أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
نوفمبر 23, 2017

“فصل من رواية “الزعتر الأخيـر”* مروان عبد العال*

By 0 251 Views

أعترف لك أنني عشت كواعظٍ فطن يرتكب خمسة أغلاط حسابية جرّاء سقوط خنفساء. لا أزال مهووساً بالماضي منذ علمت أنني مصاب بمتلازمة الاستذكار، وأنا لا أصدق نفسي، من أين أتتني هذه القدرة الاستثنائيّة على التّذكّر، لا أعرف إن كانت هذه نعمة أم نقمة؟ صرت بنظر البعض شخصاً متعباً وأحياناً مبالغاً بالتفاصيل والدقّة وتلاوة تسلسل الأحداث، ومنهم من ينعتني ساخراً بالفيلسوف، كثيراً ما رغبت بالبكاء والصراخ ولطم وجهي ودق رأسي بالحائط، هكذا فأنا لا أستطيع أن أنسى الوادي، هو أمامي بكل تفاصيل الديار، ومن يقطن فيه من ناس ومَوَاشٍ ونبات وأحراش، هذا هو بيتي وعشيرتي وربْعي، إنّه شيء يشبهني وموجز وبسيط لكنّه عظيم، وطني هُم الذين أحبهم، وطني أنتم ولا أحد سواكم.
عادت الذاكرة تستعيدني، مثل المنام الذي يطاردني، منذ أن غادرت وادي الحنداج، سيدنا المنطار”خنّاق العصافير” العارف بعلم الغيب وبأحوال العباد والبلاد والإنس والجان، وقد وقف يصد الناس ويمنعهم من ترك الوادي أمام قصف الطائرات، ويقول هذا امتحان من الرب، لماذا تهربون منه؟ والناس لا تصغي لمواعظه كما من قبل هاربة في الوديان، وأنا في سبات عميق مجرداً من ملابسي.
لم يكن أبي في البيت، استيقظت على ضربة قوية من أمّي على خاصرتي، إذ انه صار لها وقت طويل تحاول إيقاظي ولم أستيقظ، فنهضت وأنا أبكي وأقول لها لماذا ضربتيني؟ فقالت اليهود دخلوا وسط العرب يضربون القنابل، وصرخت هيّا استيقظ ألم تسمع دوي القنابل؟ هل أنت أطرش؟ هيّا نهرب فالعرب كلهم هربوا.
فخرجنا من البيت، وأنا شبه عارٍ، وهربنا، كان الظلام دامساً لا نرى أمامنا، فوقعت في جورة مليئة بنبات القرّيص ذلك النبات الشتوي بورقه المليء بالشوك الذي يشبه الزغب، إذا لامس الجلد يسبب حكة مؤلمة، وفيها بقايا شجرة سدر تلك الشجرة الخرافية التي قدّستها بعض القرى ظنّاً منهم أنها تصلّي ليلا وتقف نهاراً، فهي شجرة عالية من فصيلة العنّاب ولها شوك قوي، ثمرها يدعى الدوم فيه بزرة واحدة، لون الثمر أصفر لذيذ الطعم.
هكذا امتلأ جسمي بشوك القرّيص وشوك السدر، ولشدة خوفي نهضت وأخذنا نجري حتى وصلنا إلى خُلّة قديرة، وهي إحدى روافد وادي الحنداج، فوجدنا معظم النّاس قد تجمّعوا قبلنا هناك، لكن الشباب عادوا يستطلعون الأمر، فلم يجدوا يهوداً ولا من يحزنون، فـأعطوا إشارة صوتية للعرب أن يرجعوا إلى بيوتهم.




الإشارة هو أن يصرخ أحد الناس بأعلى صوته من مكان عالٍ قائلاً: “طيبة، طيبة” بمعنى أمان، فعدنا إلى بيوتنا، وتبيّن فيما بعد أنّ المجنون أبو زغلول هو الذي فجّر اللغم بالوادي، ولا أحد يعرف من أين عثر عليه، لكن بعد فترة قصيرة من ذلك وبعد منتصف الليل هاجم جيش الهاغانا قرية الحسينية الصغيرة، وسمعنا زخّات من الرشاشات وكانت أصوات الإنفجارات تسمع بوضوح.
