ديسمبر 14, 2018
  • ديسمبر 14, 2018
سبتمبر 26, 2017

“شهوة التُرجمان” لشربل داغر.. وسكت شهريار عن كلامه المُباح نسرين الرجب

By 0 65 Views

يحمل الراوي، في رواية “شهوة التُرجمان”1 للدكتور شربل داغر، ثِقل ذاتِه ويمضي مُكتئبا في سرده، على مدى 350 صفحة وسبعة فصول متوازيّة في عدد صفحاتها، يتأرجح في تردده بين عوالم عدّة؛ والمفتاح إلى كُل منها الترجمة، سرداب المارقين إلى الثقافات المُتصالحة والمُتناحرة، يطرق ثلاثيّة السياسة الجنس الدين، طرْق المُتملّص ممّا قال، يُثير الأسئلة ويمضي في شكِّه إلى حيث لا عودة.
تحكي الرواية عن “جهاد” وهو دكتور شاب يفوز بمنحة لاستكمال موضوع بحثي مع ثلاث ساعات تدريس أسبوعية، يعرض لحياته، علاقاته الملتبسة مع نساء ذوات أنماط فكريّة وبيئيّة مختلفة، صراع الهويّة وهواجسه عن الآخر، ملاحقته لآثار جريمة متوهمة قام بها بروفسور سابق، عودته الى لبنان، وصراع السفر أو البقاء.

– الترجمة و شهوة الخروج عن النص:

