أكتوبر 23, 2018
  • أكتوبر 23, 2018
فبراير 13, 2018

فصلان من رواية “تقرير عن السرقة”* عبدالهادي سعـدون *

By 0 55 Views

” الماضي لا يموت أبداً، حتى أنه ليس ماضياً”
وليم فولكنر




– 1 –

البارحة سرقوا بيتنا. لم يسرقوا من البيت أي شيء باستثناء كمبيوتري المحمول.
حطموا باب البيت ودخلوه عندما كنا خارج المنزل. لم يهتموا بحُلي ولا مجوهرات زوجتي ولا مظروف الأموال الموضوع مؤقتاً على رف مكتبة الصالة. كما أنهم لم يقتربوا من كمبيوتر الزوجة ولا التلفزيون الجديد 32 عقدة، والذي لم يمر على شرائنا له سوى شهر واحد. لم يحطموا أي شيء ولم يعبثوا بالأثاث ولا الدواليب ولا المجرات ولا الصناديق العديدة، الصغيرة والكبيرة، المنتشرة في غرفة النوم وغرفة طفلنا الرضيع.
كل ما فعلوه (أو فعله، لا أعرف إن كان سارقاً لوحده ام رفقة آخرين) أنهم كسروا البوابة بضربة واحدة. ربما استخدموا مقبضاً حديدياً دون أن يشعر بحركتهم أي واحد من الجيران، ثم دخلوا مباشرة إلى مكتبي. في الحقيقة أسميه مكتبي إلا أنه لا يفرق عن أية غرفة أخرى، سوى من طاولة صغيرة ورفوف مكتبة خالية من الكتب وصناديق متنوعة في زاويتين من زواياه الأربع. تركوا كل شيء على حاله، لم تمس أياديهم أي شيء آخر غير كمبيوتري المحمول. كان هناك جهاز تابيلت نوع سامسونغ جديد في علبته، جهاز قراءة الكتروني يخص زوجتي، محفظتي التي دائماً ما أنساها على المكتب، علبة توفير طفلنا المليئة بالقطع النقدية وبالقرب منها صندوق خشبي محفور على جانبيه زخارف طيور واشجار استوائية يضم 300 يورو كنت انوي دفعها اليوم التالي للبلدية كضريبة عن الدخل السنوي.




تركوا كل شيء ولم يحملوا معهم سوى كمبيوتري الشخصي. كمبيوتر قديم اشتريته قبل أربع سنوات عندما كنت ما أزال أعمل في دائرة خدمة المعلومات الوطنية التابعة لشعبة الهجرة في بلدية المدينة، وكان ما يزال يعمل بشكل جيد. كنت استخدمه حتى الأشهر الأخيرة في عملي البيتي كمترجم نصوص ووثائق يبعث لي بها أحد المعارف الذي كان على معرفة بحاجتي للعمل، وكانت تدر عليّ بأرباح بسيطة بين حين وآخر تساعدنا على تحمل الحياة. كان كل يوم يمر أشد وقعاً من اليوم السابق، اقتصاد يطحن العوائل والأفراد الذين بمثل حالتي. عمل يوم والتوقف لأشهر. والتفكير بالحاجة للعيش ليوم آخر.
كنا قد انتقلنا إلى بيتنا الجديد منذ سنة لا غير. لم يكن يعنيني بالمرة شراء بيت في بلد ليس بلدي، على الرغم من عيشي فيه لأكثر من ثلاثين عاماً (تحديداً ثلاثون عاماً وخمسة أشهر وعشرة أيام، حتى يوم السرقة) ولكن الحاح زوجتي ـ خطيبتي آنذاك ـ على ذلك جعلني أرضخ للمسألة، خاصة وأنها كانت تذكرني بابننا في بطنها، والبيت في عرف الكثير من النساء (حتى الأوربيات) ضمانة من مستقبل مجهول. زوجتي آليسيا كانت آخر النساء اللاتي تعرفت بهن. مرت في حياتي المدريدية نساء عديدات، لم أختلف مع أي منهن اختلافاً قاطعاً، لكنني لم أفكر بالارتباط بأي واحدة منهن في حياتي. الانقلاب الوحيد كان مع آليسيا، فهي من تلك النساء القنوعات الصامتات اللاتي لا يتناقشن معك إلا في الأمور الهامة حقاً، وهو ما أرضاني عندما تعرفت بها وتوطدت علاقتنا، خاصة وأنني ملول بطبعي ولا اتحمل الكلام الكثير ولا المناقشات الملتوية التي تدخلك فيها النساء شئت أم أبيت.
