فبراير 18, 2019
  • فبراير 18, 2019
يناير 18, 2019

فصلان من رواية “ليلة يلدا” * غادة العبسي *

By 0 250 Views

“لا يرجعُ السّهمُ نحو القوسِ ثانيةً.
حافظ الشيرازي”

تمرُّ الأيام سريعاً، والصغير الذي كانت تقترب قامته من رغيف السنـﮔك قد كبر، صار أكثر طولاً من فيروز..كان هو الوحيد، الذي مازال يناديني بـشمس، فلقد صرتُ معروفاً بين الجميع بـ (حافظ)..فيروز يكرر لي دائماً بأنه لم يزل يراني طفلاً تبهره الحكايات، وأنني مهما كبرتُ أو ابتعدتُ عن هذا المخبز سأظل ابناً وحيداً له.

وفي تلك الليلة كنا معاً كعادتنا منذ سنواتٍ طوال، نقف أمام نار الفرن الحارقة لنُخرج منه الأرغفة الساخنة،ونرصّها في هواء الساحة أمام المخبز..

قلت:
-لن أتركك أبداً يا فيروز..
-أعرف أنها سنة الحياة يا ولدي، لقد أحببتَ العلم يا شمس والعلم سوف ينير لك الطريق أينما ذهبت. لكل مجتهدٍ نصيب يا بنيّ وأنت تستذكر طوال الوقت! ألا تملُّ يا شمس؟
-كيف أملُّ من دراسة كتاب الله؟ كما أنني آكل الخبز المنعجن بحكايات فيروز؟ وأحفظها عن ظهر قلب؟
-أنت (حافظ) الحكايات إذاً!
-بالطبع يا فيروز، وأنتَ منحة القدر الكبرى. ولكن أين حكاية اليوم؟
-أدّخر لك تلك الحكاية منذ وقتٍ طويل!

بعينين تمتلآن بالدموع حكى فيروز عن (فِرهاد)، فرهاد الذي عُرف بمهارته في النقش على الحجر، كان يعملُ في خدمةِ شيرين الأرمينية، ووقع في حبّها، ثم نقش رسماً لها فوق صخرة. كلّفه الملك خسرو ﭙرويز -زوجُ شيرين وعاشقها- بمهمةٍ مستحيلة وهي أن يحفر نفقاً في جبل بيستون، وعندما انتهى (فرهاد) من المهمة طمعاً في وصال شيرين أرسل إليه خسرو كذباً بأنها قد ماتت، فقتل فرهاد نفسه بنفس الأدوات التي حفر بها صورتها فوق الصخر!

ظلّ كلانا يتأمل خيط النور الأول من الفجر،نتنسّم عبيره المختلط برائحة الخبز الطازج. رثيتُ لحال فرهاد، وأخبرتُ فيروز برأيي في القصة، التي لم تعجبني! لماذا يقتل نفسه وهو يعرف أنها ليست له من البداية؟ وكيف يعمي العشق بصيرة رجلٍ ماهرٍ مثل فِرهاد؟
كان فيروز يبتسم وأنا أتحدث، ولم يعلّق.وعندما أذّن المؤذن لصلاة الفجر توجهنا إلى المسجد لأداء الفريضة وعدتُ سريعاً إلى المخبز كعادتي لإيصال الخبز إلى بعض بيوت الحيّ، إلا أن فيروز في ذلك اليوم لم يخطر بباله أبداً ما سوف يحدث لي بعدما أتم كلماته تلك:
-هناك زبائن جدد يا شمس، إنهم يسكنون بالقرب من حديقة (الشقائق والشمشاد) .

لقد سرتُ في طرقات الحيّ حاملاً الخبز مثل كل يوم. ألقيتُ السلامَ على الجيران والأصدقاء، وزّعت على زبائن فيروز سنـﮔك وتافتون وبربري ، مررتُ ببيتنا القديم وبحديقة الورد أيضاً. كان لِزاماً عليّ أن أمرّ بكل التذكارات المضنية يوميًّا، من المؤكد أن قلبي قد انفطر مئات المرات..ربما اعتاد كل هذا الألم ولكنه لم ينسه أبداً..في ذلك اليوم تحديداً كنتُ قد سامحتُ الجميع، ولا أدري لماذا، طوال الطريق تذكّرتُ ما حكاه فيروز عن القمح قبلاً، قال لو أن القمحة لم تنفلق، وتنشطر إلى نصفين ليخرج الخَضار من قلبها ما كانت هناك سنابل ولا حقول ولا خبز ولا فيروز ولا شمس! والأعجب من ذلك، فيروز لم يدرِ أنه يرسلني هذا اليوم إلى حتفي، فكأنني قد تطهّرتُ من كل أحزاني، واغتسلتُ من خطاياهم في حقي، أدنو من أسري وخلاصي، من نجاتي وهلاكي!

