فصل من رواية "جسر التفّاحة"

فصل من رواية "جسر التفّاحة"

كنت في سن السادسة عشر عندما اعتقلني جنديان أمريكيّان قرب “جسر التفّاحة” في الطرف الجنوبي من الفلّوجة. يومها كان شهر رمضان في العشر الأواخر، والمدينة تنهال عليها، من البر والجو، صواريخ وقنابل عنقودية وفسفورية، بعد أن فرضت عليها القوات المحتلة حصاراً خانقاً، مدفوعةً بروح انتقامية وحشية، وقطعت عنها التموين من الخارج نهائيّاً.

أراد أبي إبعاد الخطر عنا، أنا وأخواي الأصغر مني أميرة وأيمن، فرأى أن أفضل وسيلة هي أن تأخذنا أمّي إلى أخوالنا في ناحية “النعيمية”، رفقة أُسرة جارنا إلياس بسيارته البيك آب، في حين بقي هو ليقاتل المارينز، الذين سيقتحمون المدينة ريثما يتأكدون أنهم أنهكوها.

كان العم إلياس، القادم من بلدة الحبانية، رجلاً صادقاً أميناً ذا نفس طيبة، وأحد المسيحيين الآثوريين القلائل في المدينة، يعمل كهربائياً في محله الخاص، ويُتقن مهنته التي ورثها عن أبيه، ويعامل زبائنه باحترام شديد (اتضح لي هذا حينما رافقت ابنه ميخائيل إلى محله أكثر من مرة)، فنال شهرةً لم ينلها أي كهربائي آخر في الفلّوجة، لذا كان أغلب أهل المدينة يفضّلونه على غيره، ويعتمدون عليه في تأسيس الكهرباء لدورهم الجديدة البناء، أو إصلاح العطلات التي تصيب الكيبلات في دورهم القديمة.

خرجنا فجراً، حاملين ما نحتاجه من متاع وأغذية معلّبة جلبها العم إلياس من بيته، وتوجهنا صوب حي الشهداء، الذي يُعدّ أقرب نقطة ننطلق منها إلى “النعيمية”، البلدة التي يقيم فيها أخوالي. ما إن اجتزنا الحي، ووصلنا إلى “جسر التفّاحة”، حتى اعترضتنا مركبة همفي كانت تغلق الجسر مع مجموعة مركبات أخرى، ونزل منها جنديّان أمريكيّان شاهرَين سلاحهما. أخذ أحدهما يتفحص وجوه أمّي وشقيقتي والعم إلياس وزوجته المحشورين في مقصورة القيادة، بينما راح الثاني يدور متبختراً حول حوض السيارة، ويدقّق النظر في وجوه القابعين فيه، وهم أنا وأخي أيمن وأبناء العم إلياس الثلاثة الذين لا يتجاوز عمر أصغرهم بولس الثانية عشرة. كانوا يضعون سلاسل فضيةً في رقابهم تنتهي بصلبان مخفية تحت قمصانهم، وحينما اقترب الجندي الأمريكي أظهروها له، ورسموا إشارة الصليب، فسألهم مندهشاً:

– هل أنتم مسيحيون حقّاً؟

أجابه ميخائيل بشيء من التباهي:

– نعم، والسائق والمرأة التي إلى جنبه والداي.

تهلّل وجه الجندي:

– يا يسوع! لم يخبرونا بوجود مسيحيين في الفلّوجة. كيف تطيقون العيش مع هؤلاء الإرهابيين؟

– ليس لدينا مشكلة مع المسلمين، نحن نعيش معهم منذ زمن طويل.

– لا أصدّق، ما اسمك؟

– ميخائيل (لفظها بالإنكليزية “ميكائيل”)، وهذان أخواي سيمون وبولس.

– أنت تتجنب قول الحقيقة لأن أحدهم يجلس الآن جنبك، لكني سأبعده عنك.

