عمار باطويل.. والزيارات السردية للماضي

عمار باطويل.. والزيارات السردية للماضي

يزور السارد الماضي ليس لغرض التاريخ وسرد أحداثه الكبرى والصغرى، بل لغرض تصوير حيوات البشر وانفعالاتهم وعواطفهم والتركيز على القضايا التي يهملها التاريخ ويتلقفها السارد. وهذه القضايا هي مآسي البشر وتطلعاتهم وأحلامهم وما يمور بداخلهم من كراهية وحب تجاه بعضهم البعض وتصوير ما يكشف حياتهم من معاناة وصراع من أجل حياة تليق بإنسانيتهم وكرامتهم. وزيارات عمار السردية تنوعت في الزمن، فمرة تذهب إلى الماضي البعيد نسبياً، كما هو الحال في الرواية الموسومة بــ(سالمين) ومرة تذهب إلى الماضي القريب جداً الذي مازالت آثاره طازجة وعالقة في ذاكرة الأحياء، مثلما هو الحال في رواية (عقرون94)، ولم يقتصر التنوع على الذهاب بعيداً أو قريباً إلى الماضي بل وعلى مستوى الفضاء المكاني، والشخصيات التي تحركت في هذه الفضاءات، وعمار حين مضى في زيارته السردية الأولى مال هواه إلى فضاء دوعن وتحركت شخصياته المؤثرة في إيقاع الأحداث في هذا الفضاء، وهذه الشخصيات بالتحديد هي شخصية العبد ( سالمين)، ومالكه وسيده (حمد) وشكل المكان شوكة وأخزة في ذاكرة (سالمين) لأنه شهد بيعه في (بضه) وهي بلدة من بلدات دوعن، كانت ولا تزال تشهد سوقاً أسبوعياً يرتاده الناس، لشراء ما يحتاجونه من سلع غذائية وأغنام وسلاح وغيرها من الأشياء المطلوبة.

إن هذه السردية التي ارتضت بأن يكون عنوانها (سالمين) وهو اسم الشخصية الرئيسة في الرواية وجدت أن منطق الأحداث يتطلب تغيير الفضاء المكاني الذي يتحرك فيه (سالمين ) و(حمد) فدفعت بهما إلى المهجر (جده) وسوغت سبب الهجرة بتلك الأسباب التقليدية المتمثلة بشظف العيش، وضراوة الحياة. وفي الفضاء الجديد تغير مصير حمد وسالمين ومضت الأمور لصالحهما، وتحررا من الفقر وتنعما برغد العيش، وأضاف (سالمين) إلى هذا التحرر من الفقر، التحرر من عبودية (حمد) إذ تصرف معه سيده تصرفاً نبيلاً، وأعتقه من العبودية وعلى الرغم من تحرر(سالمين) إلا أن البشر ظلوا يعايرونه بلون بشرته السوداء ولم تسعفه ثروتُه من الشعور بالاضطهاد والإحساس بالعبودية في داخله، وحاول أن يعوض هذا الإحساس بالدونية بالزواج من النساء اللاتي اختصن بالبشرة البيضاء إلا أن ذلك لم يكن كافياً لخلاصه من الإحساس، بالعبودية النفسية التي ظل أُسيراً لها إلى النهاية. إن أغلب أحداث الرواية تدور في جده لكن القارئ لا يجد تأثيراً عميقاً للبيئة الجديدة، بل كل ما يجده هو تدوير لحياة الحضارمة فيما بينهم البين وفي هذه الحياة يعملون على ممارسة التعالي والأحقاد. في هذه الأجواء نجد شخصية تتفاخر بجنسيتها وتنكر أصلها الحضرمي بل تستخف بتلك البقعة التي تسمى حضرموت وهذه الشخصية هي شخصية (حسن) ودفع الغرور بهذه الشخصية إلى أن تدعي كُتابة الشعر وهي أبعد ما تكون عن الشعر وكشفت الأيام زيفها وتبين أنها تشتري القصائد من الشعراء وتنسبها إلى نفسها. أما الشخصيات المحسوبة على الجنس الناعم فحضورها باهت وعابر، وتمثل هذا الحضور في شخصية (سوسن) التي ضاقت بها حياة العزوبية والترمل بعد موت زوجها فسولت لها نفسها بالخطيئة، ثم يواجه القارئ شخصية خديجة وهي شخصية ضعيفة ومغلوب على أمرها وهي محاطة باضطهاد التمييز وتشعر بالغربة في وطن أبيها، ولم تسلم من أذى بنات القرية فهن يعايرنها بلقب (الجاوية)، لأنها تتعثر في نطق اللغة العربية. فهي تنطق حرف (الحاء) (هاء) فعندما تنطق (كيف حالك) تقول كيف (هالك) فينكر عليها أخوها هذا الأمر فيقول: ((لك الهلاك)) أما الشخصيات الأخرى فكانت عابرة مثل مبروك وسالمون أبن سالمين ومحمد سالم. وكل هذه الشخصيات لم يكن لها تأثير على مستوى الأحداث، ولم تتميز بخاصيات معينة وربما جاءت بوصفها عنصر من عناصر التأثيث العام للرواية.

