فصل من رواية "المدعو صدام حسين فرحان"

فصل من رواية "المدعو صدام حسين فرحان"

إليكم السيرة كاملة

في صيف العام الماضي، وما زلت أتذكر هذا التاريخ بالضبط، في ساعة نهار قائظ ماتت البراءة وتدثَّر الحب بالتراب. إذ توفيت زوجتي “إنعام يوسف رشيد”، الأستاذة في المعهد التقني ببغداد.

ماتت قبل يوم واحد فقط من بلوغها الخمسين عاما، وفي تلك الأيام من كل عام. كانت تستعد لعيد ميلادها بطريقة ملفتة للنظر، كعادة سنوية تصرُّ على إحيائها بطريقتها الخاصة. كنت من خلال هذا الطقس أعرف بانقضاء سنة أخرى من حياتنا، بعد أن تحتفل بطريقتها الخاصة جدا، وكنت شاهدا معها بانجلاء غبرة السنين التي مضت، إذ تحولت ذاكرتي إلى رزنامة سنوية لشطب الأعوام الكسيحة من حياتنا.

تأتي بشجرة الميلاد من غرفة المخزن العلوية وتضعها في الصالون، تقوم أولا بتنظيفها من الأتربة، ثم تقوم بتعليق الزينة الورقية والمصابيح الملونة على طول الحيطان، وعملي هو الفرجة وشراء الشموع من المحل القريب. في الليل تخرج تماما عن وقار الموظفة الملتزمة. تستحم لساعة أو أكثر، ثم تجفف شعرها وتسرّحه بالسيشوار. ترتدي أبهى ملابس السهرة الليلية التي ضاقت عليها بعد سمنة وترهل السنين. تضع المكياج الصارخ في ليلة الميلاد، ثم ننتقل كلانا إلى قطع الكيكة الملونة. نغني معا؛ أغنية نسيت كلماتها ولحنها الآن.

ننتقل بعدها إلى السرير، ثم نمارس حتى الصباح ما لا نمارسه طيلة الأيام الأخرى من السنة. كانت مصرة على إحياء هذا الحفل العائلي ليوم واحد فقط في السنة.

ولإيماني أن المرأة تصبح أكثر حساسية من العمر حينما تبلغ الخمسين، لذلك عملت رسمة في الكيكة المهشمة على بلوغها الأربعين في يوم الغد.

حاولت هذا العام أن أعيد تفاصيل الطقس الأسري الحميمي، كي أضعها أمام الإحساس الجميل في مواصلة الحياة. بالرغم من أن هذه التهيئة لعيد ميلادها خارج دائرة اهتمامي. فالكيكة الكبيرة التي عملتها تهشمت قبل وصولها إلى البيت. الإنارة الملونة لا تعمل، ملابس السهرة السنوية بحاجة إلى مكواة، وشجرتها الوارفة لا أعرف أين أضعها وكيف أزيل التراب عنها. حاصرتني نوبة حادة من البكاء، فذهبت بعيدا عنها لأفرغ شحنة الدموع، ثم أغسل وجهي وأعود من جديد نحو سريرها.

هي ترقد من دون حراك على السرير، تعاني من استفحال المرض القاتل. عينها تراقبني بحزن بالغ. حاولت أن ألفت نظرها إلى الاستعداد لحفل عيد ميلادها في هذه الليلة، لكنها هزت رأسها وشبح ابتسامة كئيبة على وجهها، كأنها تعلم أنها لا تبلغ الغد.

في البدء أخبرني طبيبها المعالج: “لا فائدة من رقودها في المستشفى، كجثة تتنفس وتبتسم للغرباء في الردهة، وهي على أعتاب الموت الأكيد، ومن الأفضل نقلها إلى بيتها، لتموت على مخدتها وأمام عينيك”. حدث هذا فعليا حسب ما ذكره الطبيب. ماتت حبيبتي بطريقة درامية كفيلم هندي، من دون أن تبلغ الخمسين بيوم واحد فقط. ولأني أكره الأفلام الهندية جملة وتفصيلا، يتوجب عليّ الآن قص الحكاية لكم بطريقة عراقية خالصة.