كنت قد تجاوزت الخمسين عاماً وبعد ستة أشهر من تعرفي عليها، كانت آليسيا قد انتقلت للعيش معي في شقتي القديمة، وبعد ان تأكد حملها، قررنا ان نشتري بيتنا الصغير هذا. دفعنا اغلب مدخراتنا من سنوات طويلة. الأفضل أن أقول من مدخرات سنوات عملها الطويلة، لأنني لم أدخر مالاً من عمل مثل عملي كمترجم، متقلب الأحوال كأنباء الجو في شتاء لا يرحم. لأكن صادقاً في القول إن آليسيا هي الأخرى لم ترغب بشراب بيت، لكن حملها المفاجئ هو ما سرعَ بالعملية. آليسيا تصغرني بعشر سنين، لهذا أكرر أيضاً مسألة حملها المفاجئ، فقد وصلت عتبة الأربعين وهذا بحد ذاته خط خطر ينصحُ فيه الأطباء بهجر فكرة الحمل بطفل، لأن مخاطره كبيرة على الأم والطفل معاً.
عندما ثبُتَ الحمل وتأكدنا من ابتعاد المخاطر، آنذاك وحسب بدأت آليسيا تناقشني في مسألة شراء بيت. الحقيقة أننا لم نتأخر بالعثور على بيت صغير من خمسين متراً بغرفتين مع صالة مناسبة وحمام ومطبخ متلاصقين، إن لم أقل متداخلين أحدهما بالآخر لولا البوابة الفاصلة بينهما. كان كافياً لعائلة صغيرة لن تكبر حتى لو شئنا لها أن تكبر، فولدنا عيسى هو الوحيد لنا، لا أولاد قبله ولا ولد أو بنت بعده. اسم ابننا (عيسى) لا علاقة له بالعربية إطلاقاً وإن بدا ذلك لأهلي والعرب القلائل الذين اعرفهم والتقيهم بين حين وآخر، لأنه في الحقيقة الاسم الذي اختارته آليسيا ولم اعترض عليه. إذ كما أخبرتني أنها اختارته على اسم شاعر الهايكو الياباني الملقب Isa، وهو شاعرها المفضل والوحيد الذي قرأت له وعشقت قصائده القصار، وراحت تحلم منذ ذلك الوقت بأن تطلق أسمه على مولودها المستقبلي. بالطبع ولدنا عيسى الياباني لا علاقة له بمعنى ومصير يسوع الناصرة، لكن الأهل والمعارف يسعدون بمثل هذه المصادفات التي لا أجد لها معنى. وهو ما منعني من توضيح الالتباس، بل حتى آليسيا شاركتني التواطؤ ذاته وهي تبتسم للآخرين دون أي ذكر للشاعر الهايكوي الذي تغنى بالخريف والجداجد، وكان قد بنى له كوخاً في غابة موحشة ليُنشِطَ إلهامه النباتي قريباً من الجداول وهسهسة الحشرات وخشخشة الريح بتمسيدها متن الأوراق المتساقطة كما تمسد يد دافئة فرو قط أليف في سَبَت مبطن بالقطيفة.
عثرنا على بيتنا عن طريق ماريو، خطيب آليسيا السابق، كان قد سمعَ بوجوده من شقيقته التي تسكن على بعد قطاعين من القطاع الذي تقع فيه شقتنا. وماريو هذا تعرفت عليه في الآونة الأخيرة عندما زارنا مع زوجته ـ وهي الأخرى صديقة قديمة لآليسيا ـ كانت قد تعرفت عليه وارتبطا بعد أن قطعت آليسيا علاقتها به. كان هذا منذ سنين أربع، ولم يجدا في الأمر سوءاً أن يتحولا إلى صديقين خاصة وانهما يعرفان بعضهما منذ أولى سني الطفولة، فقد نشئا في حي واحد ومن عمر واحد، يفرقهما شهر وبضعة أيام لا غير. بالنسبة لي هذه العلاقات تبدو لي شائكة وبالطبع لا أفهمها جيداً. لكن بساطة ما أخبرتني به آليسيا من قصتها مع ماريو والقطيعة بينهما فيما بعد، جعلني أفكر بأن الكثير منا يحاول إيجاد تفسيرات خارقة لأشياء عادية لا تحتمل أكثر من النظر لها بواقعية، ومنها علاقة آليسيا بماريو القديمة.