شدّني من أُذنيّ وأنزلني من السيارة، وطلب من العم إلياس أن يجتاز الجسر. خفق قلبي بضربات أسرع من المعتاد، وصرخت أُمّي وفتحت باب السيارة وارتمت عند قدميه، وأخذت تتوسل إليه أن يتركني، إلاّ أنه دفعها ووجّه بندقيته إلى رأسها، وأمرها أن تعود إلى مكانها، فأذعنت صاغرةً. وأشار لجارنا بأن يقود سيارته، فامتثل له وانطلق مسرعاً.

أمسكني من ذراعي وكبّل الثاني معصميّ بالإغلال، وهو يكرر كلمة “Tirrorest”، ثم شدّني من أغلالي باتجاه المركبة، وتناول من جندي ثالث، يقف مستنفراً بمحاذاتها، كيس قماش أسود. أدخل رأسي في الكيس ودفعني إلى بطن المركبة، ووضعني في صندوق خشبي يشبه التابوت وأحكم إغلاقه.

بعد مدة وجيزة، قدرتها بأقل من ساعة، توقفت المركبة. كانت عظامي تؤلمني وحلقي شديد الجفاف لأنني لم أذق طعم الماء منذ الليلة السابقة. فتح أحدهم الصندوق وأمسكني من حزامي بعنف وأخرجني منه، ثم سحبني من الطرف السفلي للكيس، كما تُسحب البهيمة، وأدخلني إلى مكان ما، عرفت بعد أسبوعين أنه سجن أبو غْريب.

فتّش أحدهم جيوبي وأفرغ ما في داخلها: هوية الأحوال المدنية، ومحفظتي الصغيرة التي تحتوي على صورة والدي، وقليل من النقود، وورقة دونت فيها بعض الأرقام التلفونية لأصدقائي وأقربائي. ثم سألني، مستعيناً بمترجم، عن اسمي والحي الذي أسكن فيه وعدد أفراد أُسرتي وأسمائهم، فأجبته. وتشجّعت وسألت المترجم عن سبب اعتقالي وأنا هارب من الموت رفقة أُسرتي، ردّ عليّ بأن المحقق سيجيبني على سؤالي فيما بعد. كان يطرق سمعي أثناء ذلك خليط من الأصوات الرجالية والنسائية على مقربة مني.

سحبني أحدهم بعدئذ من ذراعي إلى مكان آخر. طوال الطريق كانت تطرق سمعي كلمات وعبارات مختلفة، بعضها يشفق عليّ أو يواسيني، وبعضها الآخر يوجّه لعنات وشتائم مقذعةً إلى مَن جاء بي إلى ذلك المكان، فأدركت أنني داخل معتقل. عقب حوالي ربع ساعة توقف الرجل وفتح باباً أصدر صريراً، ودفعني إلى الداخل قائلاً بلهجة عراقية ركيكة، ذات نبرة متغطرسة، “هذه هي زنزانتك، سأجلب لك بعد حين شيئاً تأكله” ثم صفق الباب وأغلقه.

حاولت أن أنام فلم أستطع. كان رأسي يضطرم بهواجس حارقة عمّا سألاقيه من مصير مظلم. فجأةً زعق مكبر صوت يصمّ الآذان بأغنية إنكليزية لم أفهم منها سوى كلمة “Babylon” (بابل)، ومن بعيد تناهت إلى سمعي صرخات استحال عليّ أن أفقه منها شيئاً، لكن بدا أنها تعترض على ذلك الصوت الذي يصمّ الآذان.

لم أدرك وقتها لماذا وقع اختيار إدارة السجن على تلك الأغنية دون سواها، هل كان اختياراً بلا مغزى لإزعاج المعتقلين بالتلوّث الصوتي فقط، أم أنه ينطوي على رسالة استفزازية موجّهة لهم؟

(حين عادت بي ذاكرتي، بعد سنين، إلى تلك الأغنية، بحثت عن اسم صاحبها، فوجدت أنها لمطرب بريطاني اسمه ديفيد غراي، وقد شاعت في أمريكا قبل الاحتلال وبعده، واستوقفني فيها ذلك المقطع الذي يقول:

I’ve been afraid

To tell you how I really feel

Admit to some of those bad mistakes I’ve made)

تكرّر بث الأغنية ما يزيد عن عشر مرات، وفي كل مرة كانوا يرفعون درجة الصوت ليزداد التلوّث. شعرت بتوتر كبير، ولو لم تكن يداي مقيّدتين لأغلقت أذنيّ أو دفنت رأسي تحت الدثار.

