الرئيسية / حوارات / طارق الطيب.. الإبداع يختمر داخل بوتقة المحنة حاوره: عبد النبي فرج

طارق الطيب.. الإبداع يختمر داخل بوتقة المحنة حاوره: عبد النبي فرج

طارق الطيّب هو روائي وقاص وشاعر ورسام مصري سوداني، من مواليد القاهرة باب الشعرية عام 1959. من أب سوداني من مدينة كوستي هو الطيب محمد أحمد محمود الشريف شروني، وأم من أصول سودانية مصرية. ويستقر حاليا فى النمسا كمدرس ومحاضر في جامعة جراتس وجامعة العلوم الإدارية بمدينة كريمس.هذه الهجنة والتلاقح فى الثقافات والحضارات والأمكنة ساهمت في تكوين الكاتب وجعلته متعدد الاهتمامات فهو الاقتصادي، والروائي والتشكيلي والشاعر، من رواياته: بيت النخيل، مدن بلا نخيل،الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا، بعض الظن، سوق الله، حقيبة مملوءة بحمام وهديل. كما أنه قاص له مجموعة: اذكروا محاسن …، دار شرقيات، القاهرة 1998، ومجموعة: الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء، دار الحضارة، القاهرة 1993 ومسرحية الأسانسير 1982، كما أثرت العملية الإبداعية كخليط وزاد في نسج عالمه الروائي والشعري. كما ترجم له أربعة أعمال إلى الألمانية وإلى الفرنسية والمقدونية والصربية، ونصوصه مترجمة إلى الإيطالية والانجليزية والأوكرانية والسلوفاكية والهولندية والروسية والإسبانية والرومانية.
حاصل على الجائزة العالمية الكبرى في الشعر، رومانيا، 2007. منحة ليترار ميكانا الأدبية لمدة عام كامل 2005. المنحة التشجيعية الكبرى للدولة لعام 2003م.

– هل تتفق معى أنه فى ظل الوحدة والاغتراب الذي يعاني منه البطل فى رواية بيت النخيل نجد المرأة هي الجانب الايجابي والداعم له، وهل تتفق معي على أنه فى كون معادٍ وقاس تظل المرأة عموما في رواية بيت النخيل، والرحلة 797 ، هي الرحم والدفء؟

* سأتفق معك مبدئيا أن المرأة بالفعل هي الجانب الإيجابي والداعم في ظل الوحدة والاغتراب بشكل عام. سأفرق فقط في شخصية البطلين: حمزة في “بيت النخيل” وآدم في “الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا”. حمزة كان مقتلعا من بيئته قسرا، مرميا في بيئة هو الغريب فيها تماما، بيئة فُرِضت عليه ولم يخترها. احتاج حمزة لوقت طويل ليفك مفاتيحها ويدرك المطموس منها؛ لذا كانت ساندرا هي الرحم المنقذ له من صقيع الغربة معنويا وحسيا. لولاها لكان مساره تبدل تماما. في “الرحلة 797 المتجهة إلى ڤيينا” يبدو آدم أسعد حالا في تمكنه من مفاتيح الغربة ولغتها وعصفها المادي، فهو ميسور الحال وميسور العلاقات ومندمج بلا صعوبات تذكر. مر بتجارب صعبة لكنه تجاوزها بنجاح، لكنه كان يقول في الرواية ما معناه [كنت أبحث في السابقات عما ينقصهن، الآن أبحث في ليلى عما ينقصني]. هنا بدأ نوع من الندية بين الطرفين في التواصل، وفي التواصل الحسي بشكل أعلى، لكنها المرأة الفاهمة التي وجد فيها ما يبحث عنه ووجدت فيه الرجل الذي تتمنى.

– هل وضع المؤلف لافته “رواية” على عمل سردي كافٍ لكي تعاملها على أنها رواية، أم أن علينا نحن القراء/ النقاد/ المبدعين/ الباحثين، ألا نستسلم لتجنيس الكاتب لعمله وعلينا “نحن” أن نصنف العمل كما نشاء؟ وإلى أي مدى يعتمد الطيب على السيرة الذاتية في بناء روايته؟