يقع البيت في بناية من تلك التي تتشابك مع بنايات أخرى وأخرى حتى تشكل مجمعاً سكنياً معقداً ببوابة موحدة مشتركة. هذه النوعية من التجمعات يطلقون عليها (الجُزر)، رغم أن لا علاقة لها بالجزر سوى انفصالها النسبي عما يحيطها من أحياء مجاورة بواسطة شارع عريض أو سور من أشجار يا بسة بلا خضرة أو أرض بُور مجاورة. ربما فكروا عند تشييدها بإنشاء ملاعب كرة أو فضاء لألعاب الأطفال. منتجع جزيرتنا (على هذا اسم شارعنا هو جزيرة براتاريا، ولا علم لي إن كانت الجزيرة موجودة فعلاً في جهة من الأرض أم لا!) محاط بمسبح كبير مهجور بلا مياه، عششتْ على أرضيته المبلطة بالقاشاني المُكسر نباتات قزمة بجذور تسبح في الهواء. وهو المنظر الملازم لنا ما ان نطل من شرفة الصالة، بحيث ان عيوننا قد اعتادت لوناً واحداً باهتاً لم تغير فيه أي شيء أُصص الزهور ولا الشجيرات التي صممت آليسيا بعناد على اقتنائها والعناية بها والإكثار منها في الشرفة. لعل السبب الرئيسي لهذا العناد، وهي المقلة بالكلام، أنها أرادت التعبير عنه أو الاعتذار به عما اقترفته من خطأ واضح بشراء هذه الشقة بالذات. ربما محاولة بتصويب رؤية ناقصة أو حماقة لا تغتفر، خاصة وأن منْ بظرفنا لا يسعفه الحظ في هذه الحياة بفرصة شراء بيت في كل مرة يرغب بها، أو أن يغيرها متى ما شاء.
ومثله مثل كل البيوت التي تقنعك شركة العقارات بكونها متينة وجديدة، فبيتنا لا يستثنى من هذه القاعدة المغرضة. بعد الشراء نكتشف تدريجياً عيوبه الصغيرة التي سرعان من ستتوسع وتكبر لتشكل معضلة ومسألة نقاش حادة وبحث عن حلول مستحيلة لطالما أن البائع قد غسل يديه ما ان سلمك المفاتيح. واحد من تلك العيوب التي لا تغتفر ولم ننتبه لها بالمرة، هي بوابة الشقة الرئيسية. بوابة عادية قديمة ركبوها كي لا يصرفوا أكثر بتركيب بوابة متينة من تلك التي تسمى اليوم بالبوابات المدرعة. طوال إقامتي في مدريد، لم احفل ولو لمرة واحدة بمسألة البوابات ومتانتها، حتى أنني قد عشت في بيوت وشقق قديمة لم أخضع فيها لهوس اغلاق الشبابيك أو الأبواب. كنت بسهولة أرد الباب خلفي رداً عادياً ولا أهتم بإغلاقه إغلاقاً محكماً. وهذه العادة رافقتني من آثار بغداد، إذ لم أرّ في بيت العائلة ما يسمى مفتاحاً أو قفلاً لبوابة البيت الخارجية، إذ كانت البوابة مشرعة بشكل دائم ليل نهار.
هنا عليك التحسب لكل شيء، والشيء الأهم في كل ذلك قبل أن تشتري شقة، هو التأكد من متانة البوابة الرئيسية واقفالها! وهو ما غاب عن بالنا ونحن منشغلان بتجهيز البيت ودهنه وترتيب أثاثه وأغراضه. فكرنا وعرفنا بأمر البوابات المدرعة تلك بعد أن حدثت السرقة، وذلك من ملاحظات رجلي الشرطة والمفتش الجنائي ومراقب بوليصة التأمين. فقد كررها الجميع على أسماعنا ما ان رأوا بوابة الشقة القديمة مهشمة كأنها ورقة رقيقة مزقتها يد طفل عابث.
الحقيقة أنني ما أن رأيت للوهلة الأولى البوابة محطمة وأقفالها مطوية على نفسها من أثر المقبض أو المطرقة أو اية آلة حديدية أخرى استخدمها السارق، هناك وحسب أدركت معنى ما كان يتحدث عن الآخرون. أادركت مدى أهمية بوابة متينة وصامدة. كما فهمت خشية العديد من معارفي على محلاتهم وبيوتهم بصرف الكثير من الأموال من أجل حراسة قوية كتلك البوابات التي لا تقتحم بسهولة. بل ان البعض منهم كان يصر على تركيب أجهزة إنذار ضد السرقة أو التعاقد مع شركات الحراسة الإلكترونية، وهذه كلها أجدها ـ وما أزال ـ نوعاً من المغالاة وتعشيش الخوف الملازم لنا في حياة مجتمع ليست سيئة جداً بالمرة كما يصورها الجميع ويلونها بالسواد القاتم.
