الرئيسية / قراءات / “طعم الذئب” للكويتيّ عبدالله البصيص.. عنف الصحراء هيثم حسين

“طعم الذئب” للكويتيّ عبدالله البصيص.. عنف الصحراء هيثم حسين

يستعرض الكويتي عبدالله البصيص في روايته “طعم الذئب” مفارقات من الاغتراب الذي يعيشه الإنسان في موطنه وبين مَن يفترض بأنهم أهله وأقاربه، وكيف أن ذاك الاغتراب يتشعب ليتخلل تفاصيل حياته، ويرسم مساره إلى مستقبل ضبابي انطلاقاً من التقييد في قوقعة الصور النمطية، والأفكار المتخلفة، والأحكام المسبقة التي من شأنها تعطيل حياة الإنسان وإبقائه رهين جنون مَن حوله وجهلهم بحركة التاريخ والمجتمع.
يلفت البصيص في روايته (منشورات المركز الثقافي العربي 2016م. اختيرت كأفضل رواية في معرض الشارقة 2017 ) إلى أن المجتمع المحيط بالإنسان يدفعه في كثير من الأحيان إلى التخلي عن هدوئه وسلامه وطمأنينته، لينغمس في واقع مسموم بالأحقاد والضغائن، وكيف أن لعنة العنف تفسد العلاقات الإنسانية، وتخرج المرء عن طوره، وتتسبب بكوارث على مختلف الأصعدة.




جبهات مستعرة:
يخوض بطل الرواية؛ ذيبان، صراعاً مريراً على عدة جبهات، إحدى تلك الجبهات تشهد صراعه مع أمه التي تريده صورة عن والده، تدفعه إلى تقمص شخصية العنيف المقاتل الذي تراه بطلها المفترض، وهذا الصراع يبقيه أسير مأساته ومأساة أمه التي تشعر بأنه خيب أملها وظنها، وابتعد عن سمعة البطولة التي عرف بها والده الراحل.
جبهة أخرى من جبهات الصراع الشرس تتمثل في مجاهدته مَن حوله، المجتمع المحيط به، أولئك الذين يبقونه مقيداً بأحكامهم عنه، وبأنه جبان لا يستطيع الدفاع عن نفسه، أو منازلة أحد في قتال يدُعى إليه أو نزال يفرض عليه، ويكون هذا الجانب مأساوياً كذلك بالنسبة إليه، لأنه مسكون بمحبة الناس، والتواصل معهم، والغناء لهم والاستمتاع برفقتهم، لكن الصورة التي يريدونه أن يكون عليها، ليتوافق مع تصورهم عن البطولة والرجولة، تبعده عن ميدانه الاجتماعي إلى مستنقع الأسى والوحشة.
هناك جانب آخر من الصراع يبقى مستعراً في روح ذيبان وكيانه، وهو المتجسد في تذكر المحبوبة غالية التي كانت محط أنظار الجميع، وكان جمالها المبهر معينه في تحمل قسوة واقعه، ينظم لها القصائد وينشدها له على ربابته، يشدو لها بأجمل الألحان، يصرح لها بحبه، يبثها نجواه وشكواه وعذاباته، وهي تبقيه في منطقة الحيرة، بين الصد والرد، تبقيه نهباً لتجاذبات علاقة غريبة من نوعها.
الصراع الأشد ضراوة يخوضه ضد نفسه، هو الساعي إلى إثبات إنسانيته بعيداً عن سخرية الآخرين واستهزائهم به، يبحث في داخله عن مقومات وجوده واستمراره، يستعين بالحب تارة، وبالشعر والموسيقى تارة أخرى، ليحافظ على إنسانيته في وجه مَن يسعى إلى سلبه منها وتحويله إلى وحش متوافق مع تصورهم عن الرجل البطل، أو المقاتل الشرس الذي يهابه الأعداء.
يضطر ذيبان لقتل شخص استهزأ به، وجعله أضحوكة بين الفتيات اللاتي كان يغني لهم. ذيبان الشاعر الموسيقي أصبح قاتلاً، وجد نفسه ينتقم من الشخص الذي أذله أمام محبوبته غالية، شعر بالإهانة تنغرز في روحه ووجدانه، جرده ذاك الشخص من إنسانيته وكان يركب على ظهره كأنه حمار، ويضحك الفتيات عليه، ولاسيما أنه كان يعلم بأن ذيبان لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا يحارب كالمحاربين بالسيف، بل يكره القتال والسيف كرهاً شديداً.
حادثة قتل ذيبان لأحدهم تحولت إلى مأساة على قبيلته، فهو اليتيم المثقل بأعباء اسم أبيه البطل، يبقى في كنف خاله، ويقوم أهل القتيل بالإغارة على قبيلة ذيبان وقتل أفراد منها، كان ابنان من أبناء خاله من بين المقتولين، وبدت الحرب التي استعرت بعد حادثة قتل ذيبان للشخص الذي أهانه إعلان حرب دموية بين القبيلتين، ثم كان البحث عن سبل لإيقافها، من أجل خوض حروب أخرى مع آخرين.




