تلك الأيام، ولكن هذا الوجه أعرفه، ارتجف الطين مني حتى كاد يندلق على قارعة الطريق، تصاعد الدم إلى رأسي حتى كاد ينفجر، الطين يشدني حتى يكاد ينزع الروح مني، تعجلت خطواتي وزاحم طيني كتل الطين المتداخلة من حولي، دنوت منه قليلاً، نفس الجلباب المتسخ المصفر عند الإبطين وذات القامة الطويلة المتهدلة المنحنية قليلاً إلى الأمام، ركضت نحوه وأنا ألهث، العمامة المائلة قليلاً مع ميلان الكتف نحو اليمين، يمشي وكأنه سينكب على وجهه، لابد أن عجلة الزمن قد توقفت، لم أره منذ خمس وعشرون عاماً أو يزيد ولكنه ظل  كما هو، دنوت منه كثيراً ومددت يدي متشبثاً بعنقه ثم أطحت به أرضاً وجثوت فوق صدره، ضربته بغل السنوات التي ابتلعتها هذه الشوارع القميئة، ضربت فيه طفولتي المسروقة، ضربت فيه الطين الذي لطخ روحي ودنسها في الوحل، كأنها غيبوبة الغضب ويدي تنهالان عليه كالمطارق، استسلامه العجيب وصراخه المكتوم يحفزان الغضب داخلي، ليته كان وديعاً وقت حاجتي لوداعته، الضجيج من حولي والأيدي التي تناوشتني حتى اقتلعتني من صدره وأنا أقاوم بجسدي النحيل

– دعوني أقتل هذا الكلب

– هل ستقتل رجلاً أعمى؟

نظرت إليه للمرة الأولى،  كانت يداه تجوسان حول وجهه الدامي على غير هدى وعيناه شاخصتان إلى السماء

– إنه ليس هو، ليس هو

جثوت على الأرض واضعاً يدي بين رأسي، تحملت ضربات المارة الغاضبة ولكماتهم التي انهالت علي كالمطر

– دعوه المجنون في ذمة الواعي..

– للمجانين حظائر تجمعهم بدلاً من إطلاقهم على الناس كالكلاب المسعورة

الركلة على جانبي أطاحت بي إلى جانبه، تشبثت بساقه محاولاً النهوض

– ليس هو

اللعنة على الذاكرة المغروس فيها  الوهم عميقاً أكثر من الحقيقة نفسها، موجوداً في هذا الرأس الذي يمور الآن كالقدر ولم يغادر للحظة واحدة، يغرز طينه في طيني ويقتلني في اليوم آلاف المرات، الذاكرة لا تموت  لابد من قتلها ودفنها، سأقتله لأستريح، رفعت عيني إلى السماء، كانت مظلمة كأن لم تعرف الشمس ولم يسامرها القمر يوماً، توكأت على ألمي ونهضت  طيناً لازباً من  قارعة الطريق وسلكت طريقي نحو المطعم، تلقفتني يدي عم صالح بين الجزع والدهشة، لم أكن قادراً على الكلام فغسل طيني الملطخ بالدم ثم تركني أذهب إلى غرفتي، كنت الآن مدركاً ما ينبغي علي فعله، دخلت إلى الحمام، حلقت لحيتي المهملة واغتسلت من درني ثم ارتديت ملابس عم صالح التي أهداها إلي سابقاً، لم أكن أنيقاً ولكن كنت مقبولاً إلى حد ما، عندما رآني تهلل وجهه فرحاً

– الحمد لله إنك عدت إلينا أخيراً يا أستاذ

– الذاكرة الممتلئة بالوهم لابد لها من الموت يا عم صالح

– لعنة الله على الذاكرة التي تدمر حياة الإنسان، تعوذ منها

– أريد مالاً، القليل فقط، سأغيب اليوم وغداً سأكون عندك

– أنت مصاب يا بني ألا ترى نفسك

– لدي أشياء لابد من وضعها في نصابها

– دعها تنتظر

صمت فناولني حفنة من النقود، الذاكرة لا تسقط حرفاً ولا موضعاً، كنت أذكر اسم قريته جيداً، أقلتني حافلة  حتى هناك، الناس هنا يرتدون ذات الثياب ويحملون ذات السحنات، سألت فدلوني على داره، الجدار الطيني المتهدم وشجرة النيم العجوز هما أول ما صادفني، صافحني غريب يشبهه عند الباب بعينين متسائلتين، وعندما سألت عنه نظر لي في دهشة ولكنه أشار إلي بالدخول، البيت يبدو غائصاً في الأرض أو خارجاً من غورها لا أدري، الدجاجات المبعثرة في الفناء القذر والآنية المتناثرة في أرجاءه وهديل الحمام من الصفائح المعلقة في أفرع النيم العجوز، أعدت السؤال مرة أخرى ولكنه رد مستفسراً عمن أكون، وعندما أخبرته أنبأني بموته، عيناي الممتلئتان بالدموع ظنهما حزناً فانطلق يواسيني مهوناً الأمر علي، لا أحد يستطيع أن يفهم، أصررت على العودة إلى الخرطوم ضارباً عرض الحائط بدعوته إياي للمبيت، ثم أذعن لإصراري وأوصلني إلى محطة المواصلات، حكى لي في الطريق عن مرضه، وآخر أيامه وشدة عوزهم وحاجتهم، كان ابنه الأكبر، لهما نفس الملامح وطريقة الكلام، لم أطق النظر إلى وجهه ولكني جاهدت حتى لا أظهر ذلك، مر على الوفاة عامين كاملين وأنا لا أعلم، شكرني قبل أن يودعني على إخلاصي وسؤالي عن أبيه مؤكداً أنه كان يذكر أسرتي بالخير حتى آخر أيامه، بصقت نظرة العرفان التي ودعني بها وهو يظنني حزيناً على أبيه اللعين، لم يدرك أنني كنت مقهوراً لأن الموت اختطفه مني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* محمد الطيب يوسف، من مواليد السودان سنة 1977م، مقيم في المملكة العربية السعودية، حصل على بكالوريوس مع درجة الشرف كلية الصيدلة جامعة الخرطوم، كما حصل على ماجستير إدارة أعمال جامعة بحري.  صدرت له رواية “الحبل السري” من الدار العربية للعلوم ناشرون 2016، كما صدرت له رواية “روحسد” من الدار العربية للعلوم ناشرون 2017م.