أما الزيارة السردية الثانية فقد توجهت إلى الماضي القريب جداً. إذ سردت واقع المتغيرات العصيبة التي حدثت بعد حرب (94) ومدى تأثيراتها على وادي (عقرون) بوصفها منطقة بعيدة عن مجرى الحرب التي أعلنتها الشرعية المتعصبة لوحدة الفساد والإفساد ضد دعاة الانفصال في الجنوب الذين سُلبت حقوقهم باسم الوحدة المزعومة.

إن هذه السردية التي تصاعد من تنورها دخان الاختلافات الأيديولوجية والسياسية يجد القارئ نفسه إزاء شخصيات تختلف تماماً عن شخصيات رواية (سالمين) ليس على مستوى الكم، بل وعلى مستوى الكيف. إذ نجد شخصيات تمتلك وعياً سياسياً مناهضاً لما يسمى (الشرعية) من هذه الشخصيات (عيدروس) الذي وعى زيف الشرعية ومزاعمها الكاذبة عن الديمقراطية وخلاص الشعب من ويلات الحزب الاشتراكي اليمني ودك تطرفه اليساري الذي أضاع الدين وضيق على رجاله.

إن (عيدروس) على موقعه الأدنى من السلم الاجتماعي إلا أنه تزوج من الآخر غير العربي (تزوج امرأة روسية) أن الشرعية التي أتت ما بعد (94) ورفعت شعارها المتطرف الوحدة اليمنية أو الموت كانت تعمل ضد العدالة الاجتماعية وتستهتر بحقوق المواطنة. بل وتتجاوز منطق الشرعية الإنسانية، وتتهم أهل وادي (عقرون) بتهم مقيته مثل الصوملة وخيانة الوطن والشيوعية، وغيرها من التهم الجاهزة للقضاء على خصومها في السياسة ولم تجد هذه الشخصية وسيلة مدنية وثقافية لمواجهة توحش الشرعية سوى الصحافة. ومن الشخصيات اللافتة في الرواية شخصية (كاسترو) وهو يمثل علامة دالة على تأثير التربية الحزبية التي جعلت البسطاء يحلمون بالمساواة والعدالة الاجتماعية وتحت تأثير هذا التطلع غير ( الصبي الوضيع) اسمه إلى كاسترو بوصفه رمزاً من رموز الاشتراكية، فضلا عن شخصية (عقرون) التي اختارتها السردية عنواناً لها وكأنها بهذا الاختيار تريد أن تحتفي وتتباهى بهذا الاسم المتأصل في التاريخ أمام تلك التشنجات الصادرة من الشرعية، والتي ترمي إلى التشكيك في الهوية الوطنية لأبناء هذا الوادي. ومثلت شخصية (عقرون) نموذجا لذلك الإنسان البسيط الذي يحرص على البقاء في الأرض والتشبث بها ليس من خلال حرثها فقط، بل التغني بها. وهناك شخصيات أخرى نالت منها الشرعية المزيفة ودفعت بها إلى جحيم الفقر مثل (عفيف) الذي يدل اسمها على عفتها ونزاهتها تردت حياتها وتجرعت مرارة الواقع، وشاهدت تحول أسواق بيع الخضرة إلى أسواق لبيع السلاح فعافت نفسها البيع في هذا السوق واعتزلت العمل إلى أن ماتت معنوياً. وهناك شخصية (عائض) الذي تولع قلبه بالزعيم (سالمين) لأنه مثّل رمزاً للبساطة والبسطاء. ويشعر (عائض) وأمثاله من الفقراء أن المسافة بينهم وبين سالمين قريبة جداً، وحين يذهبون إلى مقارنة الزعيم (سالمين) بشرعية (صالح) يدركون أن المسافة بينهم وبين الشرعية بعيدة، ومن المستحيل الالتقاء، لأنها تريد من الجميع أن يتحولوا إلى خدم لها. ومن الشخصيات اللافتة شخصية العبد (ظافر) هي الأخرى أرادت أن تعلي من قدرها لذاتها وتقدير الناس لها، فأصرت على تعُلم اللغة الإنجليزية من أجل تحسين هويتها بهذا البعد الثقافي في التميز، لتتمكن من الاندماج في المجتمع الذي تسكن التراتبية في أعماقه.