مساء السرقة كنا قد غبنا عن البيت للمرة الأولى ولوقت طويل نسبياً. كان يوم أحد، يوم مشمس يدعو للخروج في شتاء أنهكنا ببرده. كانت آليسيا قد سمعت عن حديقة عامة مليئة بالألعاب والمطاعم وبحيرة اصطناعية، لا تبعد عن البيت سوى نصف ساعة بالباص. كنا قد جهزنا أنفسنا لتمضية المساء بأكمله على ان نعود قبل حلول الليل. وهو ما حصل فعلاً. كان يوم استرخاء لذيذ برفقة زوجة محبة وابن هادئ وأكل لذيذ (زوجتي مولعة بالسباغيتي والبيتزا) اشتريناه من أحد المطاعم الإيطالية القريبة من البحيرة الاصطناعية. نحن من نوعية الأزواج التقليديين، لا نمل من روتين حياتنا. لذا لا شيء جديد وحقيقي في ترتيب أيامنا المتتابعة. أحياناً نمضي إلى مكان ما لا على التعيين أو نخرج رفقة أصدقاء (لا بد من القول إنهم في الأغلب أصدقاء لآليسيا) لشراء حاجة معينة أو للشرب. أغلب الأحيان نمضيها في البيت بمشاهدة التلفزيون أو التسلية بأية لعبة معينة. قد نخرج بين حين وآخر بالتجوال في الحي بالقرب من البيت، لا نبتعد كثيراً خاصة وأننا اليوم مقيدان بابن صغير لا نجد أين نتركه فيما لو فكرنا بالسهر أو الغياب لساعات. آليسيا لا علاقة لها بأفراد عائلتها الكبيرة سوى في مناسبات الأعياد، بل حتى هذه تناستها منذ وقت بعيد. أما أمها فهي امرأة كبيرة السن، مريضة تحتاج لرعاية، تفضل الوحدة ولا تحتمل الأطفال، أو على الأقل هذا ما فهمته من كلام آليسيا.
عندما كنا في طريق عودتنا إلى البيت بعد أن أمضينا اليوم كله في الحديقة العامة، وقبل وصولنا إلى الحي بخمس دقائق تقريباً، رن جرس هاتفي الموبايل، ولمحت رقم المتصل بأنه يشير إلى رقم بيتنا. كأنني نائم أو غاف، لم أفكر للحظة كيف يمكن لأحد أن يتصل بي من هاتف بيتنا طالما أننا خارجه ولا أحد غيرنا يعيش فيه؟ وكأن الأمر لا علاقة له بي ولا برقم هاتف البيت، أجبت على المكالمة بصوت عادي منتظراً سماع صوت أعرفه مثل صوت زوجتي أو أحد المقربين. ردد الصوت القادم من صالة البيت يخبرني أنه أحد أفراد الشرطة وانه يتواجد في بيتنا، وان علينا العودة سريعاً لأن أحدهم قد حطم بوابة شقتنا وسرقنا.
شيء غريب ينتابك وأنت تستمع لكل ذلك وكأن لا شيء من كل ما يحدث له علاقة بك. لم يخطر على بالي (كما لو ان أحدهم يمزح معي بسماجة) سوى أن اسأل الشرطي إن كان واثقاً من أن السرقة تمت في بيتنا، والبوابة المحطمة هي بوابة شقتنا… ثم كيف عرفتْ رقم هاتفي الموبايل؟ سألت بهدوء كي لا أفضح ارتباكي.
ـ اسمعني جيداً أيها السيد ـ قال صوت الشرطي ـ نحن هنا في بيتك ونتصل بك من هاتفكم، وقد تعرضت الشقة للسرقة. الأسئلة الأخرى يمكنك تأجيلها الآن لحين وصولك؟ نحن بانتظارك.
ثم أغلق الخط.
ـ ماذا يجري؟ سألتني زوجتي أخيراً.
قلت لها ما أخبرني به الشرطي تواً. كنت أنظر لها بانفراج فم لا أعرف لها مغزى أو هدف. انفراج محدد لم أفهمه أنا نفسي وكأنني في لعبة موازنة لشيء ثقيل خِيطَ للتو على الوجنتين، ومهمتي الوحيدة فيها هي التحمل دون أن تنفرج الشفتان عن ابتسامة وقحة لوجه عاطل تماماً.



– 2 –

عندما جلست على كرسي في مواجهة الشرطي في مركز شرطة الحي، كنت فكرت بأنه سيشرح لي الإجراءات كاملة وربما سيحل لي لغز سرقة بيتنا.
