سبتمبر 18, 2019
  • سبتمبر 18, 2019
  • Home
  • قراءات
  • “غاسل صحون يقرأ شوبنهاور” معولٌ في هدم الأصنام
يونيو 15, 2019

“غاسل صحون يقرأ شوبنهاور” معولٌ في هدم الأصنام أمل المصري

By 0 332 Views

أصدر الكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي في العام 2017م رواية ( رجل واحد لأكثر من موت ) عن دار الفارابي.

كانت الرواية الأولى في فلورنسا، أيقونة الجمال الأوروبي، حيث كاظم الفلسطيني يعيش كوابيس ماضيه، يمتهن الكتابة ورحلة البحث عن أجوبة لأسئلته، فغاص في التشرد البوهيمي حين اكتشف كذبة الحضارة التي لا تقدم حلولاً، بل تردي بالذات في قاع البلادة أو الانتحار.

هذا العطب التاريخي لا يمكن إصلاحه، إلا في مكان ارتكابه الأصلي والأساس في فلسطين، فكان لا بدّ من العودة إلى فلسطين، في رواية “غاسل صحون يقرا شوبنهاور” الصادرة عن دار الآداب العام 2019م..

صعبة هي الكتابة عن عمل متقن، يلتمس لغة سهلة وبسيطة، تغرقك في سردٍ هذياني مجنون من الأحلام والكوابيس والرؤى والعوالم المتوازية، يبحث فيها نوح عن أجوبة لإشكالياته الوجودية.
كيف لا يتجلى شوبنهاور بسوداويته السّاخرة في العوالم الفلسطينية؟ كيف يمكن تصوّر الحياة في مدينة تضيق أكثر، وتتغذى على ذاتها، تخترع الحياة لتبقى! مدينة متحوّلة تنمو كالإشاعة وتذوي مثل ساكنيها في اللامبالاة. واقع يؤكد الشر المطلق في العالم، فلا فرق بين نوح وشوبنهاور وأي فلسطيني في أي مكان من العالم!

بسخرية الهائم المتشرد، وبفلسفة التيه والتخيّل، يتابع الجبعيتي رحلته. وطالما أن اللامعقول محقق بقسوة، كان لا بدّ من بساطة لغة رواية “غاسل صحون يقرأ شوبنهاور” لتحمل هذا الكم من السّرد القاسي والواقع المستحيل، من قصص أناس، ومدن، وأماكن وحدائق ما تبقى من فلسطين.

مساجد جُيّرت للأيديولوجيات وكنائس يتناقص مرتادوها. يتحوّل الدين إلى لغوٍ مسخّر والشرف إلى جز رقاب. حياة شروطها قاهرة، أبسطها الطرد من الحياة.

تحزن على مصير القضايا، على الناس والمدن. مدينة منبهرة بنفسها، مقاهٍ وأبراج وفنادق، أجساد تركض صباحًا لتحافظ على رشاقتها، وأجساد تلتحف العراء في تشرد ليلي!

هل كانت تستحق رام الله ذلك؟ هل هي إشكالية السلطة والثورة؟ هل مقتل الثورة في السلطة، وقد منحت الوهم والعدم؟

امرأة نوح في الرواية، خاضت معه رحلة الأفكار والتشرد والبحث والتضحية. هي أسئلتها نفسها وخلاصها وتحررها.

الكاتب يطرح أسئلته ببساطة وعفوية طفل “هل فلسطين ضيقة إلى هذا الحد حتى لا تتسع لأشياء يكتب عنها، مثل وردة ذابلة في حديقة منزل مهجور ، أو طفل مقهور يرتدي حذاءً ليس على مقاسه! ماذا لو سُئل طفل صغير عما يزعجه؟ ربما كان حذاءً ضيقًا أجبر على انتعاله.

رواية جبعيتي معولٌ في هدم الأصنام بمختلف أنواعها. يتقن الكاتب فعل الكتابة بثقافته ولغته الطيّعة، غارفًت من قاع متشابك متوتّر حيث مركزية الإشكاليات السياسية والاجتماعية والدينية والحياتية، من هنا تبرز أهمية هذه الروايات القادمة من “بقايا فلسطين” .

 

*إعلامية وكاتبة لبنانية.