بعد قرابة ساعة خرس مكبّر الصوت، وذهبت الأغنية اللعينة إلى الجحيم. أغمضت عينيّ لأنام، لكن ما إن كدت أغفو حتى فُتح باب الزنزانة. نهضت واقفاً، اقترب أحدهم مني وفكّ الأغلال عن معصمي ورفع الكيس عن رأسي، أبصرت أمامي، في الضوء الشاحب، عسكريّاً مفتول العضلات، حليق الرأس، ذا بشرة يعلوها النمش، يرتدي تي شيرت عَصَويّاً داكناً وبنطلوناً خاكيّاً مدفون الساقين في بسطار عسكري صحراوي، ويمسك بإحدى يديه جهازاً أسود فيه أزرار يشبه مصباحاً يدوياً طويلاً، ويحمل بالثانية كيساً ورقيّاً.

أخرج من الكيس سندويتشةً وعبوة ماء بلاستيكيةً صغيرةً وناولني إياهما، كنت جائعاً وعطشاناً فأخذتهما. شربت نصف العبوة أولاً ثم ركنتها جنب الوسادة، وطفقت أتناول السندويتشة، من دون أن أعرف ما بداخلها بالضبط، إلاّ أن طعمها بدا مستساغاً.

كان يحدّق إلى وجهي بنظرات شيطانية حادة ويفرك أنفه، تحاشيته ورحت أجول ببصري حول المكان لاستكشف ملامحه، زنزانة مكفهرّة لا نافذة فيها، تهويتها الوحيدة تأتي من بين القضبان، على جدرانها خربشات وكلمات، وآثار زيت طبعتها أكف وأصابع معتقلين سابقين، وثمة أغلال مثبتة على الجدار خلف الفراش.

عندما أتممت السندويتشة، سألني عن عمري، أجبته 16 عاماً، خطا بضع خطوات ناحيتي، وضغط على ذراعي بقوة وسحبني من يدي إلى وسط الزنزانة، وأخذ يدور حولي، ثم وقف خلفي وأمرني أن أفتح حزامي وأخفض بنطلوني. اجتاحني رعب شديد، أمسكت بحزامي ولذت بالجدار أحتمي به، وقد تصلّبت أطرافي، وتسارعت دقات قلبي، وتفصّد جبيني بالعرق. تساءلت في دخيلتي “أي تحقيق هذا؟”، ظنّاً مني أنه المحقق الذي ذكره المترجم.

استشاط غضباً وتقدّم ناحيتي، رفع يده وصفعني على خدي وأعادني إلى مكاني مكرّراً أمره بنبرة حازمة. أذعنت وأخفضت بنطلوني إلى ركبتيّ، وباعدت بين ساقيّ كي أحول دون نزوله إلى قدمي. لكنه لم يكتف بذلك، بل أزاح بجهازه لباسي الداخلي إلى الأسفل، وأخذ يطبطب به على عجيزتي، غطّيتها بكفيّ، لا إراديّاً، مرتجفاً من الذعر، وفي رأسي جرس يدقّ منذراً إياي بأنه ليس محقّقاً، وإنما أحد حرّاس السجن يبغي فعلاً منكَراً، خاصةً أنني كنت قد سمعت من أصدقائي في المدرسة عن حالات اغتصاب جرت لمعتقلين ومعتقلات في السجون التي يديرها الأمريكان. أردت أن أصرخ، لكني أوجست في نفسي خيفةً.

فجأةً أصدر جهازه اللاسلكي صوتاً، فأومأ لي أن أرتدي بنطلوني، وتحدّث مع شخص ما. لم أفهم ما دار بينهما، لكني خمّنت أن ذلك الشخص أمره بالحضور، فخرج على الفور، وأغلق باب الزنزانة.