طلب مني السماح له بالتغيب (بحاجة لتفريغ قنينة الكوكا كولا شربتها منذ نصف ساعة؛ قال لي وكأنه يحدثني عن سر حميم) على أن يوافيني بظرف دقيقتين. في غرفة التحقيق المقسمة إلى مربعات تقطع مناضدها الثلاثة عوازل من الكريستال الشفاف. كنت في الوسط بين إثنين، على يساري رجل جاء يبلغ عن سرقة هاتفه المحمول من ماركة باهظة الثمن. من منظره لا يبدو عليه غنياً. يرتدي قميصاً رمادياً بلا أية علامة مميزة وبنطلون نصفي شبيه ببنطلون مراهق ولم يحلق لحيته مثلي. كان صراخه يعلو في الغرفة وهو (يُسأسيء) بلهجة أميركا الجنوبية. أما على يميني فكانت فتاة شابة بوجه حسن وتقاطيع شهوانية بانتفاخ شفتين وارتفاع نهدين يبرزان من فتحة قميص سخي. أمضت الوقت كله بالنحيب الصامت وهي تقوم برفع دعوى ضد صديقها والمطالبة بطرده من الشقة. فهمت من جملها المتقطعة بأنه لا يتوانى عن ضربها والاعتداء عليها لأتفه الأسباب. كانت سيدة متوسطة العمر (ربما أم أو أخت لها) تجلس بقربها وتهدئ من روعها، سمعتها تقول لها انهما لن تخرجان من المركز قبل ان يجدا حلاً لهذا الوغد (ابن الشرموطة).
قبل أن يرجع الشرطي ليقوم بفتح محضر (سرقة بيتي)، كان رجل الهاتف المسروق قد علا صراخه ونقاشه مع الشرطي الآخر، مما اضطر شرطيان آخران من الحرس لسحبه بقوة خارج الغرفة. ما فهمته من صراخه وتهديده أنه لم يقتنع بإجابة الشرطي وإن كل ما سيفعلونه هو الانتظار حتى ظهور الهاتف في احدى المحلات أو بيد سارق آخر سيقع صدفة بيد العدالة. كانوا وهم يسحبونه خارجاً (انضم لهما رجل بملابس مدنية) يتمتم بكلمات فارطة بانه يعرف شكل وجهه وقد قدم وصفاً كاملاً بحرامي هاتفه. غابت كلماته خلف الحواجز العديدة ليتناهى لي انني سمعت أحدهم يصرخ بان ما يجري عنصرية وعدم احترام الحقوق المدنية او شيء مثل هذا.
نبهني الشرطي العائد من تفريغ مثانته وقد جلس بمواجهتي معتذراً عن تغيبه. هذه المرة طلب بطاقة هويتي وراح يكتب على صفحة الكمبيوتر ناقلاً نظراته ما بين الشاشة والهوية، وأحيانا متمعناً بوجهي.
ـ قل لي ما جرى؟ سألني
ـ أخبراني أن عليّ المرور للإبلاغ عن سرقة بيتي.
ـ من الذي أبلغك؟
ـ شرطيان حضرا موقع السرقة في البيت.
ـ وهل تعرفهما؟
ـ كلا، لا اعرفهما. أخبراني بانهما عنصران من هذا المركز.
ـ وهبل حدثت السرقة في حيّنا؟
ـ أجل في الحي نفسه.
ـ في أي شارع؟
ـ جزيرة بارتاريا.
ـ حقاً… هناك شارع بهذا الاسم!
ـ نعم هو شارع في أطراف الحي.
ـ وبهذا الاسم… انتظر لحظة.
وراح يبحث في الكمبيوتر…”آه. حقاً. هو كذلك!”. لا بد انه قد دخل للبحث في غوغل.
ـ أنا مثلك أثار استغرابي عندما انتقلنا للعيش في بيتنا هذا قبل سنة تقريباً.
ـ وهل تعرف معنى الاسم؟
ـ لا أعتقد… ربما له علاقة بالرخص barato؟
ـ حقاً… ربما… وهل المنطقة رخيصة…شعبية…
ـ كلا، ليست كذلك… ليست معروفة ايضاً.
ـ يا للعجب. اسم ليس بالضرورة موافقاً للمنطقة
ـ ربما له معنى آخر.
ـ ربما… بارتاريا! (لحظة صمت وثم) وهل البيت ملك لك؟
ـ لنا. لزوجتي ولي، اشتريناه مشاركة.
ـ وأين الزوجة؟
ـ قيل لي إن إقامة دعوى لا يتطلب حضورنا نحن الاثنان.
ـ منْ أخبرك بذلك؟
ـ الشرطيان.
ـ آه الشرطيان… وهل دونا كل ما وقع في المحضر الأولي.
ـ أعتقد ذلك.
ـ تعتقد…
ـ لا علم لي بما دوناه، فأنا لم أطلع عليه. أخبراني بأن كل شيء أجده جاهزاً في المركز…عندكم…هنا…
ـ بالطبع. ليس من الصعب العثور عليه. كل شيء مدون باليوم والساعة. ولكن لنعد إلى البيت لو سمحت. بيتك… بيتكما انت والزوجة… متى حدثت السرقة تحديداً؟
ـ اليوم تحديداً. قبل ساعتين… تحديداً.