جحر النفس:
يلفت الروائي إلى أنه كانت تتم تهدئة جبهة حرب مع قبيلة لتشتعل جبهة ثانية في الجهة الأخرى، وكأن حياة أبناء الصحراء مرهونة للحرب ومنذورة للقتل والقتال، لا للحياة الطبيعية. تفرض زوجة خال ذيبان رأيها الذي يبدو انتقاماً من ذيبان الذي تسبب بمقتل ولديها، وتقول إن عليه أن يحارب حميدان من الجهة الأخرى رجلاً لرجل لحل القضية، وإيقاف نهر الدم. وكان الجميع على يقين أن ذيبان لن يقوى على مواجهة حميدان الشهير بضراوته ووحشيته.
لم يجد ذيبان بداً من المواجهة، لكنه لم يستطع أن يقاتل ويدافع عن نفسه، أو أن يتغلب على حميدان، وجد نفسه في وضع فاضح، حين هم حميدان بقتله، وكان من شدة ذعره أن تبول على نفسه، ما دفع حميدان إلى الابتعاد عنه والاستنكاف عن قتل رجل بوال. نجته تلك الحادثة الفضائحية من موت محقق، لكنها ظلت تصمه، وأجبر على مغادرة مكانه الأثير ومحبوبته المشتهاة وأهله الذين كان يحبهم ويستمتع بالحياة في كنفهم برغم ما كان يلاقيه منهم.
يصف البصيص اشتداد الصراع في نفس بطله ذيبان بعد تغول محنته وخروجه المهين من مكانه، والبحث عن مأوى في مكان بعيد يسمع به ولا يعرفه. يمضي في رحلته إلى أغوار نفس بطله، تلك الرحلة التي كانت وجهاً من وجوه رحلته في أعماق الصحراء بحثاً عن نقطة على درب القوافل المتجهة إلى الكويت.
ذروة الصراع والحبكة تتمثل في مواجهة ذيبان لذئب يقتفي أثره ويلاحقه في رحلة الهروب من الفضيحة والبحث عن حياة في مكان آخر، يكون وحيداً في صحراء الغربة والوجع والعنف، يقاتل ضد الذئب الباحث عن وسيلة لنهش جسده، يجاهد للتغلب على الذئب، تراه يستذئب بدوره دفاعاً عن حياته، يقاوم وحشية الذئب الذي يكون تجسيداً لأولئك الذين أرادوا إيذاءه وأهانوه ونكلوا به وبسمعته وشخصيته وحاولوا تلويثه.
يندفع ذيبان إلى جحر يحتمي به، يسد فتحة الجحر بزوادته، يتحدى أنياب الذئب التي خمشت يده، وجد نفسه يعض الذئب نفسه عضاً قوياً، يشعر بطعم الذئب في حلقه، وجده طعماً يجمع بين الحلاوة والحموضة والمرارة. لعل هذا الطعم هو طعم الحياة نفسها، التي تجمع مختلف النقائض وتصهرها في رحلة المرء من مهده إلى لحده.
يعيش ذيبان محنة مضاعفة، يكون جريحاً مقيداً في جحر في قلب الصحراء، وحيداً يتعلق ببصيص أمل وحياة، وفي الخارج الذئب يتربص به لينهشه، والصحراء بقسوة أجوائها تزيده أسى وفجيعة، كما يكون الخوف المتفاقم من داخله ضاغطاً عليه، ناهيك عن شعوره بالتشيؤ والعدمية، ومن ثم محاولة تحديه لتلك الحال بالتذكر والحلم، والرغبة في الحياة التي يتشبث بها على طريقته لا طريقة الآخرين.
يسرد البصيص كيف أن راويه يؤاخي الذئب في مفارقة تجمع بين الحلم واليقظة، يصل إلى يقين أنه يجب أن يكون ذئباً ليحيا في مجتمع ينكل به، تراه بعد أن يقتل الذئب ويسلخ جلده ويأكل قطعة من لحمه، يجد نفسه مسكوناً بشخص آخر يملي عليه ما يجب أن يكون عليه في صراع الحياة والبقاء، يتحول رغماً عنه إلى شخص آخر ليبقى على قيد الحياة. وهنا مأساة الشخص الذي يفرض عليه التحلي بأردية العنف والاستذئاب ليتمكن من التصدي لمحاولات استلابه إنسانيته. مفارقة مريرة متمثلة في اضطرار الإنسان إلى التحول إلى ذئب في صراعه للمحافظة على إنسانيته.
ـــــــــــــــــــــــــ
عن مجلّة الشروق الإماراتية العدد 1340 ديسمبر.
الرواية نت






شاهد أيضاً

“بوركيني” لمايا الحاج.. عن الرمز العار في كلية الفنون محمد حمدان

مايا الحاج هي كاتبة وناقدة لبنانية تكتب بشكل دوري في صحيفة الحياة اللبنانية. وهذه هي …