تحضر شخصيّة التُرجمان بقوّة بالغة في السرد، الدكتور الجامعي لا يتوانى عن إيقاف السرد ليعرض طروحاته البحثيَة، أراءه وسياسته في الترجمة، علاقته باللُغة:” نحن كائنات لغويّة، لكننا ننتقل بين اللغات عبر الكتب، لا عبر سبل العيش.. نتكلم فرنسيّة مُتأتية من الكتب.. لا من الألسُن”، هو معني بالألفاظ كونه لا يُعايش الحدث فهو ينقله كما هو بأمانة تامة: ” الترجمان يعتني بالألفاظ لا بالكلام ، و يعتني بالجملة لا باندفاع السيل اللغوي..”
ولكن شهوة الترجمان تتجلى رغبة في التأليف” تفضحني القراءة أو الترجمة مع القراءة، إذ تقودني إلى حيث تتمنى قوى خفية في داخلي..”، حتى أنَ الترجمة تتقاطع مع خطاب الهوية، وفيها حديث عن الخيانة، تشبّهه كريستين بخيانة الذكر للمرأة كونه يقِف حاكِمًا على مقدراتها، ” خطاب الترجمة الأمينة يصدر عن خطاب الهوية الثابتة، إذ يتطلب وجود أصل فيما يبقى الآخر دونيًا ولو أتى موافقًا .. الحديث عن الخيانة في الترجمة يشبه الحديث عن الخيانة في ما يطلبه الذكر من المرأة؟ الذكر حاكم أبدا..”، المُترجم ينقل بصمت فيما الراوي يعبّر بطلاقة عمّا يريد، هو ليس محكومًا بأفكار الأخرين وغير محاصر بها:” المترجم كتوم فيما الراوي يروي، يعبر و لو في صورة صامتة..يعبر بمجرد ما أن يقول.” لذا يشتهي المترجم هذه الإنطلاقة يريدها بشغف المُحاصر وهذا ما يعكسه جهاد في قراره بكتابة مرويّات نسائه كونه استمع إليهن فبإمكانه الإستطالة، وإطلاق مِخياله في الكتابة والتأليف.
– علاقات ملتبسة مع نساء من هويات مختلفة
يثّبت الحضور الأنثوي ركيزته الأولى منذ بداية الرواية، حضور مُباغت غامض وهارب تُترجمه دانييلا “ترتدي معطفا معتم اللون وتمسك بيد حقيبتها اليدويّة وباليد الأخرى شمسيّة مقفلة”، هذه المرأة التي أخذته ثمرة ورمته نواة كما قال، انقياده الكُلي في علاقةٍ جنسيّة معها، وصفها فيما بعد بـ”الاغتصاب الرفيق”، اختفائها ثم عودتها، اتصالاتها المجهولة، الرحلة الى فيينا وتوالي اعترافاتها تحت الغطاء، ثقافتها الفنيّة الدينيّة الانطباعية، ظهور ثم اختفاء، دانييلا راهبة سابقة لم يمت في قلبها اشتهاء الحياة .
“كريستين” الطالبة المُجتهدة، والمُساعدة الاداريّة التي تتولّى مُهمة توثيق مكتبة البروفسور، التصاقها بأستاذها على لازمة التلميذ الذي يُلازم أستاذه عند المسلمين العرب القدامى، اكتشافها اعتراف البروفسور بجريمته ثم عودتها عن التصديق بعدما بدّد “جهاد” مخاوفها بأنها مقطع من رواية، دعوتها له الى حضور مؤتمر عن المثليين، التشكيك بهويّتها الجنسيّة، علاقة غير واعية معها،” كريستين ترى ما لم أره..لعلها رأت صورة أخرى لا تشبه صورة وقوفي أمام المرآة”.
فيرا ابنة البروفسور، ظهورها الغاضب في المرة الأولى لرؤية “جهاد” يشغر مكتب والدها، تفهمها لاحقًا وتعاونها، حتى ظهورها صديقة له ، زواجها المثلي، اكتشافها جريمة والدها، البحث معا في الأوراق و الرسائل، سكايب مع أليس حبيبة أباها .
فضيلة من تطاوين في تونس تعمل في إعداد الأكل في مطعم الجامعة، تصادُمها معه عند اكتشافها كونه عربيًا وليس مسلما:”العربي مسلم حكما في بلادنا..”، إذعانه لطلبها في اعطاء دروس خصوصيّة لابنتها في الأدب الفرنسي، حدوث تقارب يمنع من تطوره خوف وتمنّع فضيلة كونها شبه مطلقة ولا تريد أن تُحرم من ابنتها، وهي التي تخلى عنها زوجها بعد اكتشاف أمر خيانتها له، تساؤلاته عما إذا كان يحبها، الابتعاد خيارًا أفضل.
“أليس” العجوز في زمن السرد، الحبيبة في رسائل البروفسور، عودة “جهاد” الى القرية وتعرفه بها، اكتشاف أن البروفسور ليس هو المسؤول عن الجريمة، الحديث عن تكريمه في النهاية، “هو يعود وأنا أرحل”
المومس الأوكرانيّة، العلاقة العابرة مع العاملة السوريّة في الحقل في القرية، شهرزاد الالكترونيّة، أنيتا المخرجة في القناة الفرنسية الثانية وطردها له من منزلها لأنه لن ينام عندها.
يحتل الراوي وهو “جهاد” مكانيّة شهريار فيستمع إلى حكايا نسائه، يتلقى دومًا الفعل :” لكن ما الذي يجذبهن إلي ؟ أفيهن قدرة سرية قادرة على كشفي؟ أفي ظاهري..ما يعرفنه بسرعة؟”، يبدو شخصًا متجاوبًا، مُتقبَلا لأًي تغيير أو تبديل في النمط، فنراه لا يمتنع عن حضور حفلة زواج مثلي، علاقته بفضيلة لا تتعدى الإعجاب المتبادل، الحنو العناق والرقص في المطبخ، في حين تمتنع عن قبول دعوته لها إلى الفندق بقصد إقامة علاقة، يجد نفسه مُنقادا في علاقاته النسائيّة، ربما هذا يرتبط بالواقع السياسي المُضني والذي يشكل حُفرة عميقة لا يغيب عنها نظر الراوي، يقرر العودة إلى موطنه ، يهجر نسائه اللواتي لا يبدو أن غيابه أثار أزمة الفراق لديهن، مما يعني أنّها علاقات وقتيّة غير عميقة، أزمة الفراق يعيشها في وطنه، في شعوره بكآبة العودة، يأخذ وقتًا حتى يتعرف إلى أحزانه:” لم أحب أحدا منهن. كان لكل واحدة سياقها ، مذاقها، لكنني لا افتقدهن حقًّا، لا ليلاً ولا نهارً.” ثم يضيف:” لي مشاعر أهل الفقيد بعد فقدان قريبهم….يبقون ساهمين صامتين ..مع فارق بسيط هو أنني في بعضي كنت الفقيد نفسه. ” مرحلة الشك والشروع بالتغيير:”انقطعت أو تبلبلت علاقاتي بكل شي، فما بقيتُ مخلصًا ..الترجمان مشكوك في أمره دومًا..”




