عرج الجوى

عرج الجوى

تسلط رواية “عرج الجوى” للسوري آرام كرابيت الضوء على الرضات النفسية والشروج العميقة التي يتعرض لها الطفل العربي في طفولته. تمارس المدرسة كجزء من مؤسسات الدولة وصايتها عليه وتدمره من الداخل. فالطفل يسير في الحياة وفق إرادة الأخرين وثقافتهم دون النظر إلى تكوينه النفسي وحيويته وعقله.

الرواية تأخذنا إلى عالم الإنسان العربي وكيف ينمو ويكبر في ظل الانكسارات المتعددة.

الأهل والمدرسة رسموا خرائط مستقبله وبنوا حساباتهم فوق جسده ووجوده، ووفق القوانين والمؤسسات التي تلجم ارتقاء الطفل ونهوضه وتطور حياته وعقله ونفسيته. إنهما مدمران له ممزقان لآلية تفكيره.

إن النكوص والتمزق الداخلي الذي يعانيه الصغير ليس في حسبان الأهل. إنهم يريدون منه دون أن يسألوه ماذا يريد من نفسه.

الطفل الذي في أيدينا، في الرواية موهوب ومملوء بالحيوية والنشاط، يتمنى الكثير، بيد أن الواقع مقيد ويقيده، يقول النص:

فتح الطفل ديكران الصندوقَ وأخرج آلتَه، الأوكرديون، ووضعها على صدره وربطها خلف ظهره وبدأ يتمرّن عليها بتحريكِ مفاتيحها بأصابعه الجميلة المرنة.

بعد نصف ساعة جاءت نورما، بيدها آلةُ الكمان, جميلةٌ كفرجة ربانية، كآيةٍ في الجمال، كجمال الزهور في الربيع, عليها تنّورةٌ قصيرةٌ صفراءُ اللون, وقميصٌ أحمرُ, وحذاءٌ أبيضُ, وجواربُ بيضاءُ. اعتذرت عن التأخير بأدبٍ جمّ.
تشاورتِ المعلمة مع نورما وديكران على ماذا سيقدمان.

اقترب والد آفو منه وهمس في أذنه:

ـ ما رأيك بما يحدث؟

ـ إنهما ملائكةٌ هذا الديكران ونورما, شيء مثل الغسق، مثل ذوبان الشمس في ثنايا الأفق عندما ينشر اللون البرتقالي الفاتح حول انحناء الكون.

نحن أشبه بالسعادين المندهشة يا والدي، انظر إلى عيوننا المسمّرة على أطفال لا يشبهوننا في أيّ شيء, إنّهم جميلون وأنيقون وموهوبون, كنت اشتهي أن أكون هما أنا, بصراحة، أنا متماهٍ بهما إلى حدّ الذوبان.

لقد فسح المجال لبعض الأطفال أن يطوروا قدراتهم لأنهم من منبت مميز اجتماعيًا وثقافيًا، بينما آفو، بطلنا المكسور من الداخل يتمزق داخليًا لعدم قدرة الأهل على تأمين حاجاته ليكون هو كما يريد.

جاء في عرض الرواية:

في نهاية السنة استلم آفو الجلاء وقرأ في نهاية الصفحة كلمة راسب، بينما بقية التلاميذ نجحوا، شاهد كيف كانوا يضحكون ويرقصون ويتبادلون التهنئة، ويمشون معًا بسعادة وفرح. يشترون لبعضهم الراحة والبسكويت والشوكولا، أو يتبادلون مع بعضهم الهدايا الصغيرة، وارتدى أغلبهم أجمل الثياب والأحذية الصيفية الجديدة استعدادًا لهذه المناسبة الجميلة.

والكثير من الأمهات أو الأباء جاؤوا مع أولادهم لحضور نجاح أطفالهم وتهنئتهم. وقسم آخر أخذ الجلاء ومضى يلوح به في الهواء وينطنط بسعادة وهو في طريقه مع والديه إلى الكنيسة لحضور القداس للصلاة، وإشعال الشموع والشكر لله.