مايو 24, 2019
  • مايو 24, 2019
نوفمبر 5, 2017

فصل من رواية “الأندلسيّ” * هنادي الشمري *

By 0 207 Views

في السفينة التي تغادر قبل الفجر بقليل، تحمل على ظهرها التاريخ. يجلس قاسم محتضناً ابنه أحمد، خائفاً من جهة يُبحرون نحوها. جهة مجهولة في سيرة الجذور. الجذور التي نمت أفقيا، اتجهت لليمين لا لسبب غامض، فقط لأن البحر يمتلك الجهة اليسرى. وقاسم هو الغصن الأخير من شجرة العائلة، يصعد السفينة رغم أنه لا يتقن السباحة ولا يريد أن يتعلمها. اتخذ قراره بداية مع كل من غادروا البلاد فارّين من الحكم الجديد، إلى الجنوب حيث اللغة والدين. الجنوب كجهة لم يفكر بها أحد من عائلته سابقا، الجهة البكر في تاريخه العاطفي. لم تطأها قدمٌ من أقدام أسلافه، جميعهم يتجهون إلى الشمال كطفل يستدل على ثدي أمه بالفطرة، تشتعل في مهجهم الرغبة في الشمال كامرأة تُنال بالصعود للأعلى فقط.
في الجنوب لا بد أن يكون لديهم غابات، يحاول أن يقنع نفسه بأن الأرض الجديدة تشابه بلاده التي تقع الآن خلف ظهره. الظهر تعبيراً عن الماضي والسهو والحياة الهانئة. لم يجرّب الخروج عن محيطها منذ سنوات طويلة، آخر أسفاره كانت عند إتمامه حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة من طفولته برفقة والده وجده إلى طرابلس لأصدقاء وأقرباء لهم هناك. يمتنع عن الالتفات والنظر إليها للمرة الأخيرة “الوطن في ظهري والغربة في صدري” رقاب المغادرين تلتف بزاوية مضاعفة لالتفات السفينة. الأطفال يبكون خائفين من ضربات الموج الخفيفة، النساء يحتضنّ الأطفال ويبكين بلاداً نفخ الله عليها مرة ثانية فطردهم منها، الرجال صامتون ذاهلون. عيونهم تحبس الدمع وهم يوجهونها نحو البلاد. البلاد التي غرقت في عيونهم. عيونهم الراحلة جنوباً. “خير البلاد ما حملك” هوّن بها شيخ طاعن في السن على أحفاده الشباب وهم يبكون الشمال. وحده الشمال من بين كل الجهات الأصلية والفرعية يضيع. خُلق الشمال ضائعاً.. ويضيع كل من يتخذه بلاداً.
يجلس قاسم بن محمد منزويا في طرف السفينة. يبتعد عن الذين تكاد لا تحتملهم أرض السفينة. فروا بعد دخول القشتاليين إلى مدينتهم. لم يحتملوا قراراتهم، صَعُبَ عليهم ما يحدث بدينهم، رفضوا التنصّر. أبادوا الكثير منهم، حرقوا الأطفال، خرجت هذه الجماعات بالسر، غادرت بلادها. لم يرد لها ذكر لدى مؤرخي الآلام، هناك ألم أكبر مشغولون به الآن، مشغولون بتدوينه آهة آهة. وإنْ كانت هذه السفينة لن تنجو تماما من القدر الذي يلاحقهم ككلب مسعور، تنقّلوا في عدة مدنٍ قبل الوصول للميناء، تلك خطة قائد السفينة الذي خاض حربين ضد الأعداء ويعرف تدابيرهم وحِيَلهم. الحربان اللذان خدع بهما كل من سأله عن السفن في ذاكرته، ذاكرته الوعرة من تسلق الجبال وملاحقة أغنامه، لم ير اختلافا بين رعاية الأغنام في البر ورعاية السفن في البحر. قرر أن يحدّث البحر بلغة الـ هَششش وسيستجيب ويجري بما يشتهيه، لا يجد فرقاً بين العصا التي يلاطف بها بهائمه والعصا التي كانت بيد النبي موسى، الآن يريد أن يستكمل علامات التشابه ويخضع البحر لأمره. أكثر من ألفي عام مر على تلك المعجزة، أكثر من ألفي عام مرّ على جرح البحر، طبّبت الحيتان جرحه. وضعت الأسماك بيضها في الجرح كي يسكن ويلتئم. نامت أيادي الأخطبوط على الضفتين. سقطت أسنان أسماك القرش في فعلٍ يماثل سقوط الدموع لدى الإنسان. امتنعت الدلافين عن اللعب والضحك. وحمل فرسُ البحر الجنينَ عن أنثاه، وضعه في داخله حين ماتت الأم من شدة الحزن، إلى يومنا هذا تحمل ذكور أفراس البحر أبناءها في بطونها، تحمل الأبناء والأحزان، أنثى فرس البحر حساسة إلى الحد الذي تموت فيه بسبب نظرة أخطأت معناها.