– صراع الهوية : العربية، الدين، السياسة.

تتجلى أزمة الصراع في تعليق فضيلة:”العربي مسلم حُكمًا في بلادنا”، وهو المسيحي القادم من عائلة لأبوين حصّلا الشهادة الجامعيّة في تعليمهما الفرانكفوني والمُنفتح على ما لذّ وطاب من مأكل ومشرب ونساء وأفكار شاذة وإن كان لا يتبناها إلّا أنّه لا يمتلك رفضها.
تتماهى المرأة مع أفكاره حتى ينطق شخصها بما يعتقده ويريد قوله، فضيلة التي تكشف عن تمسكٍ واهن بالفضيلة حتى لا تخسر ابنتها.
يُعلّق بقوله عن دانييلا بعد اعترافها بكونها راهبة سابقة: “إذ إنّ في سيرتها لو كانت راهبة ما يخدش إيماني..” هذا الخدش يُشبه نظرته إلى الحجاب عند المُسلمات، إحدى طالباته وهي محجبة كما أشار، قالت له: أنها تفضل العمل مع طالب مسيحي لأنّ حجابها يوفر لها حصانة، يسخر زميله من قولها:”إنهن يخفين ما يريدون وما لا يريدون، ضمانة لهن لكي يحسن اختيارهن”، الحديث عن فعل مبتذل قامت به إحدى المحجبات للدكتور الجامعي كشاهد له على ضعف هذه الحصانة عندهن، بقاء الصورة في ذهن جهاد ” صورة لازمتني ..على الرغم من كوني أميل إلى أنّ ما قاله زميلي لا يعد كونه صورة استيهاميّة مما يرغب فيه و لا يحصل عليه..” الشفاه الملونة وتناسق ملابس المحجبات ومبالغتهن في الاهتمام بالمظهر، ظهور علامات لعلاقة جنسيّة بين الطالبين لبنى المسلمة و بطرس المسيحي في الجامعة ، يقول: “بيني وبين كريستين، هناك ما قبل الفندق وهناك ما بعده…..ذكرتني الحال بما كان يقوله لي صديقي في الجامعة قبل سنوات: بلى هناك علاقة ناشئة بين بطرس ولبنى المحجبة…هناك مسافة بينهما سقطت..”، ثم يصف مشهد خروج الطالبين مرتبكين:” بدا عليها الارتباك إذ كانت لا تتوانى عن تلمس حجابها على رأسها..” هذه المسافة الساقطة تُشبه:” هذه المسافة سقطت بيني وبين كريستين سقطت المهابة بين الأستاذ و تلميذته…” هي مهابة الحجاب التي تتخذه المُسلمة كالحصن المنيع وهي لا تتورع عن فعل اشتهاء الحياة بكل ملذّاتها وإن كان في الخفاء.
أزمة مع الاسم الجهاد عند المسلمين، كتابة اسمه دجهاد في الفرنسيّة ” وغيرها من ملحقات الاسم الذي بات يضايق والدي نفسه؟ فكيف أنا؟؟”
عصام صديقه المسلم يُدرسّ في الجامعة ولم يعد الى لبنان منذ أكثر من خمس سنوات ” كيف لي أن أعود؟؟ أين أجد نفسي بين أهلي، بين المسلمين عموما ، وكل شيء بات يُبعدني عنهم ..بدلت اسمي الأول و العائلي” الساعي للتعويض عن شعوره بالنقص في غير بيئته: “منذ أيَام الجامعة في بيروت ، بدا عصام مُختلفًا عنا وعمّن ينتمي إليهم طائفيًّا. كان يعنيه اللقاء بالمسيحيّات والمسيحيين من الطلاب: لأنني لم أعرفهم أبدا في الحي، وبين العائلات التي أتحدر منها وأقيم معها” اهتمامه بمعرفة كيف تزوج والدي جهاد وماذا تعلَما، خلاصه إلى أن ّ” التربية مهمة للغاية في بناء الإنسان، وهو ما نفتقده في لبنان و في العالم العربي”.
يتساءل جهاد في حيرة يعود أو لا يعود الى وطنه، النازحين السوريين الفلسطينيين ، موضوع الأقليّة في حديث أمه: “وخاصة أنّ العائلة الواحدة منا لا تنجب إلا الولد الواحد؟؟؟ ” ولا يخفى ما في كلامه من انتقاد ضمني لما هو معروف عند المسلمين المُلتهين بالتكاثُر.