ـ تحديداً… وهل كنتما في داخل البيت؟
ـ لا بالطبع… كنا خارج البيت.
ـ وكيف علمتما بالأمر؟
ـ من الشرطيين.
ـ آه الشرطيان… وكيف علما بالأمر؟
ـ حسب ما أخبرني به أحد الشرطيين أن جار لنا قد رأى البوابة محطمة ومخلوعة من مكانها ما ان مرَّ بشقتنا وهو ينزل من شقته ليغادر البناية. نادى إن كنا في الداخل، ولما لم يجبه أحد، شك بالأمر فاتصل برقم الشرطة وبلغ عن الحادثة.
ـ آه وكأنه فيلم بوليسي.
ـ مجرد مصادفة. لو لم ينزل الجار في وقته، لكنا قد رجعنا للبيت بعده بنصف ساعة أو ساعة على أبعد احتمال ولخبرنا بأنفسنا عن الحادثة.
ـ آه طبعاً… ولكن ما حدث قد حدث، والجار هو الذي نبه عن السرقة… هل تعرف الجار؟
ـ الحقيقة لا أعرف مَنْ مِنَ الجيران قد بلغَ عن السرقة. لم يتسن لي الوقت للسؤال. جئت للتبليغ مباشرة بعد رحيل الشرطيين.
ـ وهل لك علاقة طيبة… أقصد أنتَ وزوجتك مع بقية الجيران؟
ـ اعتقد ذلك…
ـ تعتقد…
ـ أقصد… ليست هناك مشاكل معينة… ثم اننا نعيش في هذه الشقة منذ سنة لا غير.
ـ وهل السنة غير كافية للتعرف على الجيران.
ـ لم أقصد ذلك
ـ ماذا تقصد؟
ـ لا شيء من هذا. كل ما في الأمر أنني لم أقم بعلاقة صداقة وتعارف حتى الآن مع أي من الجيران.
ـ لا تعرف أي واحد من جيرانك…
ـ ليس تماماً… نحيي بعضنا البعض في الدخول والخروج من البناية، خاصة…
ـ خاصة…
ـ الرجل العجوز في الدور الثاني.
ـ من هو؟
ـ لا علم لي. رجل عجوز متأنق على الدوام ويعاني من عجز في قدمه اليسرى لذا يستخدم عكازاً.
ـ ملاحظة دقيقة…
ـ ماذا؟
ـ أقول إنك دقيق الملاحظة. وهل تعتقد إنه هو الذي أخبرَ الشرطة عن السرقة؟
ـ لا أظن… لا علم لي بذلك. ربما هو أو أي شخص آخر، يمكنك ان تعرف الاسم من تقرير الشرطيين.
ـ آه طبعاً… الشرطيان.. وغير العجوز
ـ ما به…
ـ هل تعرف جاراً آخر؟
ـ رأيت أغلبهم عندما نلتقي مصادفة عند السلم. جارتنا على اليمين امرأة حامل ولكنني لم أرّ زوجها بعد. فوقنا تماماً عائلة إنكليزية وبجوارهما عائلة اسبانية من الجنوب. أما تحت، فحسب ما سمعت يسكن رجل أفريقي ربما لوحده أو مع عائلته.. لم اتصادف به.. لا علم لي بالآخرين… لم أرهم حتى اليوم.
ـ لم تلتقهم باجتماعات الجيران الدورية؟
ـ لا، هذه من مهام زوجتي
ـ إذا تتقاسمان الأدوار
ـ نعم
ـ عائلة مثالية
ـ ماذا قلت؟
ـ أقول انكما زوجان مثالين… لم يعد هناك من علاقة بهذه الصورة
ـ أظنك تبالغ…
ـ لا أبداً، ولو كان لي وقت أطول لسردت عليك ما عانيته أنا شخصياً.. على كل…
ـ آه، ولكن الوضع ليس مثلما تتصور
ـ هل هناك مشاكل معينة
ـ أكيد، ولكن ليس بتلك التي يتوجب التوقف عندها.
ـ مثلاً
ـ لا أريد
ـ لا تريد
ـ لا اريد… أعنى أنني لم أجئ للحديث عن عائلتي.
ـ آه طبعاً… لك الحق بالحديث من عدمه… أين كنا؟
ـ بالزواج المثالي…
ـ ألم تقل إنك لا ترغب الحديث عن هذا؟
ـ هذا ما قلت… فقط اذكرك إلى أين وصلت بتساؤلاتك.