والسردية تلونت بشخصيات من النساء والرجال الذين يعشقون الرقص ويتميزون بتأديته ببراعة مثل المشترحه (أم عقرون). وهي امرأة بارعه في الرقص ولا ترضى أن تحيا إلا بالرقص بوصفه صورة رائعة من صور المعرفة المرحة للجسد على الرغم أن مجتمع الشرعية الحمقاء حاولت أن تشكل وعياً بالضد، من هذه المعرفة المرحة- والطريف في عائلة (عقرون) شهرتهم وبراعتهم في الرقص والغناء، وأمهم لم تكن استثناءً. ونجد شخصية (الصقر) كانت تتفجر هي الأخرى بحب الرقص. أما شخصية (عائض) لم تعشق الفن بل مارسته وبثت كل عواطفها وفرحها بوساطة تلك الآلة التي يقال لها (المزمار).

وظافر هو الآخر لا يرغب أن تمضي حياته دون الرقص. ويأتي بعد ذلك أيوب ليكمل صورة الفن والرقص، ويعلن عن شغفه بالرقص ويصبح بالنسبة لهؤلاء طريقة لمواجهة الواقع الذي يزداد تردياً في ظل الشرعية.

وإذ كانت هذه الشخصيات السابقة قد اصطفت جميعها، وعبرت عن كرهها الشديد لشرعية (94) وأشعلت فتيل الخلاف مع هذه الشرعية. إلا أن هناك من مجَّد الشرعية وعدّها نعمة ربانية تستحق الشكر – من هذه الشخصيات شخصية (الكبش) ولعل اسمه يدل على تبعيته، ومعروف عبر التاريخ لعبة سيطرة الخارج على الداخل. إذ أن هذه اللعبة تبدأ من البحث عن عملاء يقدرون الخيانة ويقبضون ثمنها، ومثل (الكبش) هذا النموذج بوصفه رجل الشرعية في الداخل ودفعت به الشرعية إلى أن يتولى منصب المأمورية في الوادي، وألحت على ترشيحه، وهذه الشخصية تدعي قدرة عجيبة على تمييز الحلال من الحرام ولا شغل لها سوى هذا الادّعاء. ومن اللافت أنها لا ترى أي خروج عن الحلال فيما تفعله الشرعية حتى ولو ارتكبت مظالم وانتهاكاً لحقوق الناس وصور الصراع بين الحزب الاشتراكي والشرعية بأنه صراع بين الكفر والإيمان. وليس من علاقة في هذا الصراع بالحقوق السياسية والمظالم الاجتماعية في الجنوب، وعمقت شخصية فرج القواد السياسي صورة العمالة والخيانة في الداخل التي يقودها الخارج. والمفارقة في هذه الشخصية أن خيانتها مزدوجة، فهي داعرة سياسياً وداعرة جسدياً – إذ أمتدت دعارتها إلى درجة الاعتداء على جسد البنات البريئات وعلى الرغم من أن هذه الأفعال تعدُ جرائم وخروجاً صريحاً عن الشرع إلا أن الشرعية تتستر عليه وتحميه. وفي هذا المشهد الداعر تتبدى صورة (مريومه) الحرفوشة التي تبيع جسدها لمن يدفع، وهي بفعلها هذا تعد جزءاً من تدوير الدعارة العامة التي حرصت الشرعية على تفعيلها ( فمريومه) وغيرها من الحرافيش انتشروا في الجنوب بعد الحرب بصورة لافته، والشرعية تستخدمهم أمنياً، وتبتزهم جسدياً وهذه الشريحة مهيأة لأي فعل بحسب الطلب، لأنها تفتقد إلى القيم. ويأتي بعد ذلك القات الذي ألقى بظلاله على السردية، وهو بطل الشرعية السلبي الذي أفسد شباب الوادي مثل أيوب وغيره – فهذا البطل الفتاك ينال من جيوب شخصيات السردية بل ينال أيضاً من أبدانها وضمائرها ويقود ضحاياه إلى طريق الكيف والغواية ويلعن كل من يقف في طريق المزاج والكيف.