* يحدث في الآونة الأخيرة أن يصنف بعض الكتاب أعمالهم تحت فضاء “رواية”، لكنك قد تكتشف مع القراءة إنه قد مط قصة قصيرة ومددها على فرشة رواية فاهترأت وامتلأت بالثقوب الفنية، أو قد يلجأ للشعرية أكثر من اللازم فيضيع سياق الرواية في الامساك بملامح لعمل يجعلك تستطيع حكايتها، فالشعر قد يخاطب الوجدان والروح بشكل ليس مطلوبا فيه استعادة حكاية، يشبه الموسيقى، دفقات تبلسم الروح. الرواية تفعل ما يقترب من ذلك في ظني ولكن بالحكاية والسرد وتفاصيل الأشخاص وملامحهم. في أوروبا منذ زمن طويل، يكتب بعض الكتاب أعمالهم دون أن يضعوا تصنيفا معينا للمكتوب، يتركونه كنص مفتوح للقارئ ليراه بتذوقه الخاص كما يحلو له، سواء قصة أو رواية أو شعرا أو نصا يؤثر في التلقي وهو الأهم. الاختلاف هنا يأتي من الحرفية الكبيرة في نسج العمل ليتكون من طبقات تسمح لك بالمرور عبر كل دهاليز وتصنيفات نوعين أو أكثر بانسجام ودون تعسف. الجزء الثاني من السؤال، أرد بالقول إن السيرة الذاتية لكل روائي تتضمنها كتاباته بقدر، هناك من يقترب كثيرا، وهناك من يلمح من بعيد. لكن بالتأكيد تأخذ نبعا ومصدرا من الحياة التي عاشها الكاتب ويعيشها، لكن ليس بالمحتم على الكاتب أن يظن أن حياته وحده هي الجديرة بالحكي؛ بل يخلط فيها حيوات آخرين ورؤى وأفكار وقراءات وخبرات واقعية وذهنية وغير ذلك.

– كنت أتحاور مع شاعر وأثناء الحوار قال بيقين وصلابة: “الأرض باقية أم الإنسان زائل”. هل الوطن مكان المولد برأيك هو الأولى بالانتماء والتضحية أم الانتماء لوطن يتيح للإنسان الحياة الكريمة، الحرية، العدالة؟

* هذا القول الفلسفي للشاعر يبدو منطقيا وربما يقترب من الوازع الديني. الانتماء يأتي من عمق بعيد تتضافر فيه جذور طبيعية، فرحم الأم هو أول انتماء حتمي، ثم أرض الميلاد حتى لو سمع عنها ولم يعش فيها، ثم مكان النشأة حتي نصل بالانتماء والحنين إلى (قهوة أمي) كما ذكرها الراحل محمود درويش. فمحل الميلاد مهما كانت قساوته، فالشخص لم يجرب غيره، وعليه أن يتصالح ولو لبصيص من المشاركة الوجدانية حتى يستطيع إكمال الحياة. الانتماء لمكان محدد على الأرض ضرورة لا بد منها. أرض كل انسان؛ أرض الجدات والأجداد، ثم هناك مستوى أعلى في الانتماء ينزاح جهة الانتماء لأفكار عليا، فلسفية أو آيديولوجية بعضها يقصي وبعضها يضم .

– الرومانسية تحتل مساحة واسعة في العملية الإبداعية لدي الكاتب طارق، هل يمكن القول إن طارق الطيب كاتب رومانسي؟

* لو أن توصيف الرومانسية تعني الحب في صوره كافة، والرغبة في الانتماء للمحبوب، والرغبة في منح القلب أبوابا ومنح الروح نوافذ؛ فأنا كاتب رومانسي. لكن أيضا هناك معاناة في الحياة تستوجب الحكاية، كما أن هناك شعلة متقدة جذوتها لا تخبو، هي مفتاح الأمل والاستمرار و”المعافرة” من أجل تغيير يؤدي بالفعل لتغيير، وليس إلى تكرار مريح مؤقت ومخدِّر.

– الكثير من الكتاب العرب ينظر إلى التكوين الذهني للكاتب بريبة ويستعيض عنه بالموهبة والحياة المعاشة كيف تنظر للأمر وما هي الكتب المكونة لذهن المبدع طارق الطيب؟

* لا أدري ما عيب التكوين الذهني في عمل هو في أصله عمل ذهني، يستوجب تربية هذا الذهن. الموهبة هي المفتاح الذي يفتح باب الموهوب على غرف متسعة يمارس فيها فنه بكل يسر وسهولة، لكنه سيحتاج لطريق يمهده لنفسه بالمراس الحاذق، بالقراءة وبالرؤية وبالممارسة، غير ذلك من الممكن أن تخبو الموهبة. ومع ذلك التكوين الذهني وحده قد يخلق عالِما مبدعا لكن ليس بالضرورة أن يخلق فنانا. الاثنان مطلوبان. صانع البيانو الحاذق في التقنية والصوتيات، والعازف الموهوب الحاذق في تقديم الغاية من الوسيلة!