ماذا الذي حدث يا حافظ منذ رأيتَها؟

كنتُ فتىً يتيماً، الإنجاز الأكبر في حياته هو حفظ القرآن الكريم،لا يعرف أن بقاءه على قيد الأمل وعزمه على مقاومة الفشل برغم ما لاقى من قسوة وفُرقةٍ من أقرب الناس إليه منجَزٌ أعظم من ذلك.ربما كان اسم (حافظ) شحذاً لهمّة فتى مازال صغيراً على تحقيق أي إنجازات!

ولكن ما الذي حدث منذ رأيتُها؟

لقد أبصرتُ حديقة الشقائق والشمشاد وانعطفتُ يساراً كما وصف لي فيروز، فوجدتُ تلةً خضراء يعلوها بيتٌ بديع بنوافذ مزيّنة بالزهور من كل جانب.تحيط بالبيت حديقة لم أرَ لها مثيلاً بين كل بيوت الحيّ، وحول هذا كله سياجٌ من خشب. وقبل أن أصل إلى بوابة البيت الجميل، لمحتُ طَيفاً في الحديقة، كانت هي تمسك بفرع شجرة فستق، اكتظ بثمراته الحُمر. ظلّت تقتطف الثمرة وراء الثمرة، وتجعلها تتساقط فوق طرحةٍ من الحرير الأزرق. كان بياض يديها الجميلتين يبرق من بين ثمرات الفستق الأرجوانية، وجدائل شعرها الأسود تتدلى وراء ظهرها من تحت طرحتها الشفافة، وقوامها الرشيق ملفوفٌ في ثوبها الأخضر. نظرتُ يميناً ويساراً لعلّي أرى وجهها الذي تحجبه الشجرة فلم أستطع، كاد الخبز أن يسقط من يدي فتذكرتُ ما الذي جاء بي إلى هنا، ناديتُ بصوت غريق يبحث عن شاطئ:
-الخبز يا كِرام..الخبز يا أهل البيت..

أطلّت بوجهها الدرّي من بين الأفرع.جذبت طرحتها وغطّت بها وجه القمر، كانت برهةً من الوقت، برهة لا أكثر، رأيتُ فيها محيّاها العجيب، عيناها الواسعتان المكحّلتان وقوسا حاجبيها الحارسان قد صوّبا سهم عشقها نحو قلبي الغضّ. هذا الفم، أكان حقًّا فمها أم أنه فستقةٌ من تلك التي بين أناملها؟

كان كل شيء حولي يدور! السماء والأرض. خِدرٌ يسري في كياني ونشوةٌ لم تزرني من قبل، شلالٌ هادرٌ من الدماء يدفُق إلى قلبي..

ما الذي حدث يا حافظ؟

اقتربَت نحوي، سمعتُ حفيفَ الشجرة التي تركَتْها تستحلفها كي تعود إليها. وقع قدميها الصغيرتين فوق الأرض، تلك الأرض الخضراء بدت تتراقص فرحاً بقدومها.ولمّا أقبلت وصارت قبالتي تماماً شممتُ رائحة الياسمين تفوح من تلك الزهرة المتفتحة. اشتد العطر أكثر فأكثر، لقد مرّت من أمامي، باتجاه بوابة البيت. أحسست أنها مرّت فوق قلبي..

بل ليتها فعلَت!

انفتح الباب وخرج خادمٌ حجب رؤيتها عني تماماً.عرّفني بنفسه سريعاً وسلّمتُه الخبز. وضع في كفّي المال، فلم أطبق عليه جيّداً وسقط مني، مالَ (رستم) ليلتقطه من الأرض وقال:
-لا تدعه يسقط مرةً أخرى!