أما الزيارة الثالثة، فقد ذهبت أي تلك المرحلة التي سبقت قيام النظام الوطني في الجنوب. أي مرحلة السلطنات والمشيخات وهذه العملية التحديدية ليست هي من حظيت بالعناية السردية في العمل الروائي الثالث الذي سمي بـ (طريق مولى مطر)، بل إن العناية السردية انصبت بدرجة محورية على حياة البدو في الوادي والجول، وكيف واجهوا اعتداءات عسكر السلطان القعيطي وما تركته حرب المدحر عليهم من تأثيرات، ليس ما قبل الحرب فحسب بل وما بعد الحرب .

إن حدث الحرب مضى، ولكن المشكلة هي ما بعد الحرب ومعاناة هذه البلدة الطيب أهلها الذين تناوشتهم قسوة الطبيعة وضراوة وظلم الحرب وهذه ما صورته السردية. إن عماراً يمضي في طريقه السردي الذي اختاره حاملاً في قلبه محبة عميقة لأهله في الجول والوادي، وهي تلك المساحة المحسوبة على الهضبة الجنوبية ومعروف لكل من عاش وزار هذه الهضبة الجنوبية والمناطق المرتبطة بها في الوادي يشهد إن مياه الوادي تأتيه من الأمطار الموسمية، وحينما تتجمع هذه المياه في جسد الهضبة تصب بمياهها على شكل شلالات مائية تخلب الألباب، وتتحول الأرض الغبراء إلى أرض خضراء فاتنة. ولكن عندما تكف المطر عن النزول في الماضي ((كان الكل يمضي إلى مولى مطر ويذبحون الأغنام ويرفعون آياديهم نحو السماء ويدعون… يامولى مطر أسقِ وادينا بالغيث)). إن حياة البدو في هذه المناطق التي يغيب عنها الماء تضيق وتصبح الحياة مهدده، وإزاء هذا التهديد يصبح البدو لا سبيل لهم سوى الله ثم أوليائه الصالحين ، وعبرت (بركة) وهي الشخصية المحورية في الرواية، تقول (( فعندما تضيق بنا الحياة نلجأ إلى الله ومن ثم إلى أوليائه الصالحين )). وفي المتن السردي إشارة أخرى إلى الحياة التي يغلب عليها التنقل الإجباري الذي يفرض عليهم من الجغرافيا الجافة، و(بركة) هي من يقر بمثل هذه الحياة المضطربة والقلقة فتقول (( وجودنا في الوادي لأوقات معروفة نحددها، فيكون بعضها أثناء قطع خريف النخيل من أموالنا في هذا الوادي، وفي بعض الأوقات عندما يجف المرعى في الجول)). إن السارد عماراً على الرغم من أنه اختار الغربة، وربما اختيرت له بسبب من هجرة أهله إلا أن ذاكرته لم تغادر هذه الأمكنة إذا ظلت تشع بالحكايات التي يسمعها من هنا وهناك، فالناس في الهجرة تتدفق ذاكرتهم بالحكايات الحزينة والمثيرة. ويلتقط عمار هذه الحكايات ويعالجها معالجة سردية ويخلصها من عفويتها وسمتها الحكائيه المباشرة. ويضع لها التأثيثات المكانية والزمانية المناسبة لها، وربما يصادف أن الشخوص الذين يلتقي بهم القارئ على أرضية سردية (طريق مولى مطر) أحياء يرزقون وربما فارقوا الحياة الأولى، ولكن مثل هذه الحقائق لا يبالي بها السارد، فروحه الإبداعية تتخطى هذه الثنائية الحتمية التي تنطق بقوانين البيولوجيا. وهي لا تنصت لصوت هذه الحتمية وتعلن تمردها عليها. إذ ثبت الحياة في الأموات وتلح على أن يبقوا أحياءً في عالم الفن ولذا نرى عتبة العنوان، التي تمثلت في الإهداء قد اعلنت عن غرض سردية (طريق مولى مطر) وهو أن تبقى الشخوص خالدة، وبمنطوق السردية ((إلى ضحايا النسيان الذين لم تخلدهم تواريخ الدول ولم تلتفت لهم القوافل العابرة)). ولكن السؤال لماذا تريد هذه السردية أن تخلد هؤلاء الذين طواهم الماضي ولم يتركوا سوى حكاياتهم الباردة، والتي لم يعد لها أثراً ظاهراُ أو خفياً في حياة الناس، ربما يظن القارئ ذلك. لكن الماضي كما يقول الغزالي هو الآن الدائم إذ يبقى ثاوياً في ذاكرة الناس، وعمار أشعل النار في هذه الذاكرة، وأراد لها أن تبقى متقدة، حتى لا ينسى البشر ما حدث في الماضي. إن الطبيعة البشرية قد تحتمل الأذى والهيمنة والاستبداد لكنها لا تستطيع أن تستمر في تحمله، لأنه ينافي طبيعتها التواقة للكرامة والحرية. وهكذا نرى أن السردية صورت روح المقاومة التي تجسدت عند البدو حينما سُلبت حقوقهم وهدد وجودهم ومثل (عبدالله) ابن (بركة) صورة رائعة من صور المقاومة ضد عسكر السلطان ودفع حياته ثمناً للحرية والتمسك بحقوقه، وكانت أمه (بركة) هي من حفزهُ على القتال وأوصته أن يطلق الرصاص في اللحم البشري وأن لا يرضى بغير اللحم بحسب تقاليد القتال القبلية.