حاصر جيش “الهاغانا” البلدة ونسف نصف بيوتها وقتل نصف سكان البلدة من النساء والأطفال والشيوخ، وظلّ شيخ العشيرة هناك ولم يمسّه أحد بسوء، هكذا وافترقت عن صديقي سفيان منذ ذلك الزمن.
واستشهد أحد الثوّار من قبيلتنا وآخر انسحب راكضاً إلى أن وصل إلى مكان يدعى درب الحصاد، يقع في منتصف المسافة بيننا وبين الحسينية، وهناك سقط ولم يعد يقوى على الحركة، فنقله بعض الشبّان إلى مستشفى بنت جبيل، فعولج هناك حتى شفي.
بعد معركة الحسينية نزحَت قبيلتنا إلى الحُرش، وهو مكان أكثر أمناً حيث يقع في منطقة جبلية وعرة، وفي الحُرش يوجد خربة كفرية يقال انها من أيام الكفار، وفيها صُنع المنسف، وهو عبارة عن منسف قليل العمق منحوت بالصخور يمتلىء بماء المطر في فصل الشتاء.
وبدأت العرب تتناقل الأخبار والأساطير عن صنع المنسف وأنّه يحتوي على كنز من الذهب الكثير، مرصود بالجن.
والواقع أنّ عربنا يحفظون الكثير من الأساطير ويتناقلونها جيلاً عن جيل، لكن بعد معركة الحسينية كَثُر تداول هذه الأساطير وكأنها حقائق مسلّم بها، هل كثرة تداول هذه الأساطير سببها شعورهم بالضعف وحاجتهم إليها، الخلاصة أنني كنت أسمع من أهلي ومن غيرهم هذه الأساطير بكثرة.
زعموا أن المنسف الصخري الذي نطلق عليه الحجر المخزوق مليئاً بالذهب، وقد رصده الجان أيام الملك سليمان، ويقسم أحد رجال القبيلة بالله وبالمنطار أغلظ الأيمان وبالطلاق ثلاثاً من زوجته أنّه رأى الذهب بأم عينيه في ذلك المنسف، إلا أنّه لم يحافظ على وصية سيدنا المنطار، الذي أتاه ليلاً وقال له: “أنت رجل صالح من أهل الله وفقير، إذهب إلى المنسف ليلة الجمعة القادمة بعد أن تغتسل وتتطهّر، وتأخذ معك قليلاً من البُخور وتحرقه منتصف الليل قرب المنسف، فسوف تجده مليئاً بالذهب، خذ منه قدر صاع فقط وسوف تغتني إلى ولد الولد.
ويتابع عوض قائلا: ولكنّني لم أستحم بعد أن ضاجعت زوجتي تلك الليلة، ذهبت ورأيت الذهب فعلاً في صنع المنسف بعينيّ، هاتين اللّتين سيأكلهما الدود، ولما مدَدت يدي وكنت جَنِباً اختفى الذهب وبقي الماء.
وكما ازداد حديث عربنا عن الجن والكنوز المرصودة، كثر حديثهم كذلك عن أضرحة الأولياء الصالحين وكراماتهم والمعجزات التي يأتون.
ومن هذه الأضرحة، ضريح سيدنا النطّاح ناطح الأعداء، وسيدنا الصديق الذي عاش منفرداً ومات وقُبِر منفرداً في الوعر جنوب الحُرش.
وأما أكثر الأولياء شأناً على الإطلاق فهو سيدنا المنطار “خنّاق العصافير”، وسُمّي كذلك لأنه كان يخنق العصافير إذا ما نقدت من القمح أو البرغل أو الحبوب التي يضعها الناس أمانة قرب المنطار. فالمنطار يحافظ على أمانات الناس ويخنق العصافير بحبوب القمح نتيجة عدوانها الغاشم على الأمانات.
ويظهر سيدنا المنطار بجبّته الخضراء وعمامته البيضاء، يسير الهوينا حتى يصل إلى الرجل المذنّب أو المرأة المذنّبة ويبدأ بضربهما ضرباً مبرحاً، فهو لا يكتفي بضرب العصافير، بل يضرب الآدميين كذلك.
والواقع أن المتّهم غير البريء من عربنا يفضل أن يحلف بالله العظيم أو القرآن ألف مرة بدلاً من أن يحلف على المنطار كاذباً.
ولما فقدت “كرمه” وهي سيدة من عشيرتنا مصاغها واتهمت جارتها “ذيبة” بالسرقة، إلا أنّها أنكرت بشدة ما نُسب إليها وحلفت على المصحف.
