أكتوبر 19, 2018
  • أكتوبر 19, 2018
أكتوبر 8, 2018

سُلطة النُصّوص العَربيِّة ناصر السيد النور

By 0 47 Views

إنَّ ما أحاط بالنصَّ العربي اللغوي المكتوب والشفاهي والمنزل (وحياً) من جدل في دائرة المعرفة العربية التراثية والحديثة بتعدَّد مصادره الأدبية والدينية مثلَّ ضرباً من الاحتجاج بما يتجاوز تاؤيل نصوص حيث تنبثق النصوص وسلطتها وفقاً لمرجعية التأويل إلى تكوّين سلطة عميقة الأثر في الفكر العربي عبر قرون من الزمان. وربما أكتفى النصّ ُالعربي بما ثار داخله من توتر جدلي حادّ لايتنهي عند المتكلمين وشراح النصوص قديماً أو دارسي ومفككيَ النصوص حديثا؛ فإذا لم يقارب هذا الاتجاه في التفكير النقدي العربي بمدخل فلولوجي يربط بينه وبين نصوص المعرفة الإنسانية العامة على الرغم من تتآخمها مع المقدس كما تحده قدسيّة النصوص الدينية ( قرآن وحديث)؛ فإن التفاعل الداخلي التطبيقي لمقامات النصوص العربية تبقى رهينة لما أستقرت عليه بنيتها التراثية ونظمها المعرفية المرتبطة بسلطة نصوصها.

وإذا كان تعبير أو أصطلاح سلطة النصThe Authority of Text لايخلو من لبْس في الثقافة العربية إلا في توفر تفسير محدود في واقع المطابقة الاصطلاحية. ومع ذلك يشيع توغلاً مفاهيمياً تحدَّر من فكر ما بعد الحداثة إلى الثقافة النقدية العربية ليظلَّ حالة من الحكم المتأرجح في طبقات النتاجات العربية الثقافية تُرسخ ممارسته صورة من صورة التداخل في أقصى مفارقة بين الاصطلاحات التي تنتجها ثقافة ما وتلك التي تأخذ بالنقل ومحاولة التطويع داخل سياق مغاير. واندرجت سلطة النص في قوة التعبير التي ينفذ من خلالها النص ويتموقع ضمن خارطة الهيمنة في صراع الأفكار وشرعية نصوصها. ولم تبقِ النصوص في حيزها التعبيري المحدود بفضاء تجليها ولكن تبنتها سلطات تفاوتت قدرتها على التأثير بما يشيء بالأثر المباشر لمفهوم السلطة وقوة تأثيرها وهيمنتها؛ فموقف الخليفة العباسي المأمون في مناصرة المعتزلة ضد خصومهم وفرض أرائهم لم يكن موقفاً معرفياً يقتضي تدخل السلطة في أخطر القضايا التي تفجرت غداة التأسيس لاتجاه عقلاني في الحوار الفكري والفلسفي. من ثَمَّ إلتفتت السلطة في البيئة العربية إلى أهمية المدافعة عن نصوص بعينها وأثرها في الواقع الثقافي وبالتالي منع ما يهدِّد سلطانها ليتجدد الرَّصد السلطوي في اطوار السلطة المختلفة وأشكال مؤسساتها ولكن بقيت النصوص وحقُّ تفسيرها بيد السلطة أو من يمثلونها في دائرة النص والكلمة إلى اليوم؛ وليس بعيداً ما حدث في بدايات القرن العشرين تصادم النصوص وسلطة النصوص كما في الشعر الجاهلي لطه حسين و الإسلام وأصول الحكم لعلي عبدالرازق.