إن الرواية الثالثة تميزت بحضور (نساء) قدمن أنفسهن بوصفهن بطلات مثل (بركة) التي تُجيد الطعن بالخنجر (وسعيدة) التي تجيد الرمي بالرصاص وتفتخر بتميزها القتالي ووصل تميزها إلى درجة تدريبها لأفراد قبيلتها على إجادة رمي الرصاص. ثم أن الرواية لم تقتصر على مواجهة عسكر السلطان بل مواجهة مآسي الهجرة واللامبالاة رجال الوادي تجاه زوجاتهم إذا يقضين زوجاتهم بقية عمرهن في الانتظار، وتكون ناقصه إشباع عاطفي وجسدي. هكذا كان مصير (سعيدة)(وبركة) لكن اللافت في شخصية بركة أنها شخصية حية لم تندب حظها، بل أقدمت على الزواج مرة ثانية من (فرج)، تلك الشخصية الأقل منها مرتبة في السلم الاجتماعي وبركة هي الشخصية نفسها التي اختارت طريق المقاومة لتلك الشخصية المكروهه منها ومن كل من يناصرها من أهلها وأهل البلاد، ولم يكن النجدي مدعوماً في الظاهر سوى من (سالم) ابن عمها الذي مثل اليد الطولى (للنجدي). إن النجدي تلك الشخصية المتطلعة للهيمنة والمصره على إبتلاع العباد، وثروات البلاد. حتى (ولي الله ) تريد أن تسخره لصالحها-وقد نجحت في إستدراجه واصطفافه إلى جانبها بالترغيب بالمال، والتهديد بالإغتيال إن (النجدي) أو المدعو (سليمان) مثل (سالم) ومن لف لفهم منظومة من القيم مضادة للقيم التي تحملها (بركة) وأنصارها. بركة التي تريد أن تحافظ على حقوقها، ولعل هذه الحقوق داخل المتن تتجاوز المعني الفريدي وتقترب أكثر إلى منطقة الرمز إلى الوطن وعلى الحفاظ على هويته من أمثال (النجدي) الدخيل المحسوب على الخارج. إن النجدي يعلن عن جشعه ورغبته للهيمنة فيقول( أنا لم آتِ من نجد التي حققت فيها ثروة كبيرة إلا أنني شممت النفط في أراضٍ أجدادي. وحان لي أن أشتري الأراضي من القبائل، وعندما يكتشف النفط في أرضي سيكون لي النصف منه. وخطتي المستقبلية تمديد العلاقات التجارية والسياسية مع أمريكا وبريطانيا. سوف نقلب الحكم على حاكم هذه الأرض. وسوف أسعى أن أكون الحاكم الفعلي لحضرموت). والمثير في شخصية (النجدي) أنها لا تموت على مستوى الرواية التي تفوه بها (الولي) على الرغم أنها قتلت في الواقع، وقتلها كان ملتبساً، وبخاصة أقوال (الولي) ترجح أن من قتلها بركة لأنها أعلنت أكثر من مرة بأنها ستنتقم وتطعنه بخنجرها. أما الحضور الحي (للنجدي) على مستوى الرؤية بحسب منطوق (الولي) هو على النحو الآتي(أحلم بأن النجدي قد بعث من قبره يقود طيارة بريطانيا ويلقي بالقنابل على الناس في هذه البلاد ويحرق النخيل ويقتل الأغنام، ولم تسلم منه قبب الأولياء …وقبة جدي رأيتها تحترق وكأن القيامة قامت… وأصوات الناس في الوادي تصلني في السماء تطلب من (النجدي) الرحمة..