وعلى الرغم من أنّها حلفت على القرآن، لم تقتنع كرمة ببراءة ذيبة ذات السوابق التي كانت تتردد كثيراً على بيتها. ودار بينهما الحوار التالي:
– أنا لست مقتنعة ببراءتك يا ذيبة.
– لم أسرق مجوهراتك يا كرمة وقد حلفت لك على المصحف.
– لكنني أريد أن أحلّفك على سيدنا المنطار.
– أنا لم أسرق ومستعدة ان أحلف على سيدنا المنطار.
– إذاً اغتسلي يوم الجمعة حتى نذهب إلى المنطار.
اغتسلت ذيبة وتوجّهت مع كرمة إلى ضريح سيدنا المنطار “خناق العصافير” وأقسمت أنّها لم تسرق مصاغ كرمة ورجعتا.
عند منتصف الليل أفاق معظم الجيران على صراخ ذيبة التي أصيبت بالرعب والهلع الشديدين وهي تصرخ مسترحمة سيدنا المنطار الذي كان يضربها بعنف بمحجنة اللوز بلا شفقة ولا رحمة، ولمّا سألها الجيران لماذا تصرخين، إنّنا لا نرى شيئاً؟ قالت ذيبة إنّه يضربني بعنف ألا ترونه؟ إنّه يقتلني. “دخيلك يا سيدنا يا منطار “اعفُ عني أنا التي سرقت المجوهرات، وهي موضوعة تحت الحجر الكبير أمام بيتي”.
هرع الناس إلى الحجر المذكور ووجدوا المجوهرات فعلاً، ومع طلوع الفجر أسلمت ذيبة الروح، ليس بسبب ضربات المنطار، بل بسبب الخوف النفسي لقناعتها أنّ المنطار يستطيع أن يحيي ويميت.
سيدنا المنطار الذي يخنق العصافير البريئة المسكينة عقاباً لها لأنها تسرق القمح، لم يستطع أن يفعل شيئاً للعصابات التي سرقت الأرض، ولم يصدق أحد أن الهاغاناه بحشوا بالمعاول ضريح المنطار، بحثاً عن النذورات التي كان يضعها المؤمنون، ومع ذلك لم يُصِب أحد منهم بأذى لأنّهم لا يخافون المنطار.




تنتشر في الوادي أسرار وخفايا وسط الآثار القديمة التي ربما تعود إلى ما قبل ميلاد النبي موسى وميلاد السيد المسيح، وفيها الكثير من المقابر المنحوتة في الصخر، والصخور التي نحتها الإنسان على شكل الرحى وقد ثُقبت في الوسط، وهناك حجر مستدير مثقوب في الوسط قُطره حوالي ثلاثة أمتار، وسماكته لا تقل عن متر ونصف، غُرس نصفه في التراب، يقدّسه أفراد قبيلتنا ويدفنون بعض موتاهم بالقرب منه، ويقسمون أغلظ الأيمان “بالحجر المخزوق”.
وفي أرض عربنا الكثير من المغاور الطبيعية، وقد اسودت جدرانها الداخلية من نيران الإنسان، الحرائق التي كان يشعلها اتقاء من البرد القارس وليطهو عليها لحوم طرائده.
وهناك مغارة “أبو زغلول” التي تسكنها إحدى عذارى الجن الفائقة الجمال، وبالقرب منها تينة تثمر تيناً لذيذ الطعم. ولماذا سُميت تينة ومغارة “أبو زغلول” فلذلك حكاية يتناقلها النّاس جيلاً بعد جيل:
“أبو زغلول” رجل بهلول يرعى الجمال، وفي أحد الأيام أكل من ثمر التين ثمّ جلس في ظل التينة، وهو لا يدري ما إذا أخذته سنَةٌ من النوم، ورأى حلماً أم أنّه كان في وعيه، المهم أنّ عربنا يُقسمون أغلظ الأيمان أنّه لم ينم ولم يكن يحلم، بل حصلت معه القصة التالية فعلاً في وعيه وليس في منامه:
بينما كان أبو زغلول جالساً في ظل التينة، جاءته فتاة ساحرة، فائقة الجمال تدق جبينها بوشم صغير بشكل مثلث وآخر بشكل شامة، في أسفل ذقنها، أخذت تُغازله ثمّ قبّلته قبلاً تفوق حلاوتها الشهد، وللعلم فإنّ الفتاة لم تكن ترتدي ملابس المدن أو الفلاحين، بل كانت ترتدي ملابس البدويات، ولما سألها من أي عرب أنت، قالت أنا من عرب ألف ليلة وليلة، أخذت تنام على صدره تارة وينام على صدرها تارة أخرى، دون أي مضاجعة جديّة.