تحرك أحمد في حضن والده عندما اشتدّ هبوب الهواء الرطب في اتجاههم، حاول أن يطلب الماء لكنه لم يستطع. تحسس قاسم شفتيّ ابنه الجافتين فأسرع يبللهما بما لديه من ماء، غسل عينيه أيضا “ربما أحلم”. مازال يظن أنه سيستيقظ ويجد نفسه بجانب ماريا، يفتح عينيه بعد لمسة دافئة من يدها النحيلة، يوقظه صوتها الذي أحبّها من أجله، اشتراها من سوق النخاسة بسبب صوتها، الصوت الخالي من أية ملامح، الصوت بمادته الخام الذي لم يجرّب بعد المرور على سراط اللسان وهو محمّل بحسنات الشعور وسيئاته من حُبّ وغضب وانفعالات شتّى. ماريّا التي حصلت على حريتها بارتباطها منه، أسرته في حُبِّها لبقية حياته.
الريح تشتدّ. كلُّ من في السفينة خائف من اهتزازاتها القوية. يضم قاسم ابنه إلى حضنه. يمثّل دور الأم التي غادرت منذ ستة عشرة سنة، غادرت من الواقع وسكنت في أحلامهما، ترعى ابنها/ تحممه بيديها/ ترضعه حليباً لم يمهله الزمن وقتاً ليذوقه. يستيقظ أحمد في الصباح ممتنعا عن شرب الحليب، ردة فعله كالتي يفعلها حين يشبع من مرضعته فاطمة أمُّ سعيد، رائحته مليئة بأزهار الخزامى وحبوب الينسون التي تنثرها الأمهات كعسل لم ينهِ طفولته إلى الآن ولم يشتهِ الزهرَ بعد. تستغرب المرضعة التي تكفلت برعايته مما ترى “أسبقتني حليمة إليك!” تشير بجملتها تلك إلى حليمة السعدية مرضعة النبي الكريم، امتهنت الرضاعة حُبّا بها وتمنّت لو أن هذا الحليب الذي يدرّه صدرها بسرعة وسهولة يكون من نصيب نبيّ، تستغفر ربها وتؤمن بأن محمد خاتم الأنبياء، لكن الله قادر على التراجع عن قراره وإرسال نبيٍّ جديد ستكون هي إنْ أمهلها العمر أول المؤمنين به، يدخل من خلاله اسمها التاريخ والجنة.
يجلس بجانبه حمزة صديق عمره الذي فلتَ من موتٍ محقق. الحياة التي كُتبت له كمعجزة بعد كل ما فعله ببضعة جنودٍ قشتاليين، حفر قبره بيديه في السجن، فضّل أن يقتله أحد المساجين معه قبل تنفيذ الإعدام به في ساحة المدينة أمام السكان الخائفين، حفر بعمق مترين فوجد ما لم يخطر في باله، سُلّماً للأسفل. نجا هو ومن معه في الزنزانة بواسطة القبر الذي كان يتهيّأ للموت والنوم به، نزلوا بالسلم الطويل الذي ربما كان في أحد العصور نفقاً لملك يشابه ملكهم أبوعبدالله الصغير في الضعف والهوان. يعامل الملوك أوطانهم كأراضٍ مؤقتة، أول ما يفعلون حين يتسلمون زمام الحكم هو وضع طرقٍ سرية للهرب، تعيش الشعوب على الأرض ويدخل الحكام والملوك غرف حياتهم بالأنفاق والسراديب.
حمزة: إلى أين الآن؟
قاسم: إلى الربّ.
حمزة: أيّ ربّ تقصد! هربنا بسبب رب وراحلون إلى ربٍّ آخر.
ربما كان في كلام قاسم نبوءة لم تتضح تفاصيلها بعد، هم في منتصف الطريق لساحل مدينة سبتة، اختارها الرجل الذي خاض حربين لأنها بعيدة إلى حد ما إذا اكتشفوا هروبهم وقرروا مطاردتهم.