فتحت عينيها وقالت: “عبد الكريم حبيبي هل نحن في ساعة صبح أم ليل؟”. أيقنت أنها صحوة الموت الأخيرة. ثم راحت في غيبوبة وكلام غير مترابط عن شجرة التوت في متنزه الزوراء وأحمر الشفاه الذي وشمت به ساق الشجرة العملاقة في غابر السنين. ثم غرقت في بحر النوم.

في البدء تقلص جسمها كليا، تخشّبت يدها اليمنى، بعد أن أرادت رفعها. حاولت نطق كلمات الشهادة ولم يمهلها على إكمالها، ثم همد جسمها من دون حركة. فاض سائل أبيض من حافة فمها، ثم لا شيء بعدما، لفّها سكون الغابة المرعب في وقت غروب محمر. إذن هذه هي أبسط حكاية، لتفاصيل موت مكتوبة بأسطر قليلة كقطع لافتات الموتى، وهي تختصر حياة البشر بسطر واحد فقط. أكبر إساءة للبشر اختصار موته بلافتة وكلمات موجزة.

كنتُ أنظر كالأبله لكل تفاصيل حركات الموت وطقسه المخيف وآلية الإطفاء الميكانيكي لشعلة الحياة في العينين. بالمناسبة أنا لا أجيد البكاء والنحيب، لكني اختزنه في صدري بطريقة سلبية. أجيد الحديث عن تلك اللحظة الفاصلة من حياتي، خاصة في الليل وأثناء التدخين في مقهى الغرباء التي كنت ارتادها سابقا. ربّ سائل منكم يسأل لماذا سمّيت بالغرباء؟ فأقول ببساطة لأنها كانت تقع قرب محطة القطار. يجلس المسافرون فيها من أصحاب الحقائب المنتفخة بالأسرار، ثم ينطلقون بعد ساعة أو أكثر إلى المدن البعيدة ولا يرجعون.

عندما حضر ملك الموت كان يرتدي قناعا لوجه غوريلا داكن بعينين حمراوين، وبملابس سود وبمخالب فولاذية مقوسة إلى الداخل وأنياب طويلة حادة. أول جولة من المصارعة الحرة غرس أظافره الطويلة في عنقها بشكل مفاجئ بحركة مباغتة. حاولت المسكينة إزاحته بيديها وساقيها عن جسدها الواهن، بعد ما استفحل عليها المرض العضال، غير أنه كان أقوى منها وأخف حركة وإتقانًا وخبرة.

كنتُ جالسا على مقعد خشبي بقربها، أراقب ما يحدث بشغف من خلال شاشة ملونة تعرض شريط الماضي ببطء شديد. كنت أدخن سيجارة تلو أخرى، مستذكرا ليلة الدخلة وأيام خطوبتنا ونزهات الخطيبين الخجولة. الرجل يبرز ذكورته كالديك منفوش الريش، بينما البنت تقطّر أنوثة بريئة. إذ كنت أتحسس خجل الأنثى الفطري في أثناء التنزه في حديقة الزوراء، عندما أحاول وضع كفي بكفها وأداعب أصابعها. حاولتُ حينها اختطاف القبلة الأولى خلف شجرة توت معمرة وسامقة، فجاءت القبلة بطعم الأيس كريم مخلوطة برائحة أحمر الشفاه، هذا ما أتذكره في تلك الساعة العصيبة.

قبل لحظات مضت كانت تدعوني لتقبيلها أمام غوريلا الموت فيما يسمى بالقبلة الأخيرة. نهضت من مقعدي واتجهت نحو سريرها منحنيا لتقبيلها من شفتيها المتيبستين بلون الخشب المنقوع. عندما قرَّبت رأسي نحوها، شممت رائحة غريبة منها، أعتقد أنها رائحة الموت، ولم أشمَّ رائحة الأيس الكريم مخلوطا بأحمر الشفاه، وإذا بالغوريلا يدفعني ويعيدني إلى مقعدي.