ـ آه طبعاً… إذاً المعضلة لا تتعلق بالجيران؟
ـ لا أعرف.
ـ لا تعرف؟
ـ أقصد انني لا أعرف هل للجيران علاقة بالمعضلة!
ـ حسناً… ولكننا هنا نتحرى عن كل شيء للوصول إلى بؤرة المركز.. نقطة الربط الأولى، النقطة الصائبة التي تمنحنا الرؤية الممكنة لفهم الحادثة… هل تفهم ما أقصد؟
ـ تقريباً
ـ وهذا ما اردت من قولي عنك وعن الجيران. إذ ربما لا أحد يعنيه ما يجري في العالم، ولكن إزاء خصوصيات جيرانه وكأنه صقر يتربص بالطريدة على بعد آلاف الأمتار.
ـ هل افهم أنك بهذا تشير إلى أحد الجيران.
ـ أنا لا أشير لأحد. لكن لا يمكننا استثناء أحد. كل شيء ممكن!
ـ طبعاً.
ـ هل تتذكر فيما لو دخل أحد المعارف إلى بيتك… اقصد بيتكما، انت وزوجتك؟
ـ دخله البعض، ليس الكثير.. اصدقاؤنا قِلة ونتزاور بالمناسبات.
ـ والجيران؟
ـ لا أتذكر ان أحدهم قد دخل بيتنا.
ـ ولا لمرة واحدة.
ـ ولا لمرة. إذا أرادوا التساؤل عن شيء يقفون عند عتبة الباب ولم يدخل أحدهم ولو لمرة واحدة، حتى لو ألححت عليهم.
ـ إذا أنت تعرفهم بشكل جيد… وألححت على أحدهم أن يدخل البيت.
ـ لا أعنى ذلك. أردت القول إنه من الأدب أن تدعوا أحد الجيران بالدخول والجلوس بدلاً من الوقوف عند الباب
ـ ومن زاركم منهم؟
ـ لا أحد.
ـ ألم تقلْ…
ـ قلت انه في بعض المناسبات أن اقترب أحدهم ليسألنا فيما لو سمحنا بدخول قارئ ميزانية الكهرباء أو الماء أو الغاز، او التساؤل عن أقساط تنظيف البناية فيما لو نسينا الدفع في أحد الأشهر…
ـ وهل حصل ذلك؟
ـ حصل ماذا؟
ـ ان نسيتما الدفع؟
ـ لا أظن… ربما مرة واحدة بسبب تغيير رقم الحساب البنكي.
ـ رقم حسابكما المشترك طبعاً، أنت وزوجتك؟
ـ كلا… كل واحد منا له حسابه الخاص.
ـ آها، انتما في هذه مثل كل الأزواج الآخرين… مثاليان في شيء ولا مثاليان في شيء آخر.
ـ طبعاً… ولكن هل لهذا من فائدة في الدعوى؟
ـ كل شيء له فائدة في الإيضاح. صدقني حتى تلك التي نعتقد أن لا معنى لها في حياتنا الرتيبة!
ـ حياة رتيبة!
ـ اعذرني، فهذه جملة جاهزة سمعتها عن احدهم ذات يوم واعجبتني وبقيت عالقة في رأسي حتى وجدت مناسبة وضرورية هنا. ألا تبدو لك جملة منطقية في ظرف غير منطقي… ها أنا أعود للعبة الحلزونية من جديد.
ـ اية لعبة!
ـ أسميها الحلزونية لأنني اداور الجملة لأشهر وأكررها على الأقل مرة واحدة أمام كل شخص التقيه. زملائي لم يعودوا يطيقون تكراراتي. أنت على الأقل جديد ولم تسمعها من قبل… كيف تبدو لك؟
ـ لا أعرف عما تقصد؟
ـ عباراتي
ـ أي منها
ـ كلها
ـ لا اتذكرها الآن
ـ اذكرك بآخرها: كلنا ندور في المكان نفسه على اعتقاد إننا نمضي حتى جهات غير محددة!
ـ جيدة!
ـ جيدة
ـ لا أعرف ما عليّ ان أقول… أنا لا أهتم بالعبارات والأقوال حتى أنني أكاد لا اقرأ الكثير.
ـ وكيف تمضي حياتك بدون فضول التعرف على الأشياء الجديدة؟
ـ شيء مثل التعود… لقد عودت نفسي على ذلك.
ـ أنت انسان جدير بمعرفة ما يدور في أغواره. أنظر ها أنا قد عدت من جديد لجملي الجاهزة!
ـ لا عليك… لنعد للمسألة…
ـ كنت تقول إنك عودت نفسك على ذلك.
ـ لا أقصد ذلك. أعنى العودة للمحضر!