يحاول حمزة أن يفتح حديثا مع قاسم. قاسم مشغول بابنه الذي لا يعرف إن كان سيصل معه الأرض الجديدة أم سيتركه ويتجه للأعلى. هذا الهزال الذي لازمه طوال حياته يبلغ الآن أقصى حدوده، يضمه إلى صدره ويكتم دموعه، يودّ أن يقول له لا تتركني. سأتيتّم من بعدك. لن يبقَى لي أحد. خُذني معك. لكن كل الكلمات تتلقّفها الريح قبل خروجها من فمه، العاصفة في صدره أشدّ من تلك التي تضرب السفينة بقوة مخيفة، بين موتين يشعر بنفسه الآن. موت ابنه الذي يكاد يخطفه من حضنه وموت السفينة التي تحتضر بخفة ترفعها للأعلى وترميها للأسفل. يصرخ القبطان بهم “تماسكوا اهدؤوا” الهلع يسيطر على الراكبين، الأطفال عادوا للبكاء بصوتٍ أعلى واختبؤوا بصدور أمهاتهم، الرجال يبحثون عن حلول للنجاة بأسرهم من تلاطم الأمواج وعنفها. حمزة يحث قاسم على النجاة لكنه لا يتحرك ولا يهتم.
مات أحمد في حضنه. يبكي بدموع إن نزل بها إلى البحر سيغرق البحر وينجو هو. لم يعرف حمزة كيف يتصرف معه، هل سننجو والموت موجود معنا على ظهر السفينة، هل نمسك به ونرميه في البحر أم نرمي أحمد ونكرمه بالدفن في بطن حوت علّه يحيا ويعود لنا يوماً. قلب قاسم ككرة عجينٍ بين يديّ خباز، لينٌ إلى الحدّ الممكن معه تمزيقه وإعادة تشكيله لأي شيء آخر لا يكون فيه قلب بشري، يإنّ قاسم حزناً وتنقلب السفينة وهو يتشبّث بأحمد كقارب نجاة من الغرق. تهوي السفينة التي ضربتها الرياح الشديدة إلى قاع البحر ويطفو الجميع إما غرقى أو نصف ناجون ممسكينَ بالغرقى.
ينجو قاسم بحضنه لجثة أحمد، ينجو ببركات الشيخ المريض كما كان يداعبه في بيتهما، ينقذه حياً وميتاً. يفرض الموت مسميات جديدة، يتحول الجسد إلى جثة، يرفض قاسم تخليه عن هذا الجسد حين يطلب منه حمزة تركه والتمسك بقطعة خشب عريضة طفت بينهما، يضمّ الجسد أكثر ككنز خرج له من أعماق البحر. يرفع وجه أحمد عن الماء، يرفع عن عينيه شعره، يَدٌ على الخشبة خشية الغرق وأخرى تمسك أحمد خوفا من نزوله للأسفل وحده.
ينظر إلى حمزة ويعرف ما تقوله عيناه. يرد عليه قائلاً “لا أستطيع”، يحاول حمزة معه “اتركه لقدره” . تعود عيناه لوجه ابنه الحبيب، يحدق بملامحه. للمرة الأخيرة يراه ويناديه. لا ينتظر إجابةً منه، يرفعهما الماء بخفة، يتحرك الجسدان باستسلام لمشيئة البحر. يبدو أحمد كأنه نائم يُحمل إلى سريره، ليس مهتماً بأصوات الغرقى من النساء والأطفال، الراحة والسكينة تغطي ملامح وجهه ككفنٍ لمن يموت في عرض البحر ولا كفن له كي يدفن فيه. يضمه إلى صدره وكمن يودّع الهواء يتنفس بعمق شديد. يتنفس الولد والبلاد. همس في أذنه “أستودعكَ رب الحوت.. عندما تحيا لا تَعُدْ لبلادك” أفلت قاسم يده عن جسد أحمد، أفلتَ البلاد للمرة الثانية.
ــــــــــــــــــــــــــ

* الرواية صادرة عن دار نوفاليس في الكويت 2017م.
* كاتبة وروائية من الكويت. صدر لها نوفيلا بعنوان “صفيح” عن دار مسعى 2014، رواية “الأندلسي” عن دار نوفابلس 2017، لها مدونة على الانترنت “خارج الرحم” تنشر فيها نصوصاً قصيرة.