بعد فترة من المعاشرة شعر أبو زغلول أنّها عندما تنام على صدره كأنّ أطناناً من الحديد تجثُم فوقه، وشعر بالقلق… ثمّ يشعر بالخوف عندما رأى شكل عينيها يتغير، فاستأذنها لقضاء حاجته، وما إن غاب عن مرمى بصرها حتى فرّ هارباً.
كان خيالياً إلى حد أنّه ينظر خلفه فيراها تجري وقامتها تطول ثم تطول حتى أصبح رأسها يلامس الغيوم، ثمّ تتحوّل إلى عامود من دخان بدّدته الرياح. ومن خلف الأشجار يُطل رأس المنطار بلحيته البيضاء المشتعلة شيباً كقمة جبل الشيخ، يحدّق في وجهي منادياً أميرة واختفى بسرعة هائلة. صرت أدخل مع الصغار إلى الجامع ظنّاً منّا أنه المكان الأكثر أمناً في الكون، لا يجرؤ أحد على اقتحامه، لأنّه محروس من حرّاس الجان وملائكة الرحمن، وهم يأتمرون بأوامر شيخنا المنطار.
وهل يعقل أن يدنّس الاستعمار بيوت الله؟ كان يخطب فينا قائلاً: للبيت ربٌ يحميه. وفي الصباح الباكر وصل لعربنا من نجا من القرية المنكوبة، وقد جُرِح أبو زغلول في تلك المعركة.

تذكر الزعتر بعد مضي سنواتٍ عديدةٍ على الحادث المفجع الذي تعرض له، أن لقب الزعتر قد حل مكان أسمه الحقيقي وصار يعني له أشياء كثيرة، علماً أنه هو من أطلقه على صديقه الماعز، ويقف في هذا المكان الذي يحمل الإسم ذاته، حيث عيّن حديثاً مدرساً لمادة العلوم في مدرسة المخيم، ورغم كل ما يعانيه من حالة الأرق، لكنه يصر على القيام بواجبه في تدريس حصته المقررة للتلاميذ.
أما حالته فقد أصبحت أكثر سوءاً نتيجة ما حصل له في ذلك المساء القصي، وأن حالة العجز لم تتوقف عند حدود أزمة القلب، حالة الشعور بالاحباط كفيلة وحدها بإيصاله إلى حالة من الجنون، خاصة بين ليلة وضحاها فقد قدرته الذكورية وأحس بضعفه الشديد ودخل في سباق مع العلاج والادوية والعمليات الجراحية يعلم انه قد لا تفيد ولكنه لا يريد أن يفقد الأمل.
أكثر من مرة خضع لعلاج جراحي فاشل، بعدها أحس أن الحياة لا تطاق وانها أصبحت استحالة، الكل يهمس أنه رجل بالاسم فقط، بين الجنون وفوضى الذاكرة أصبح أكثر تمسكاً بالحياة، يريد الحديث عن الاشياء الجميلة ليؤكد بأنه الآن أصبح بأشد الحاجة إليها، فاضت ذاكرته المكبوتة كنهر هائج يكسر سدود الرغبة، ممّا جعله ينفي نفسه عن فضاء العالم الخارجي إلى دهاليز نفسه البطانية في عملية تحولات لا تنتهي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من منشورات دار الفارابي 2017م.
* روائي فلسطيني مقيم في لبنان> صدر له: رواية “سفر أيوب” دار كنعان في دمشق، 2002، ونشر سبع روايات أخرى من خلال دار الفارابي في بيروت وهي: “زهرة الطين”، 2006؛ “حاسة هاربة” ، 2008؛ “جفرا … لغاية في نفسها”، 2010؛ ثم “إيفان الفلسطيني” و “شيرديل الثاني”، 2013 ورواية “60 مليون زهرة”، 2016 … وأخيرا “الزعتر الأخير” 2017.
الرواية نت – خاصّ.