كان قلبي قد سقط مني ولم أرد استرجاعه مرةً أخرى..

ما الذي حدث يا حافظ؟

عدتُ عبر الطريق نفسه، مشيتُ أمام البساتين ذاتها، كانت خطواتي المتربة مازالت بكراً فوق طرقات لم يطأها أحد بعد، شمس شيراز القديمة أشرقت منذ ساعاتٍ قليلة، وذهبتُ إلى الدرس وأنهيتُه وأنا لا أذكر ما قاله معلّمي..كنتُ أحلم يقظاناً بعودتي إلى حديقة الفستق المجاورة لبستان الشقائق والشمشاد. كنت أنتظر إشارة فيروز بالعودة إلى المكان ذاته مثل أمس، ولكني بعد الذهاب والعودة لمدة أسبوع كامل، وصل شوقي بي إلى منتهاه، ذقتُ فيه الوجْد والوحشة، فلم أظفر بلمحةٍ من طيفها ولا عطرها، القدر الذي فاض عليّ برؤية وجهها وشملني بحضورها وعبّقني برائحتها، منعني عنها طوال هذه الأيام الطويلة.فإن كان قد جمعني بها ليفرقني عنها فما الحكمة من وراء كل هذا العذاب؟

كيف اعتصرتُ ألمي كل صباح وأنا أعطي الخبز إلى رستم خادمها الطيب، وكيف أمسكتُ لساني عن السؤال عنها؟

لم يعد شيء كما كان أبداً بعد هذا اليوم..

ماذا حدث يا حافظ؟

كان (فرهاد) على وشك أن يقتل نفسه مجدداً في جسدٍ آخر، من أجلها هي!

* * *

“أحطّمُ نفسي
على ذكرِ
عينيكِ!
حافظ الشيرازي”

لو أن للعشق وصايا!

لو أن له سبيلاً إن قطعناها وصلنا!

كيف يكون في قلبك كل هذا الحبّ للمعشوق فلا يهتم ولا يبالي؟

ولكنّها تظل فتاة يا حافظ لا تملك من أمرها مثلما تملك أنت من أمرك..

ولكن لا.. الموافقة لا تحتاج سوى نظرة، لا تحتاج سوى أن ترخي أهدابها القاتلة تلك فوق عينيها، العيون تتبسّم يا حافظ، وإن كنتُ أفضّل الموت على ياقوتِ شفتيها لكن لا حاجة لقلبي بلسانٍ ينطق عن هوى، يكفيني منها ابتسامة عينيها..لفتة منها في منتصف الطريق قبل أن تختفي كل يوم داخل هذا البيت الذي بتّ أكرهه بقدرما أحببته، مجرد إشارة قبل أن ينغلق الباب في وجه العاشق المسكين..

هكذا تدور أحاديث النفس كل ساعة، بين العقل والقلب..بين اليأس والرجاء.

في طريق الذهاب والعودة، لا شغل لي سواها..

لن تعرف أبداً أنك تحبُّ إلا إذا وقعت في شرك الحيرة وعدم اليقين، العشق هو الآلة التي تعيدك إلى فطرةِ التعرّف إلى الأشياء كأنك تراها لأول مرة، بشغف المعرفة والرغبة في اختبار اللذة والألم على السواء، سوف يعيدك طفلاً إلى أن يرديكَ شيخاً. الحب أن تتعلّم ولا تكتفي منه أبداً، أن تصير الشئ وضده في آن واحد، الجنون والحكمة، والعرفان والجهل..

ربما كانت رغبتي في العلم والدرس تعوّضني عما أجهل منها!