الرحمة… وكلما سمع (النجدي) أصوات الناس تطلب منه الرحمة يكيل عليهم بالقنابل. ولكن هذه المرة ليس بطيارة واحدة مثل طيارة بريطانيا بل بطائرات من كل شكل ولون أتى بها النجدي من كل بلاد الفرنج بلا رحمة يقتل الناس). ولعل هذه الرؤية تحفز القارئ على النظر إلى (النجدي) بوصفه شخصية تحتمل الرمزية مثلها مثل شخصية (بركة) وهي تشير إلى تلك اللعبة التي تتكرر في التاريخ، ولكن بأسماء وطرائق أخرى. ونقصد بهذه اللعبة ( لعبة الداخل العميل الذي يرضى بأن يمطيه الخارج) ليقوده كيفما يشاء ويصبح رهيناً لهذا الخارج، وربما هذا الفعل العنيف الذي حدث على مستوى رؤية (الولي) في الحلم يدفع القارئ بأن يستدعي الحاضر-إذ أن الماضي الذي مضى لا يصبح حوادث ميته، بل جمرات تتوقد ويصل وهجها إلى الحاضر. ومن الشخصيات التي يقابلها القارئ في متن الرواية شخصية (سالم) الحاذق في تقصي الأثر وحذاقته وصلت إلى درجة تمييزه أنثى الظباء من ذكرها بوساطة شم البعر وجاء في المتن ((وعندما يعثر على بعرهن –يقصد الراوي بعر الظباء-يشم رائحة البعر. ومن خلال الرائحة يتعرف على جنس الظباء وهذه ميزه…لا يفطنها إلا القليل)). ثم إن سالماً يلقب بالوعل لقدرته على الاختفاء والظهور في الجبال بسبب سرعته. ويجد القارئ فاطمة الطيارة هذه الطفلة التي نجت عندما ضربت الطائرات البريطانية البدو، وكانت أمها رحمة ( ورحمة ماتت عندما ضربت الطيارة البدو). وفاطمة على حياتها البدوية المحيطة بها إلا أنها تطلعت إلى التعليم في بيت (الجاوي) إلا أن جدتها (سلومة) تستهتر بهذا التطلع وتسد الأفق أمامها. ثم نجد شخصية (الولي) وهي شخصية مؤثرة وكانت شاهده لبعض على الحياة في الوادي والجول، بل شاهده على ما فعله (النجدي) من جرائم في أهل الجول والوادي. وهذه الشخصية على الرغم من سلطتها الدينية إلا أنها وقعت في شرك (النجدي) الذي لخص طبيعة أهل الوادي وعلى لسان الولي إذ يقول(الناس في هذا الوادي لا يقدسون إلا ثلاثة أشياء: الدين، والمال، والنسب العريق ولا يوجد نسب أعرق من نسب الصحابة). والولي نفسه يتنازل للنجدي عن أمور كثيرة لكنه لم يتنازل له عن النسب ولم يقر بأنه من (أهل البيت) –اللافت في شخصية (الولي) أنها بعد عجزها عن تقديم المساعدة لأهل الوادي بسبب ضرب الطيران لهم، وبعد أن وقعت في إغواء (النجدي) بدأت تتشكك فيما تؤمن وأخذ ينال منها الإرهاق الجسدي والنفسي فنطقت بالآتي(أين هي جذور سدرة المنتهى التي تصل إلى قبة جدي. أريد أن أمسك بها وأصعد إلى السماء السابعة لملاقاة ربي كي يغفر لي كل أعمالي أو يضعني في قعر جهنم … أصارع آلامي بعد أن برزت حقيقتي أمامي وأمام الناس، ودخل قلوبهم الشك فيّ، وفي أعمالي التي أقوم بها مع الناس…أعمتني أموال النجدي، فالنجدي لم يأتِ من بلد الحرمين لنشر الخير… فقد جاء بشر-(النجدي) خليط من آثام هذا العالم ولذلك تجمعت فيه آثام تلك البلدان)).