انفرج همي، وحمدت الله، كأن زلزالاً أنقذني. غاب الضوء الشاحب عن الزنزانة، سرتُ على مهل صوب الباب، حاولتُ أن أتطلّع إلى الممر خلل القضبان، من دون أن ألمس واحداً منها خشية أن يكون مكهرَباً أو يصدر إنذاراً (هكذا خُيّل إليّ)، بيد أني لم أستطع أن أبصر أبعد مما يسمح به طرفاها اللذان ينتهيان إلى دعامتين اسمنتيتين، في حين كانت الواجهة المقابلة للزنزانة جداراً صلباً ليس له نهاية. قلت في سري “يبدو أنهم تعمدوا ذلك لئلا يرى السجين نظيره المقابل له ويتواصل معه”.

لبثت في مكاني، متلفّتاً يميناً وشمالاً، لم تتناهى إلى أذنيّ أي حركة داخل الممر. أمر مريب، أين ذهب الحرّاس؟ هل طاروا؟ لكن ثمة أصواتاً كانت تأتي من بعيد، كأنها خارجة من أعماق كهف. في البدء كانت واهنةً متداخلةً تشبه الحشرجات، ثم صارت قويةً وأكثر وضوحاً، شرعت أصغي إليها بانتباه، وسرعان ما تبيّن لي أن بعضها آهات حزينة وأصوات فيها توجّع، وبعضها الآخر عتابة ومواويل يشكو بها أصحابها ما أصابهم من حيف، بلوعة وشجن يفطران القلب، وكأنهم يخاطبون وجداناً جمعيّاً غائباً، أو يرسلون رسائل إلى الله يستجيرون به.

ارتفعت موجة الغم في داخلي، أجهشت بالبكاء وعدت إلى الفراش، أخذت عبوة الماء وجرعت ما تبقى فيها دفعةً واحدةً، إلاّ أني شعرت بعد لحظات بامتلاء مثانتي، “اللعنة، ماذا أفعل؟ هل أصيح حتى يأتي ذلك المنحط ويأخذني إلى المرحاض؟ لكني أخشى أن…”. نهضت من الفراش.. بقيت حائراً.. مرّت دقائق.. ازداد الوضع سوءاً.. “ساعدني يا الله”.. ضغطت على مثانتي.. فجأةً جاءني الإلهام، تناولت العبوة الفارغة، أدرت ظهري للباب وأدنيت سحّاب بنطلوني وشخخت فيها ووضعتها بين الوسادة والجدار وأستلقيت على ظهري.

وددت لو أني أستطيع النوم في لمح البصر، إلاّ أنني بقيت يقظاً قرابة نصف ساعة، أرجعتني فيها ذاكرتي إلى واقعتين، الأولى معاناتي الشديدة في التبوّل بعدما أجروا لي عملية ختان وأنا في سن الخامسة. والثانية ذهابي رفقة أمّي إلى بيت جدي في الريف، ورؤيتي لفلاح يقتل ثعلباً في إحدى المزارع ببندقية صيد قديمة ذات فوهة واحدة.

حين شعرت بالنعاس أدرت جسمي إلى جنبي الأيمن، ووضعت راحتي تحت رأسي ليكون وجهي تجاه القضبان. غير أني بقيت أتنهّد بعض الوقت، وعصفت بي أسربة خاطفة من المصائب التي سأواجهها، وتهيأ لي أن أمّي الملتاعة، الملهوفة، قد تقسّمتها الهموم، وتقطّعت أحشاؤها، وأرمضت جوانحها حزناً، بينما كانت عيناي الواهنتان تُغمضان وتُفتحان إلى أن غفوت.

لا أدري كم من الوقت استغرقته في النوم حين انقضّت عليّ أحلام مزعجة، مبعثرة، لا متناهية، أحلام يستحيل على المرء أن يتذكر، عندما يصحو، سوى نتف منها..

 

الرواية نت – خاصّ