أكتوبر 19, 2018
  • أكتوبر 19, 2018
أكتوبر 11, 2018

فصل من رواية “أرض المؤامرات السعيدة” وجدي الأهدل

By 0 112 Views

السبت (25)
مكثنا في المقر إلى أن وصلتنا النسخ الأولى من العدد. استلمتُ المفتاح الجديد للمقر، وتم تبديل الحراسة وقت خروجنا، أي في حوالي الساعة السابعة صباحاً. كلفتُ (نور) سكرتير التحرير بالسفر فوراً إلى الجروم لتغطية جلسة المحاكمة الثانية في قضية جليلة. دعاني الشباب للإفطار في محل قريب يقدم فول الجرة مع التميس، فاعتذرتُ لهم وقلت إنني قد طلقتُ الفول ثلاثاً! ضحك الشباب باستثناء (شريف) الذي علق ساخراً: “بهذه السرعة.. ومن أول ليلة!”. ضحكنا جميعاً، كنا سعداء ونضحك من أي شيء.

أوصلتُ (فتحية) إلى منزلها، كانت متعبة، وقالت إن يومها كان طويلاً للغاية ومزدحماً بالعمل! كانت تسكن في حي فقير جداً، والبيت الذي خلّفه لها والدها المتوفى كان شعبياً، ومكوناً من غرفتين وحمام ومطبخ. كانت بكر أبيها، وهي التي تعيل أسرتها منذ وفاته. قمتُ بمناورة لكي تنزل من السيارة إلى عتبة بيتهم مباشرة، لأن المجاري كانت طافحة، والشارع صار بحيرة. لا أعرف كيف تستطيع الدخول والخروج من هذا البيت الذي يحتاج إلى زورق! لوحتُ لها مودعاً، وظهر أشقاؤها الصغار تتطاول رؤوسهم لرؤية السيارة الفخمة التي نزلت منها أختهم. خرجتْ من بين أضلاعي تنهيدة طويلة، وفكرتُ في التمزق النفسي الذي ستمر به (فتحية).. فهي قد قضت ساعات في جناح فاخر بفندق خمس نجوم، وذاقتْ نعيم الحياة المُرفهة، وها هي الآن تعود إلى الفقر المدقع.. أي إنسان يستطيع أن يتحمل هذا؟! فكرتُ أن (فتحية) المرحة اللطيفة التي لا تفارق الابتسامة شفتيها هي ضحية العيش بين عالمين متناقضين، وأن في داخلها حزناً لا تتسعُ له بحار العالم.

قمتُ بجولة على المكتبات، وتأكدتُ من أن توزيع جريدة (النضال) يسير بصورة روتينية. كان الناس يشترون جريدتنا دون أن يرتابوا في شيء. وبحسب الخطة، نزل العدد للأسواق بأسماء هيئة التحرير السابقة.

رجعتُ للشقة الساعة التاسعة صباحاً. كانت (خاتمة) نائمة، فخمنتُ أنها ظلتْ طوال الليل ساهرة في انتظار عودتي. تمددتُ بهدوء بجوار (خاتمة) محاولاً كبت الصرير اللعين الذي يصدر عن خشب السرير. من شدة الإرهاق لم أُبدّل ملابسي، آخر فكرة خطرتْ ببالي قبل أن يداهمني النوم هي أنني حققتُ حلمي وصرتُ رئيس تحرير صحيفة، ولكن تحقيق الأمنية كان مُنغَّصَاً، ويشبه الحصول على المتعة من الطرف الآخر بالإكراه.

صحوتُ الساعة الرابعة عصراً. تفقدتُ هاتفي فلم أجده، ناديتُ على (خاتمة) فجاءتني به، قالت إنها أبعدته عني لكي لا يُقلق نومي. وجدتُ عشرات المكالمات الفائتة. (خاتمة) عندها حق، يبدو أنه لم يكف عن الرنين. وجدتُ مكالمات من (رياض الكيّاد)، والمحامي (حمود شنطة)، وزميلي الجديد (شريف). ويا للمفاجأة مكالمة من زوجتي! اتصلتُ أولاً بزوجتي. فتحت الخط وشتمتني دون مقدمات، ولم تقل حتى كلمة “ألو” المعتادة. قالت إن القنوات الفضائية قد عزّرتْ بي، وأن ملايين البشر يعتقدون أنني أنا التجسيد الحي لسَلح الشيطان. وقبل أن تُغلق الخط في وجهي طلبتْ أن أرسل لها مصروف الأولاد! تركتني مصدوماً والذهول مرتسم على وجهي.