إن الولي يقر بأن النجدي أغواه وأنه فقد القدرة على التأثير في أهل الوادي، وأن زمانه الذهبي تراجع وحل محله رموز الشر في عالمه، وأفسد عليه هذا العالم بالإضافة إلى شخصية الولي نجد شخصية (عبدالرحمن) المدرس الذي أتى من جاوه وفتح بيته لتعليم البنات والأولاد في الوادي وهو((يُعّد …أول أستاذ في الوادي يدرس الأولاد والبنات في غرفة واحدة في داره وقد آثار هذا العمل حفيظة بعض الرجال في بداية الأمر وقد منع بعض الآباء بناتهم من الذهاب)). ثم هذا المدرس لم يسلم من تهمة الإرشادية وأتت هذه التهمة على لسان الولي الذي قال((..هذا الأستاذ الذي ذهبت إليه وطلبتِ منه مساعدتك قد جاء من جاوه وهو مدعوم من الإرشاديين للوقوف ضد علماء هذه البلاد وتحريف الحقائق التي لا تروق له)). وأهل الوادي لم يتفاعلوا مع هذا الجاوي الذي بادر بتعليم أولادهم وتداول الأطفال مثال تهكمي عن المعلم يبين مدى الاستهتار من التعليم وأهله إذ يقول هذا المثل(( ألف باء والمعلم فساء في بلاد الماء))وهذا المثل بالضد من بيت شوقي الذي يبجل المعلم. ومن شخصيات الرواية شخصية (فرج) وهو الرجل الذي أرتضته بركة زوجاً لها على مرتبته الدنيا في السلم الاجتماعي، وهي تحرث الأرض وتسقيها من عرقها، وبارعة في إستخراج اللبان، وهناك مشاهد تبين احتفاء الرواية بهذه المادة الطقوسية التي كان لها حضوراً في المعابد القديمة، ولم يقتصر الأمر على التعبد حسب، بل واستخدمت بوصفها مادة جمالية تزين بها النساء أجسادها بوساطة التبخير. فضلاً عن وظيفته التي ترسخت في الوعي الشعبي وهي قدرته على طرد الجن وما ينسب إليها من الأرواح الشريرة، وهي مادة مسعفة للعشاق إذا ما اضرمت نار الشوق في دواخلهم، وأرادوا أن يخمدوها باللقاء. فتكون لهم علامة فاتنة على حضور الطرف الناعم المنتظر بعيداً عن عيون الرقباء. ولكنه يعلن عن حضوره بوساطة رائحة المادة المتعلقة في جسده. والرواية احتفت ليس باللبان، بل وبمكان اللبان والفضاء المكاني في الرواية توزع ما بين (الوادي والجول) وتشكل جماليته وفق إيقاع (الحركة والسكون) ولعل الحياة البدوية المتنقلة هي الحاضنة لهذا المشهد الذي يقوده في الغالب عوامل خارجية تفرضها الطبيعة القاسية التي تفرض حضورها على حياة البدو وتلونها بلون الحركة والسكون، وقد تتحقق الحركة ويتحقق السكون، ولكن السكون لا يدوم وتظل الحركة وهي سيدة المكان..

الرواية نت