الرئيسية / فخ السيرة الذاتية! حجي جابر
30_2_1

فخ السيرة الذاتية! حجي جابر

ثمة فخ تنصبه السيرة الذاتية لكاتبها، وقلّة من ينجون منه، فهي تستحضر حظ النفس وشهوة وجودها بحيث تحجب الصدق والتجرد اللازمين لنجاح أيّ عمل سيري، وأنا هنا أتحدث على وجه الخصوص عن الأعمال الأدبية وليس عن تلك التي تأتي ضمن مشاريع ترويجية للساسة ورجال الأعمال، فالغرض منها معروف قبل صدورها.

لكنّ الصعوبة تكبر برأيي والفخ يزداد اتساعاً، حين نكتب سيرة ذاتية عن الغير تنطلق من مشاعر سلبية، إذ يبدو من العسير إخفاء تلك المشاعر، والتوقف عند حسنات الشخصية الرئيسية، لكن ماذا لو حدث هذا وذاك؟ أقصد ماذا لو كتبت السيرة الذاتية عنّا وعن الغير في الآن نفسه، وحوت مشاعر مختلطة يصعب تفكيكها وتجزئتها إلى لونين واضحين يختصران الحب والكراهية؟. هذا ما فعله في الحقيقة الكاتب والمخرج الأميركي بول أوستر في كتابه اختراع العزلة الذي صدرت نسخته العربية مؤخراً عن دار أثر بترجمة أحمد العلي.

في هذا الكتاب، يتحدث بول أوستر عن والده، عن الرجل غريب الأطوار الذي انفصل عن زوجته، فعاش وحيداً برتابة منضبطة. تبدأ الحكاية من اللحظة التي تلّقى فيها أوستر نبأ وفاة والده، تلك اللحظة التي تفصل بين عالمين، عالم بغطاء آمن مهما بدا متداعياً، وآخر مكشوف على الريح والخوف وغياب الطمأنينة.

يزور الكاتب بيت والده، ويبدأ في تسجيل ملاحظاته؛ الباب، والنوافذ، والستائر، جميعها بدت متواطئة مع صاحبها في خلق عزلته التي اخترعها هرباً من الناس ومن نفسه، يحكي بول أوستر عن والده، أنه لجأ إلى إيجاد شخصية موازية لوجوده، يقابل بها الناس ويتجنّب بالتالي وصولهم إلى شخصيته الحقيقية الهشّة «عاش وحيداً عنيداً غامضاً لكأنه محصّن ضد العالم، لم يكن يبدو كرجل يحتلّ حيزاً من الفراغ، وإنما ككتلة من حيّز منيع على هيئة رجل».

بمجرد أن نبدأ في التعاطف مع الأب الذي أجبرته الظروف على اختيار عزلة قاسية، حتى ينتقل أوستر إلى مرحلة أخرى، تظهر فيها صفات أخرى للوالد، صفات لؤم وجشع وبخل في المال والمشاعر، إنها المرحلة التي اعترضت عليها الأسرة لاحقاً فقالت عن ابنها أنه اخترع تلك التفاصيل، ووصفت العمل بأسره بالفضيحة.

يحكي أوستر عن والده كيف أنه وتحت كثير من الإلحاح وافق على اصطحابه إلى مباراة للبيسبول، وقبل انتهاء المباراة وفي ذروة احتدام المنافسة قرّر الأب المغادرة، حاول بول بكل الوسائل إقناعه بالبقاء لكن الأب تمسّك برأيه، وما إن وصلا إلى موقف السيارات حتى سمعا هديراً جماهيرياً كبيراً دون أن يعرفا لمن سُجّلت النقطة!

راوح بول أوستر بين الصفات التي تجلب الاشمئزاز وتلك التي تخلق التعاطف، بدا الأمر مربكاً للقارئ، هل الكاتب هنا يودّع والده بحب أم أنّه وجد أخيراً فرصته للانتقام منه، لكن يبدو لي أن مرد ذلك الإرباك هي مشاعر بول نفسه، وما تلك المراوحة إلا مشاعره المختلطة تجاه أبيه.

لقد كُتبت هذه السيرة بتجرد، وتلقائية، كُتبت ساخنة شهيّة بكل ما فيها من اضطراب وعدم وضوح للرؤية، وانتقل كل ذلك للقارئ، الرابح الوحيد هنا، مهما بدا الأمر قاسياً ومربكاً.

عن صحيفة الوطن