دخلتْ (خاتمة) وسألتني إن كنت جائعاً، فطلبتُ منها أن تُحضر لي سندوتش فاصوليا وكوب شاي أحمر. شغلت كومبيوتري المحمول ودخلتُ الشبكة، كانت فضيحة لا أول لها ولا آخر.. وسائل الإعلام كشفتْ كل شيء، وكأنهم كانوا حاضرين معنا الليلة الماضية.. فكرتُ أن اكتشاف ما حدث بالأمس – وأنا الصحفي العالم بدهاليز الصحافة- يحتاج وقتاً معقولاً في الأحوال العادية. ولم يكن هناك سوى احتمال وحيد، وهو أن واحداً من مجموعتنا قام بتسريب المعلومات إلى مراسلي وكالات الأنباء وقبض أجراً..

قادني تفكيري إلى الشك في (شريف) الرجل الأقرب إلى شغل موقعي في حال غرقت مراكبي واضطررتُ للاستقالة.. ولكن يمكن أيضاً أن يفعلها أي واحد من الشباب مدفوعاً بالطموح والرغبة في الصعود السريع.. لعل بيننا واحداً لا تزال عنده رواسب من الميول اليسارية. استبعدتُ (فتحية) لأنني متأكد – ونظرتي في النساء لا تخيب أبداً- أنها تكاد تطير من الفرح لاختيارها للعمل معي، وليس من مصلحتها في شيء إحراق اسمي وتلويث سمعتي.

اتصل (شريف) وأنا أفكر به، كان غاضباً ويتكلم بحدة، واتهم (نور) سكرتير التحرير صراحة بأنه هو من سرّب أنباء اعتقال (غالب زبيطة) وشركائه وقيامنا بالحلول مكانهم. هدأته وقلت له إننا سنعقد اجتماعاً في مقر الصحيفة بعد ساعة، طالبته بالالتزام بآداب الحوار وعدم الانفعال، وعدم إلقاء التهم جزافاً.

اتصلتُ بالأستاذ (رياض الكيّاد) الذي بارك لي نجاح العملية، وهوّن عليّ الضجة الإعلامية، وقال إنها مجرد زوبعة في فنجان وستهدأ بعد أيام.. أعطاني إذناً بنشر أسماء هيئة التحرير الجديدة، قال إنه لم يعد ثمة داعٍ للتمويه.

التهمتُ سندوتش الفاصوليا وأنا أتحضّر للخروج وأرتدي ملابسي. ودعتُ (خاتمة) بقبلة طويلة، وقلت لها بما يُشبه الاعتذار إنني مشغول جداً.

عند باب العمارة وجدتُ عدة نسخ من جريدة (النضال) مكورّة وممزقة، كانت إشارة تحذير.. ممن؟؟ لا أعرف. مؤكد أن هناك من يحوم حولي ويريد أن يُوصل لي رسالة معينة. تلفّتُ، لم أجد سيارة يُوحي منظرها بالريبة.

اتصلتُ بـ(فتحية) وطلبتُ منها إبلاغ جميع الشباب بسرعة الحضور إلى مقر الصحيفة. على الطريق اشتريتُ قاتاً وسجائر وجرائد اليوم.

وجدتُ (نور) قد سبقني – فتح له العسكر- كان مُتكئاً يُخزّن القات في مقيل الصحيفة. سلمني التحقيقات التي كتبها عن مجريات قضيتي جليلة ومحسنة. في قضية جليلة أصدر قاضي محكمة الجروم قراراً ببطلان الكشف الطبي الذي أجرته الطبيبة الروسية تاتيانا، نظراً لسجلها الجنائي غير النظيف وفقدانها الأهلية. كما أصدر قراراً بتكليف طبيبة يمنية – بنظر مستشفى الجروم- لإعادة الكشف الطبي على الطفلة جليلة. كما أصدر قراراً بتكليف طبيب – بنظر مدير مستشفى الجروم- لإجراء الفحص الطبي على الشيخ بكري حسن!

وفي النيابة تواصلتْ التحقيقات في القضية المرفوعة ضد الناشطة الحقوقية (سلام مهدي)، وأصدر وكيل النيابة أمراً بإجراء فحص طبي للبنت محسنة، التي زعمتْ منظمة الدفاع عن حقوق الطفلات أنها قد ماتت نتيجة دخول زوجها عليها.

حصل نور أيضاً على تصريح صحفي من هادي زهير – جد جليلة- قال فيه إنه يرفض إعادة الكشف الطبي الجديد نظراً لمرور أكثر من شهر وعشرة أيام على الحادثة، وإنه مُتمسك بتقرير الطبيبة الروسية الذي أثبت الحالة وقت وقوعها. وحصل على تصريح صحفي من المحامي (شعيب العجيل) الذي كان يترافع عن الناشطة (سلام مهدي) أنتقد فيه قرار وكيل النيابة إجراء فحص طبي للتأكد من عذرية محسنة، واعتبره حرفاً لمسار القضية، وأن مسألة عذرية الطفلة من عدمها ليست موضوعاً للشكوى.. وطالب بالتحقيق في هوية الطفلة التي تنتحل صفة (محسنة) المتوفاة.