– يقال إن الإبداع عموما يختمر داخل بوتقة المحنة، هل تؤيد هذا الرأي وأي المحن الذي تعرض لها الطيب كانت دافعا للإبداع؟

* بكل تأكيد الابداع يختمر داخل بوتقة المحنة، لكن انتبِه! فليس من المفترض أن تكون المحنة فيزيقية، قد تكون نفسية أو وجدانية في مجتمع ثري متطور ماديا، وليس من الضروري أن يكتوي المبدع ذاتيا بالمحنة لأقصى درجاتها حتى يقدر أن يعبر عنها. الطبيب يدرك كم الألم عند ولادة المرأة، لكنه ليس مطلوبا منه أن يلد ليشعر، فربما يصف الوجع بإلمام فريد ونادر! تعرضت لمحن كثيرة بدنية من صقيع لم أحتمله، في مكان لم يوفر لي أدني متطلبات الصحة والحفاظ على الحياة، ثم لأزمة مادية في المكان الجديد شلت قدرتي على التصرف بشكل اختلف عن طبيعة نشأتي، لكني لم أتعرض فيه للذل، بل تعرضت للشعور بالمهانة لا الإهانة. ثم تعرضت لأزمة لغوية كدت أن أفقد فيها النطق، وأنا أتكلم لغة لا يفهمها أحد، مضطرا إلى تغيير لساني، في سطوة لسان أسرع من لساني! هناك من تعرض لما هو أكثر من معاناتي بكثير- لو سُمِح لي أن أصف نفسي بالتعرض لقليل من هذه المعاناة- رأيته وأنا أنزل السلم حتى القاع، وحين صعدت، لم أنس، لكني في النهاية لا أعتبر عبوري من بوابات الوجع انتصارات؛ إنما هي حياة عشناها لنحكيها لمن يلينا ونحن نضحك ونصدق، ونقول لهم باعتزاز وهمي: لقد عشنا الزمن الجميل..

– الرصد الطويل للعادات والمكان والأساطير هل هو توصيف للمكان باعتباره طاردا للبشر أم مجرد نوستالجيا للكاتب انعكست على الراوي؟

* بالعكس، الرصد الأمين للعادات والمكان والأساطير هو جاذب للغائب ومحيٍ للميت ونافض لذاكرة لولاها لما كان هناك تاريخ حقيقي نحمله في جيناتنا دون أن ندرك (النوستالجيا، أو الحنين للكاتب)- كما ذكرت مرات- عليه أن يكون حنينا ملهما، حتى لو كان يسترجع مآسي، فالعبرة بالفهم والإدراك وليس برص تاريخ وأساطير في قص ولصق كيفما اتفق. الإبداع فن وإدراك واستعادة وعي عبر الأسطورة وعبر العادات والتقاليد، وليس من باب التسلية وتضييع الوقت.

– الحلم يحتل مساحة كبيرة داخل النص الروائي لدي طارق الطيب، هل هو مجرد تقنية كتابة أم هروب الراوي للحلم كان بقصد الهروب من الواقع المؤلم حيث الوحدة والبرد والغربة؟

* لماذا نعتبر الحلم مضادا للواقع، (أنا أيضا عندي حلم ! I have a dream))؟. بالعكس أنا رأيت أن الحلم بمثابة رابط بين المتخيل والواقع، وبين الماضي والمستقبل، هو آني بالفعل، لكنه رابط حيوي. في رواية (بيت النخيل) يبلسم الحلم حياة حمزة، يربطه بماضيه، هذا الماضي الذي يهرب منه، بل يكاد يفسر له أمورا غابت عنه بسبب الاوجاع المتلاحقة، أو بسبب الهموم المتراكمة التي أخفت عنه بعض الملامح؛ فأعارها له الحلم. في رواية (الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا) كان الحلم أيضا رديفا لليلى لتستعيد ملامح حياتها بشكل أفضل كي تتوازن مع حاضرها المتوجع، بينما عند آدم كان الحلم يسد ثغرة الوجدان. الحلم ملهم للوعي فالواقع وحده لا يكفي لندرك معنى الحياة.