” أما العربيَة فقد اضطررت الى التلفظ بها مع النادل السوري..إذ باتت لغة أمراء الإرهاب” هو يحب العربية كما والده الذي أعدّ دراسة عن ابن الرومي ولكنه بات يخشاها، ويتحاشى التلبُس بها.
إشارات سياسيّة خجلى: انفجاران في بئر الحسن، القناة العربية الوحيدة “الجزيرة” وهي قناة غير لبنانية ولكن معروفة بانحيازها السياسي، تساؤلات سياسيّة حزينة: بقاء بوتفليقة رئيًسا على كرسيّه المُتحرك، الأسد إلى الأبد، إشارته إلى تحريم عيد الفالنتاين في إيران، ملاحظات عن ثورة الأرز، إشارات عن الاختلاف بين الجرأة المُسالمة في إشهار الهويّة الجنسيّة الشاذة عند فيرا وكريستين وخطابات التّخويف التي تسعى إلى تأكيد الهويّة بحد السيف .
يقول ميلان كونديرا” الروائي الذي يكتب رواية لتصفية حسابات شخصيّة سواء كانت حسابات شخصيّة أم إيديولوجيّة محكوم عليه بالإخفاق الجمالي الكُلي والمؤكّد”2.
لا يسعى المؤلف الى اتخاذ موقف مُتمايز عن المسلمين العرب، هو يسعى إلى تأكيد هويته العربيّة المنفصلة عن انتمائه الديني، هو يرى ما لدى الغير المُسلم، ينتقد عاداتهم الإجتماعيَة، تقوقعهم الحضاري، تمسكهم بالظاهر من القول، اختبائهم وراء حجاب بات يفتقد رمزيته الايمانيّة ليدخل في دوامة المظاهر والرغبات المُستترة، هو لا يتهم ولا يحمل أدوات التوكيد لينتقص، هو يتحدث على لسان عصام المُتبرم من أصوله المُسلمة والذي يرى في بيئته ركود الفعل وانسحاق الفرد في دوامة الخطابات و العنف اللامتناهي.
هذه الإشارات السرديّة أدخلها المؤلف في روايته، أقحمها في أحيان كثيرة، فرض ماهيتها، وأحدث ثنائيات ضديّة في أحيان أخرى بين مواقف وأحداث ليكشف من خلالها وهن ما آل إليه وضع العرب المسلمين خاصة، ما دام أنّهم يتصدرون منبر الخطاب ، ويُسطّرون عناوين الأخبار اليوميّة ..
العودة إلى القرية كانت مرحلة الدخول في العزلة، الركود السياسي والحضاري، ونمط العيش القروي الممل، يتساءل في مرحلة بد وعي الذات ” ألي ان اقتل أبي؟؟ “قتل الحلم في التغيير، قتل الوصايا، الانتماء الى الوطن” كان صمتهما عن عودتي أشبه بإعلان خسارة قديم” الى قول والده له: “اختر ما تشاء..إنها حياتك…لقد ربيتك لكي تكون صالحًا في بلد آخر غير هذا.. كان علي ان أعلمك التجارة وفنونها أينما كان حتى في المعرفة والجامعة..” يحمل كلام الأب استسلامًا وقهرًا واضحًا، ودعوة للتحرُر من مسؤولية البقاء في وطن لم يعد فيه لشبابه ومثقفيه ناقة ولا جمل، ها هو جهاد يخلع قشرته ويعود إلى سترابسور مع مشروع ترجمة جديد حاضر للنقاش “كنت مثل الحية التي تقشر جلدتها ، من دون ان تفقد رغبتها في السريان ، في االتقدم الملتوي..” .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- داغر، شربل ، شهوة الترجمان، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان، ط (1)، 2015.
2-كونديرا، ميلان، الوصايا المغدورة، المركز الثقافي العربي، ترجمة معن عقل، ط(1) 1993، ص: 30.
*نُشرت في مجلة الحصاد اللندنيّة ك2 2017.

الرواية نت