ما بين القبلة الأولى والأخيرة ثمة حياة تمتد على طريق ترابي متعرج تظهر كائناته على تلك الشاشة التي حدثتكم عنها. وما بين القبلتين عشت معها في داخل هذا البيت الذي تركه لي أبي. حياتي معها مرت بمنحنيات خطيرة، تغلَّبنا معا على الصعوبات كلها، وما أتذكره الآن هي القبلة الأولى خلف شجرة التوت، عندما كانت المساحيق تسحرني وتجعلني أهيم في جنة الأنثى، بينما القبلة الأخيرة لم تتمَّ أمام عين الغوريلا، لتختصر الحياة الزوجية كل هذا المشوار وتنسحب الشاشة كالمصباح المعطوب.

استسلمت للمرسَل بعد ربع ساعة تقريبا من حفلة المصارعة غير المتكافئة مع وجه الغوريلا المرعب. في البدء قذفها بحركة فنية على حبال الحلبة ثم رفعها فوق رأسه وتركها تهوي على الأرض بحركة بهلوانية استعراضية، ثم أعلن الحكم/ الشبح عدم أهلية الخصم والفوز بالسقطة القاضية لصالح الغوريلا.

الغريب في قضية الوفاة أنها ودّعتني بإشارة من يدها بعد إعلان الاستسلام الرسمي. عينان شبه مغمضتين وشفة سفلى ذابلة صفراء متدلية بانتظار القبلة التي لم تتمّ، ويد متخشبة تشير إلى لحظة وداع نهائي. فقلت لها: “السلام عليك يوم ولدتِ ويوم تبعثين حيَّة.

طبعا لا أعرف لماذا نطقت هذه العبارة، فلم أجد في قاموس مفرداتي غيرها في تلك اللحظة. يبدو أن بلاغة الغيب كانت حاضرة معنا أيضا في هذا المشهد. حملتها من الحلبة إلى فراشها ورحت أتأملَّها في لحظة الوداع الأخير. كأني أتأمل القبلة المؤجلة مثلما أتأمل مشهد ما بعد الموت. ورثت عنها خير الصفات والهوايات البيتية التي كانت تؤنسني وتجعلني أسير الحالة البيتوتية. في البداية كنت لا أفكر مطلقا بغسل المواعين. هي من دربتني على ذلك بطريقة فنية، وليست لها علاقة بالشوارب والرجولة. حتى أدركت عظمة تلك الهواية. كنت أضع الطعام بأكثر من ماعون على المائدة، ليس من أجل الطعام بل للاستمتاع بممارسة الهواية، بغسلها ثم تنشيفها بالورق الخاص، وأخيرا تبدأ مرحلة تدقيق الشوائب عبر مصباح خاص، ثم وضعها بشكل عمودي في مكانها. وهذه هي من علامات الوفاء المناسبة لقيمتها ورمزية الوفاء لها كزوجة غادرتني مبكرا.

حدث هذا الفصل من حياتي إبان إحالتي على التقاعد قبل السنِّ القانوني، عندما أجبرني مديري المباشر على تقديم طلب الإحالة على التقاعد لضرورات المصلحة العامة. قبلت الأمر تحت إصراره لتخليصه من كاهل مصيبة كبرى لو بقيت في الدائرة. ما هي المصيبة الكبرى التي تحيط بي؟ لا أعرف حتى هذه الساعة.

تقاعدت من الخدمة الوظيفية وبقيت وحدي بعدها، أتقلب على سرير النوم كالسمكة المسمومة خارج الماء. رائحة جسدها ما زالت عالقة على مخدتها البيضاء، أشمّها كلما آويت إلى الفراش. منجم الذكريات ينتشر في كل حاجياتها التي تركتها على حالها.

أعدت شجرة عيد الميلاد إلى المخزن، ورميت هشيم الكيكة في سلة النفايات وأعدت كل أشياء الحفل المفترض إلى سابق عهدها. حقا لقد أحدثت زلزالا مدمرا في حياتي برحيلها.

الرواية نت