– كان للإيروتيكا نصيب كبير من مساحة السرد الروائي في الستينيات والسبعينيات وشحب في الثمانينيات والتسعينيات، ما تفسيرك وكيف ينظر للإيروتيكا في النص الإبداعي؟

* الإيروتيكا في تلك الفترة من الستينيات والسبعينيات كانت مبنية على أرضية فنية، صحيح أن هناك أصوات كانت تتعالى بتوازن إلى حد ما لحجب هذا النوع من الأدب، وكان هناك شد وجذب وهو حراك طبيعي للحياة، لكن استطاع كتاب كبار كيوسف ادريس أو إحسان عبد القدوس أو غيرهم أن ينجزوا أعمالا خالدة. مع المد الآيديولوجي الذي سعى من البداية لمحو الرأي الآخر. ضاع هذا التوازن تدريجيا. وأصبح الفن في العموم متاحا لفئة لا تستطيع توظيف الملامح الايروتيكية بشكل فني مناسب، فانزلق كثير من طُرّاق الفن نحو الإسفاف والشعبوية المبتذلة لا الشعبية العميقة المجبولة من داخل المجتمع. في الفن يمكن ويجوز توظيف كل شيء، لكن بشروط الفن وحساسيته، فالجاهل بالفن سيفسد التنفيذ وسيجر معه نقدا مفزعا يضر غالبا بالفن ككل.

– كيف يري الطيب الجوائز الأدبية الكثيرة في الوطن العربي؟ وهل يمكن الفصل بين راعي الجائزة والجائزة؟

* من المفرح طبعا وجود جوائز عربية كثيرة من شروطها الجودة الأدبية، ومن المهم أن يكون هناك دعم أكثر ومجزٍ للكاتبات والكتاب. إذا تحولت الجائزة للاهتمام باتجاه معين يزاح الكُتّاب نحوه، لينتج الأدب موضوعات تعبير وإنشاء شبه مدرسية؛ فهذا سيضر كثيرا بقيمة الأدب ويحوله إلى خيمة صغيرة منعزلة خيالها الفني فقير وينحو لأغراض ليس من سمتها دفع الأدب نحو نسق خلاق وإنما حصره وتأطيره- بعد التصفية- ليصب في اتجاهات محددة سلفا. وها نحن نرى سباقات الكتابة من أجل الحصول على مبلغ مادي يساعد الأديب الفقير في رتق حاله! فيضطر كل من يجرب الكتابة أن ينجز مخطوطا سريعا يلحق به “يا نصيب” الجوائز! من النادر جدا فصل راعي الجائزة عن الجائزة بشكل حاسم. وفي العالم العربي لا يمكن لراعي جائزة أن يدعي استقلاليتها مهما حاول.

– قصائد الطيب مقتضبة، قصيرة، لا تحفل بالزخارف، ويأتي عكس ذلك الأعمال السردية، هل يمكن تفسير ذلك؟ وهل السرد الفضفاض استجابة لسوق النشر؟

* لم أفكر يوما أن أكتب كتابة جماهيرية تستقطب حصة توزيع في سوق النشر، ولا أدري إن كان السرد الفضفاض هو المطلوب. من طبع السرد الفضفضة بفطنة وهو شيء أظنه جيدا، أما إن كنت تقصد السرد الفضفاض بمعنى ترهل النص وتحميله بفائض لا يتحمله، فهذا عوار وثقل يهبط بالنص ولا يرفعه. ولا أرى أنني كتبت يوما هذا النوع من السرد الفضفاض الفائض، ولا أرى أصلا أن هناك سوقا عربية متميزة في النشر، إلا اذا كانت هناك فعلا دور نشر عربية تطبع لكاتب قيّم بشهادة المحترمين، ما يعادل خمسين ألف نسخة أو مائة ألف نسخة من العنوان الواحد، لنتحدث عن سوق نشر وتوزيع عربية حقيقية وقارئ حقيقي في اتساع عربي يتجاوز 370 مليون عربي.

ـــــــــــــــــــ
الرواية نت

شاهد أيضاً

هيثم حسين: «عشبة ضارّة في الفردوس» تأريخ لجانب من معاناة أكراد سورية حوار: غسان ناصر

 الشغف يملي نوعًا من التعدّدية في طرائق التعبير لديّ.  تجاربنا الحياتية الفريدة لابدّ …