تلك المرة لم أدعها تراني، تسللتُ حتى وصلتُ إلى شجرة الفستق الحانية، كان فراشها الأزرق مربوطاً بفرعٍ من فروعها المثمرة، اقتربتُ أكثر فوجدتُ ما لا أقدر على وصفه! كأن فستقة طازجة سقطت من الفرع مازالت مغطاة بمخمل قشرتها الأرجوانية، كانت هي “آسمان”، تتطاير طرّتها وخصلات شعرها الطويل أمامي، أتتبّع رقبتها العاجية حتى منبت صدرها، تطبق بيديها على قشرة الفستق هائلة الحجم، والتي تغطي جسدها العاري إلا من شقٍّ يجري في الكسوة الحمراء تلك يكشف عن منتصف صدرها وبطنها وسرّتها، فتحت ذراعيها لي أن اقترب، أقبلتُ عليها ألمسها بأناملي أتأكّد مما أرى، أغرقتُ روحي في بحر عينيها الأخضر، أصيح بأعلى الصوت:آسمان..آسمان، ثم أمسكتُ برأسها الجميل وقبّلتها في فمها، كألف ألف ثمرة فستق غارقة في العسل المصفّى. كانت تلك قبلتها، أردتُ أن أحتضنها، شعرتُ بنهديها فوق صدري، ضممتها أكثر، حتى تحطّمت قشرة الفستق من أعلى ومن أسفل ومن دبر، هبطتُ تحت قدميها، أقبّلهما صاعداً إلى أعلى، وأعلى..

استقيظتُ وكل ما بي يجري، دمي وعَرَقي ودَمعي ومائي!

سقطتُ من مضجعي وأصبتُ رأسي..ثم ضحكتُ..

ضحكتُ وقد تيسّر لي كل هذا..اللقاء والعناق والقبلة!

شعوري بها في ذلك اليوم اختلف كثيراً، بل اختلف كليّةً، صارت آسمان ملكاً لي باسم الحلم، كنتُ أحمل في صدري ذكرى حقيقية وطازجة، كنتُ أسير لأسبق روحي المحلّقة، وكلّي يقين بأنها لن تردّني عن بابها مرة أخرى..
ولكن ذهبتُ لأجد الشتاء قد سبقني إليها!

يتساقط الثلج فوق مدينتنا، ولم أجد آسمان في قشرة فستق أرجوانية، كان الثلج فحسب..

كدتُ أتجمّد في مكاني وأنا أحدّق إلى النوافذ فلربما أطلت من إحداها تعدني بلقاء وشيك، ولكن لم يظهر أحد، حتى رستم لم يخرج عندما ناديتُه، طرقت الباب، وأعطيتُه خبز فيروز ولم يردّ ولو بكلمةٍ واحدة، لم أنتبه لهذا التصرف الغريب فكنتُ في مصيبةٍ أكبر، وأي مصيبة أكبر من حرماني من رؤيتها؟

لو أنني أستطيع عجن هذا الخبز بعشقي حتى إذا تذوّقَته عرفَتْ ما بي!

عدتُ حزيناً إلى فيروز، كان أطفال الحي يلهون بكرات الثلج. يفرحون بمجيئه، بينما تستعد أمهاتهم في البيوت والأسواق استعداداً لليلة يلدا التي ينتظرها الجميع كل عام، حيث السهر فيها حتى مطلع الفجر..
-لقد كبر ابني شمس على إيصال الخبز إلى أصحابه..
-ماذا تقصد يا فيروز؟
-أظنُّ أنه يستوجب عليَّ إيجاد فتى صغير ليحمل عن كاهلك تلك المهمة، لقد أصبحتَ من أهل العلم، لا يجب أن تقوم بهذا العمل البسيط بعد الآن..
شعرتُ بطعنةٍ في قلبي! كيف أكفّ عن زيارة بيت آسمان؟
-لا..لا تقل ذلك أرجوك يا فيروز، لن أتركك أبداً! لا أستطيع!
-ومَن قال ذلك؟ سوف يبقى عملك معي هنا في المخبز ولكن لن تذهب لإيصال الخبز بعد اليوم..
-لستُ مرتاحاً لقرارك يا فيروز! هل حدث شئ؟
-سوف أصدقك القول يا بني..لقد جاءني رستم الخادم وطلب ألّا تأتي مرةً أخرى إليهم!
-رستم؟؟ لا أصدّق..لماذا؟؟
-أنت تعرف السبب يا شمس..

ألهذا الحد ترفضين حافظ يا آسمان؟!

حسناً يا حبّة القلب، حسناً يا أنشودة الروح..

لا عليكِ أبداً..

مازال الأطفال يضحكون..كأنهم يسخرون مني ومن حبّي..

آسمان!