ورغم بعض الهنات في الصياغة، فقد كان مجهود (نور) طيباً، ويُبشر بميلاد صحفي موهوب. اتصل المحافظ (جابر شنيني) وأخبرني أنه أصدر قراراً بتعيين الشيخ (بكري حسن) مستشاراً. فوعدته بنشر الخبر في الصفحة الأولى من عدد الغد.

وصلتْ (فتحية) يسبقها عطرها مُبشراً بمقدمها. لم تكن رائحة العطر غريبة عن أنفي، إنه العطر نفسه الذي تتعطر به (نسمة) سكرتيرة (رياض الكيّاد).. لابد أن هذا الزير يمتلك كرتوناً منه! خلعتْ (فتحية) حذاءها ذي الكعب العالي، وقعدتْ في طرف المجلس. كانت مُتفتحة كوردة، وتفاؤل الدنيا يطل من عينيها. أجريتُ تعديلات طفيفة على مادة (نور) واخترتُ عناوين زاعقة، ثم سلمتها لـ(فتحية) لتبدأ بصفها.

ظهر (شريف) فجأة في الباب وهو يُحدقُ فيّ وفي (نور) بنظرات تُبطنُ كلاماً كان يُسرّهُ في نفسه.. وليس من الصعب التخمين أن كلامه لم يكن حسناً.

اتصل (رياض الكيّاد) واقترح أن ننشر مادة تُهاجم جريدة الأيام العدنية المعارضة، طلب أن نُلقنهم درساً. وعلى الفور كلفتُ مدير التحرير(شريف) بكتابة مقالة تقصف “الأيام” وتصفها بانعدام المهنية، وخرق أبسط قواعد العمل الصحفي، وأن يستشهد بتسرعها في نشر خبر وفاة الطفلة محسنة الذي ثبت فيما بعد عدم صحته.

أتى المحامي (حمود شنطة) وهو يحمل إعلاناً عن الأعمال الخيرية التي يقوم بها الشيخ (بكري حسن). طبعاً كان علينا نشر الإعلان مجاناً. انضم إلى مقيلنا ليُخزّن القات وهو أمر ضايقني.. هل أرسله الشيخ ليكون عيناً عليّ وعلى الجريدة؟

حوالي الساعة السابعة مساءً اكتمل حضور طاقم العمل. عقدنا اجتماعاً في مكتبي – التصق بي حمود شنطة كالهر- وراجعنا نظام توزيع العمل، وكلفتُ كل واحد بمهام محددة. عقب انفضاض الاجتماع مدّ لي (حمود شنطة) بقصيدة عمودية راجياً نشرها.. قرأتها،

كانت قصيدة غزلية تافهة من تلك التي يكتبها المراهقون في الصفوف الثانوية، ولكنني رحبت بنشرها، وقلت في نفسي كل شيء فاسد في البلد، فما الذي يمنع أن نُفسد ذوق القراء أيضاً!

استأذن (نور) في الانصراف مُبكراً، قال إنه لم ينم، وما يزال ساهراً منذ الأمس، وافقتُ، وقلت له إنني سأتولى مراجعة مادته بعد صفها.

انتهينا من عملنا قرب منتصف الليل، واستلم (شريف) العدد جاهزاً، فذهب به للمطبعة. عرضتُ على (فتحية) أن أوصلها لبيتها فوافقتْ. في الطريق سألتني أين أسكن ومن يُقيم معي، لم أخبرها شيئاً عن (خاتمة)، وقلت لها إنني أُقيم في شقة مفروشة لوحدي.

تلميحها كان واضحاً ولا يحتمل تأويلاً آخر. كانت تتكلم وتُحدقُ فيّ بنظرة تكاد تلتهمني، بينما كنت أتجنبُ أن تلتقي نظرتي بنظرتها مُركزاً على القيادة. تجرأتُ وسألتها:

– لماذا لم تتزوجي؟
– على يدك.. هب لي عريساً وأنا سأتزوجه الآن قبل أن تُشرق الشمس!
– غير معقول.. بنت في مثل جمالك ولا تجد عريساً يطرق بابها، هل أُصيب الرجال في بلادي بالعمى؟؟
– كل الرجال الذين تقدموا لي كانوا يريدونني زوجة ثانية.
– هل تُعارضين تعدد الزوجات؟
– كنتُ أعارضه إلى أن دخلتُ في سن الثلاثين وظهر الشعر الأبيض في رأسي.
– يعني لو تقدم لك رجل متزوج ستقبلين؟
– طبعاً.. المهم أن أتزوج.. أنت لا تعرف مقدار عذاب المرأة العانس في اليمن.. ولو عرفت لأشفقت عليّ وتزوجتني فوراً هاها!
– هاها.. ما رأيك لو نخصص صفحة للمرأة تُشرفين أنتِ على تحريرها؟
– أوافق بشرط.
– ما هو؟
– أن تهتم قليلاً بالمرأة التي معك فوق السيارة!
ضحكنا ووعدتها خيراً!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*وجدي الأهدل – روائي يمني.
**صدرت في بيروت عن دار هاشيت أنطوان- نوفل 2018.