ـ آه.. طبعاً… بالتأكيد… همممممم… بالتأكيد… همممم
ـ لا عليك.. كنت اقــ…

لم اسمع كلمة واحدة منه طوال دقيقة أو أكثر. كان منشغلاً مع الكمبيوتر. نظراته أكثر تركيزاً على الشاشة، ولم يعد ينظر لي كما لو انني اختفيت فجأة.
وأخيراً نطق.
ـ لنقل إنني انتهيت من الأسئلة.
ـ انتهى كل شيء.
ـ ماذا تظن؟ لا نستطيع عمل أي شيء حتى تكتمل التقارير كلها.
ـ أية تقارير؟
ـ التقارير… تقرير الشرطة الجنائية وتقرير بوليصة التأمين، وهذه كلها ليست من مسؤولياتنا. أعني من مسؤولياتنا هنا في مركز الشرطة.
ـ والآن؟
ـ بعد يومين ستزورك الشرطة الجنائية لحضور موقع السرقة. أما (التأمين) فهذا من مسؤوليتك الشخصية. هل بلغتهم بالأمر؟
ـ ليس بعد. هل يمكنني ان أعرف ماذا سنفعل ببيت ببوابة مخلوعة إذا كانت الشرطة الجنائية ستمر بعد يومين؟
ـ آه طبعاً السؤال نفسه… لكن العمل يكون بهذه الشاكلة. فقط احذركما ان لا تمسا شيئاً حتى يوم زيارة الشرطة الجنائية حتى لا تساهما بطمس بصمات السارق لو وُجدت رغم انني اشك بوجودها، فهؤلاء الملاعين أصبحوا أكثر ذكاءً من الشرطة نفسها. يسرقون دون ان يتركوا أثراً ورائهم.
ـ هل تعني حقاً ما تقول؟ علينا النوم في بيت مليء بالبصمات وبوابته محطمة؟
ـ هذه هي الترتيبات الجنائية. أنا لا أقول شيئاً خاصاً بي… الكل يعرف بذلك.
ـ أوكي… طيب… والأن.
ـ انتهى كل شيء. اقرأ ورقة المحضر وإن كنت موافقاً على ما جاء بها، وقع نسخها الثلاث. واحدة لك لتحتفظ بحقك في شكوى مستقبلية.
نهض من مكانه وتقدم باتجاه آلة طابعة ليسحب ثلاث أوراق مطبوعة ووضعها أمامي. في أعلى الورقة عبارة (تقرير عن سرقة) يليها رقم الدعوى وتاريخ البلاغ. لم أجد في الورقة أي شيء مما تحدثنا به. كانت تحتوي اسمي ومحل سكناي وساعة قدومي لتقديم البلاغ عن السرقة التي حدثت في بيتي في الساعة الفلانية لليوم الفلاني وللعام الفلاني، ومن ثم اسم مركز شرطة الحي.
لم يذكر المحضر أي شيء مما سألني عنه طوال الساعة التي جلست أمامه نناقش الأمر.
نظرت له مطولاً وكنت أرغب بسؤاله عن أشياء عديدة، لكنني صمتُ وأنا أراقبه جاداً برأس ثابتة وبعينين لا ترمشان إطلاقاً.
وقعت الأوراق الثلاث.
منحني واحدة واحتفظ بالورقتين في ملف ضخم على مكتبه. ثم عاد إلى جلسته وتجاهلني تماماً.
كان يبتسم ابتسامة مهذبة وهو ينتظر قيامي عن الكرسي ورحيلي عن غرفة التبليغ. ابتسامة من تلك التي لا تعرف إن كانت تعنيك ام انها ابتسامة داخلية فضحته ببروزها للعلن في وقت غير مناسب. على الأقل في تلك اللحظة عينها من استلامي الورقة وطيها ودسها في جيب جاكيتي ومن ثم توجهي مباشرة باتجاه يافطة دهنت بلون أصفر فاقع مكتوب عليها كلمة خروج، سمعته يقول لي بهمس: إلى لقاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
• الرواية تحت الطبع.
• عبدالهادي سعـدون: ولد سنة 1968 في بغداد. كاتب عراقي مقيم في اسبانيا منذ عام 1993. باحث ومترجم وأستاذ متخصص في مادة الأدب الإسباني الحديث. حاز عام 2009 على جائزة الإبداع الأدبي (جائزة أنطونيو ماتشادو العالمية في إسبانيا) عن كتابه الشعري (دائماً) التي تمنح من قبل وزارة الثقافة الإسبانية. أصدر أكثر من 15 كتاباً في القصة والشعر والرواية من بينها: تأطير الضحك 1998، انتحالات عائلة 2002، حقول الغريب 2010، مذكرات كلب عراقي 2012 و توستالا 2014.