مارس 25, 2019
  • مارس 25, 2019
فبراير 27, 2019

فصل من رواية “حلم الرب” حيدر جاسم محمد المشكور

By 0 147 Views

(29ـ 105)

لا أظنّ مآتم التعزية كلها تعزيني بمصابي في نفسي، وحيرتي بين أن أفتح قلبي للعالم، وأن أقبل الهزيمة.. وأدركتُ عندها أنَّ الظل الذي يتطوح، كان شريكاً في السكر.

عادت أمي من التسوق، بعد ان سلبت والدي حصته من الإرث.. كان برفقتها الإسكافي الأعرج صاحب أول دكان في شارعنا، يحمل معها عليقة التبضع، وزنبيل من الخوص، كانت قد ملأته بحاجيات البيت.. دلف الى داخل الصالة معها، والتي تنقسم الى صالة ومطبخ صغيرين. جلس وكأنه في بيته.

تذكرت قبل أيام، وأنا أتسوق من البقالة، التي بمحاذاته، إذ نادى عليّ، فاقتربت منه على حذر.. كوني أتصوره شخصاً غير مأمون الجانب، ولا يبدو عليه سيماء الاحترام.. وكان قد نترني إليه، وقرصني في خدي، وهو يقهقه، قائلاً:” هذا الشبل من تلك النسرة”.

ما كنت لأفهم ما يرمي إليه إلّا أني ازدريته وكرهته. لكنه عاد ليعرض عليّ بضاعته المزجاة: إذا كانت عندكم قندرة ممزقة، تحبون إصلاحها أو رقعها؛ حتى وجه أبيك البائس، أذا احتاج الى ترقيع؛ فأنا موجود ولكم مني تخفيض خاص. هذا ما كان من موقفي بالأمس معه، واليوم يدخل معززاً بيت الرجل البائس، بدعوة من صاحبة المنزل؛ ماذا تراه يفعل.؟

قامت أمُي بنشر مشترياتها: العدس والباقلاء والماش، وزجاجتي لبن، وسمن بلدي، وعلبتي دبس وراشي، وجبن محلي وحلوى، وقطعة شوكولاتة أشارت بها اليّ؛ وارجعتها للكيس.. وثمة كيس جميل، كشفت به عن ملابس جديدة زاهية الألوان، عرفت أنها نسائية لألوانها الصارخة.. حتى هذه اللحظة، أنا متأكد، أنّ أمي جلبت مسواق البيت. لكني لم أعرف ما دور هذا القندرجي الذي بدا فاغراً فاه، باسنانه السوداء المسوسة، وهو مبتسم بلا سبب؛ إلا لقلة الأدب.. ولا أظنه سيتحرك، أو يتزحزح من مكانه، إذا لم ينهره أحد، ويطرده شر طردة.

قامت أمي بكل بجاحة، لإعداد الشاي، وكأن المدعو أحد أهم أقاربها.. كدت أموت من ثقل هذا الرجل، وبجاحته والريبة التي بدت تخنقني.. وإذا بأمي اعطتني درهماً، وأمرتني بالذهاب الى المخبز، الأمر المعتاد يومياً؛ كأنها بذلك اختارت التوقيت الصحيح، والعذر المناسب.

ذهبت للمخبز، الذي يبعد عنا مسافة زقاقين، وكان مزدحماً كالعادة.. ذهني كله أنصبّ، مع أمي والإسكافي القذر.. وتراءت إليّ أفكار سوداء، وتصورات اخوف من العوالم السفلية: ماذا يفعلون في الخلوة.؟ أين أبي عنها.؟ استوقفني ذكر أبي، وبدأت أكيل إليه شتى أنواع الشتائم، التي سمعتها من أمي، وجارتنا القديمة.. وأرجع لألعن أمي: كيف لامرأة أن تستبدل موظفاً، له سمعته ومكانته وتوجهه الثقافي، وهو يتابع الصحف والمذياع، وله اراءه السياسية، ماركسي الهوى، برجل قندرجي، أفضل ما مر على رأسه، وعشعش في مخه، ذكر القباقب والشواريخ؛ في حين يصبح الناس على فنجان قهوة، وفطور شهي، يصبح هو وفي رأسه ألف نعل مقطوع، وحذاء مشروخ.. لكن يبقى العتب على أبي الفاشل.. لم انتبه من الألم، حتى صاح بي بائع الخبز: نقودك.

أعطيته الدرهم، وأنا أنظر للخباز المفتول العضلات، الذي كان يلاكم كلاكيع العجينة، بطريقة خبير، ويفرشها على المخبازة، ويلصقها بالتنور بقوة، وبحركة لولبية دائبة يستمر العمل.

كنت مستغرباً، أتساءل مع نفسي:(هل يحتاج هذا العمل إلى هكذا عضلات). رمقني بعينين قاسيتين، وهو يقترب مني، متسائلاً: أنت أبن رغيبة خاتون.؟

فاعرضت عن إجابته. فاستطرد القول:” سلم لي على الماما؛ وقل لها (ديسلم) عليك عمو ابو راغب الخباز. وقهقه بصوت عال. ما دعا كل الصناع والزبائن أن يضحكوا معه.

فشكرت السماء، وهي المرة الأولى التي أعرب بها عن امتناني على أن هذه المرأة، لم تكن أمي؛ وأنا لقيطٌ وابنُ شارع.

ــــــــــــــــــ
كاتب من العراق

الرواية نت