حتى اسمها يسخر مني! ستظل هي السماء ولكن من دون أن تظلّلني وتحميني، ستبقى هي الجنة وإن كنتُ مطروداً منها إلى الأبد!
كان يوم عيد، وكانت هي عيدي على الدوام..

جلستُ بالقرب من النهر لا أشعر بالبرد القارس الذي يمزّق أوصالي، في قلبي نيران تُشعِل ألف موقد في بيوت شيراز هذه الليلة،لم يكن أمامي سوى صورة آسمان وهي بين أحضاني، وجدتُ من يربّت على كتفي فإذا بفيروز يجذبني من يدي ويدخلني إلى بيته، كانت آزاده قد أعدّت مائدة يلدا الحمراء: البطيخ والرمان والخرما والتين، والزبيب الأحمر والكثير من الفستق!

أنتِ أيتها الجنة البعيدة كل شئٍ يؤول إليكِ في النهاية..لا مفرّ..
لا مفرّ..

أقبل جمعٌ من رفقائي في حلقة الدرس، وعددٌ من شيوخ الحيّ من أصدقاء فيروز، كان هذا الرجل هو الوحيد الذي يشعر بحالي ويعرف من أمري. حاول إدخال السرور على قلبي بكل ما أوتيَ من قوة شيخٍ شارف على الستين من عمره، فإن كان قد عجز أن يجلب لي من أحبّها فهو قادر على أن يجلب لي الكثير ممن أحبهم!

وقف عند رأس المائدة وبدأ يمارس هوايته المفضلة:

-أيتها الصحبة الغالية، شكراً لمجيئكم إلى بيتي المتواضع في ليلة العيد، ولكن أريد أن أقول إن من دعاكم الليلة هو ابني شمس..أعرف أن جميعكم الآن تنادونه حافظ، ولكن صار لي زمن لم أنادِهِ سوى باسمه، الذي اختاره أبوه بهاء الدين رحمه الله: شمس..
شمس ابني أيضاً، شاهدتُه وهو يكبر ويشتد عوده، يساعدني ويحمل الخبز على كتفيه. كنتُ أول من بشّره شمس بإتمام حفظ القرآن الكريم، واليوم يفخر به معلموه في حلقات الدرس، ويشيدون بنجابته وقدرته الفائقة على التعلّم والدرس، ويتنبأ الكل له بمستقبل عظيم..

مرّت ليالٍ حالكة الظلمة على هذا الشاب الطيّب ولكنه في كل مرة كان يخرج منها إلى النور، فهو حافظٌ ومحفوظ ولا أخشى عليه!

ادعوا معي لشمس ونحن ننتظر الشمس الجديدة..
انهمرت دموعي وأنا أحتضن فيروز..
-أنتَ أبي يا فيروز! شكراً لك!
-بل شكراً لك أنت يا بنيّ!فكم علّمتني وكم أدخلت السعادة إلى قلبي!
-أين حكاية الليلة يا فيروز؟
صاح أحد الشيوخ:
-إذا شرع فيروز في القصّ فسوف تطلع الشمس الجديدة ولن نمس هذه المائدة العامرة!

ردّ فيروز ضاحكاً:
-هيّا إلى الطعام يا أصدقاء، أما الحكاية فسوف أحكيها بعد أن تمتلئ بطونكم!

شاركتهم الضحك، بل كنتُ أعلاهم صوتاً، استغربتُ روحي،فها هي تعرف طريقاً للضحك وكنت حسبتُ أنها لا تعرف سوى البكاء والحَزَنِ!

استغرق جميعهم في الأكل، أما أنا فظللتُ أتناول الفستق حبّةً وراء حبّة، كل حبّةٍ تقرّبني من آسمان مرةً أخرى، كل حبّة تحطّم قشرة الفستق، التي تحول بيني وبين قلبها الأبيض، لم أكفّ عن الأكل إلا عندما صاح جعفر صديق فيروز القديم:

-سوف تنجب العديد من الذكور يا حافظ! كل هذا الفستق أكلته بمفردك!
ضحك الجميع وضحكتُ معهم خاصةً عندما بدأوا في طرح أسماء فتيات الحي، اللاتي يصلحن للزواج.. ثم همس جعفر لفيروز:
-أين النبيذ يا رجل؟ هل ستنقضي الليلة من دون نبيذ شيراز؟
أخرج فيروز من خزانته القديمة قارورة من النبيذ الأحمر، فصفق الجميع، ثم قال:
-هذا النبيذ عصرتْه جوارٍ كرجيات ، كان الكرْم الأحمر يستغيث من جمالهن فعصر نفسه وذاب!
قلتُ لفيروز :
-هذا شعرٌ يا فيروز..أحسنت!!

ثم أمر جعفر بإخراج الرّباب ، وبدأ فيروز يحكي حكايته الجديدة على أنغام جعفر الحزينة في مقام الصّبا. يحكي ويسكب النبيذ في الكؤوس:

منذ قديم الأزل، منذ بداية هذا الكون والقمر يعشق الشمس، برغم استحالة اللقيا بينهما،إلا أن القمر وبعد انتهاء عمله طوال الليل لم ييأس من محاولة رؤية الشمس فبات ينتظرها حتى السّحَر، ولكن في كل مرة كان النعاس يغلبه، ويطلع النهار، حتى خطرت له فكرة: صادَق نَجماً جميلاً وطلب منه في تلك الليلة أن يوقظه قبيل منتصف الليل، وقد كان، واستيقظ القمر وذهب ليستقبل الشمس قبل طلوعها، وما إن رأته الشمس حتى نسيت الكون وما فيه وراحا معاً في سكرةِ غرامٍ طويلة، وقد تركا الكون في ظلمة يلدا الحالكة، ولكن الشمس وإن طلعت متأخرة فقد كان مولد العشق بينها وبين القمر يتجدد كل عام في تلك الليلة!
-مولد العشق!
-نعم يا شمس، مولد العشق.. تلك قصة يلدا!

هيّا يا شمس ألقِ علينا من شعر سعدي الذي تحبّه.

كنت أتحسس موضع سهمها فوق قلبي،ومولد عشقها يتجدد مع الأفراح والأتراح..
كانت الخمرة أمامي مسكوبة في كأسي، شربوا جميعا وناموا مخمورين في مقاعدهم، تناولتُ الكأس ومددتُ يدي إلى بعض حبّات الفستق المتبقية، مضغتها وشربتُ معها نبيذ الكرجيات.
سألت الكرجيات: هل تقدرن على عصر هذا القلب، الذي ينبض بحبها؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ
* “ليلة يلدا” رواية صادرة عن دار التنوير ببيروت 2018.

* غادة العبسي كاتبة وطبيبة ومطربة مصرية

الأعمال الأدبية :

بيت اللوز -مجموعة قصصية -دار غراب للنشر 2018
الإسكافي الأخضر-رواية-مؤسسة بتانة 2017
الفيشاويّ-رواية-دار الساقي 2016
أولاد الحور-مجموعة قصصية-الهيئة العامة لقصور الثقافة سلسلة الفائزين-2014
حشيشة الملاك-مجموعة قصصية-دار إبداع-2013

التكريمات:

الزمالة الفخرية في الكتابة من جامعة آيوا بالولايات المتحدة الأمريكية ٢٠١٧
حاصلة على منحة برنامج الكتابة العالمي لعام ٢٠١٧ بجامعة آيوا بالولايات المتحدة.
عضو خريجي التبادل الدولي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية.
أخيرا : عضو لجنة القصة – المجلس الأعلى للثقافة ٢٠١٧

الجوائز :

-جائزة أخبار الأدب لعام 2016 -فرع الرواية عن الإسكافي الأخضر.
-جائزة نادي القصة لعام 2015-2016 فرع القصة-المركز الأول عن قصة بيت اللوز.
-جائزة مجلة دبي الثقافية لعام 2015-2016 فرع الرواية
-جائزة إحسان عبد القدوس للقصة القصيرة لعام2014-المركز الثاني عن قصة (وحياة قلبي وأتراحه).
-جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي لعام2014-وزارة ثقافة العراق-فرع القصة القصيرة عن قصة (مانوليا)-مركز ثالث.
-جائزة المسابقة المركزية لهيئة قصور الثقافة-دورة صبري موسى عام2014 –مركز أول عن أولاد الحور(مجموعة قصصية).

عملت كمطربة (صوليست) في دار الأوبرا المصرية.