وترتبت هيمنة النصوص ذات السطوة كما التدرج الهرمي للسلطات ذات الشوكة في تاريخ الثقافة العربية، إلا أن ثمة نصٌ أوحد ترَّسب في الذهنية الثقافية وبنيتها الفكرية وظل لقرون مهميناً بالتراكم التأريخي فأكتسب قوة الاستحواذ على ما عداه من نصوص ومعياراً تقاس عليه شرعية النص المنتج ومدى استجابته لشروط وحدود النص الأسمى. وظل هذا النص يشكل الثقافة السائدة كما عرفه المفكرون العرب بالأيدولوجيا العربية. انه النص الذي كونته المعاجم العربية في نسختها المستقرة التي لم تمسها يدُ التغيير منذ أن وضعت ويضاف إليها مكونات البيان اللغوي ( البلاغة، العمود الشعري) والميراث الفقهي ومعلقات الشهر الجاهلي وكل ما أرتقى إلى التراث بجدارة التطاول الزمني إلى مصاف النص الأسمى وبالتالي موقعه داخل إطار المرجعيات الكبرى؛ وهو ما يطلق عليه محمد عابد الجابري العلوم الاستدلالية الخالصة. واتساقاً مع نظرية ( سلطة النص)، فإن العوامل الخارجية لها فاعلية في التأثير على النص الأدبي ( البياني) تفوق الطاقة التعبيرية للنص! وهنا يستدعي التفكير النقدي حزمة من المؤثرات تفضي إلى المقاربة البنيوية في وحدتها المتجزئة بالشكل الذي ظهرت به نتاجاً لحقل الدراسات اللغوية وصولاً إلى سلطة النص وموت المؤلف. فكافة النصوص المنتجة تعّد نصوصاً سردية في الفكر والقانون والبحث العلمي؛ أي أن النص هو الكتابة ومباحثها الإجرائية والوظيفية تتعدد تمظهراته بإختلاف الحقل المعرفي والدلالي.

فبمثلما تتمسك السلطة في خطابها السائد بحق السيادة والقيادة كسلطة قابضة وتتنقل هذه الآلية إلى حقل نصوص المعرفة، فغالب الانتاج المعرفي لا تنتجه السلطة ولكنها تعمل على الإحاطة به وبالتالي تقيم مدى درجة تأثيره في دائرة نفوذها. ومن جانب آخر فإن للنصوص سلطتها التي لاتنازع وإن اختلفت عن سلطة الحاكم في الممارسة ولكنها لاتختلف في رؤيتها في الإخضاع في موازة قهر الرعيّة أو محاكمة النصوص. وتكاد تنطبق فرضية احتكار ممارسة العنف وهو درجة في تعريف الدولة(السلطة) في أبعادها السياسية على النصوص العربية، خاصة تلك المهيمنة منها في احتكارها أيضاً للحقيقة في تفسير النصوص وتأويلها وشرحها. وقد أفضى هذا التداخل إلى حزمة من المحاذير التأريخية وحساسية بالغة تجاه النقد العقلاني في الحضارة العربية مما أدى بسبب الفعل الاقصائي للنصوص المهيمنة إلى تغييب النتاج العلمي ومن ثم تقوَّت ظاهرة ثقافة النقل بثنائيتها المتناقضة نقلاً عن تراث مُصَّمت توقف فيه التجديد أو نقلاً على الثقافات الأخرى دون مساهمة فاعلة. ويمتد أثر النصوص السائدة إلى ثقافة النقل نفسها في إضفاء الشرعية ووثوقية النصوص المنتجة إذا لم تأخذ بالنصوص المهيمنة مما يضعها في قائمة النصوص المرجعية المهمة أي تكن المادة المعالجة إبداعية أو فكرية أو علمية بحتة.

إن ظاهرة سلطة النص في الثقافة العربية لاتقترب مما يعرف في النظريات الأدبية من فك شفرات ودلالات النص والعلاقة بين المنتج والمتلقى، ولكن دائماً ما يحمل النص مكونات السلطة في نسختها العربية، أي نصّ لايساءل يفرض وجوده ويتصور مسبقاً العلاقة بين النص والقاريء في حدود المقروئية. وتبقى سلطة النص السائد هي ما يشكل مستويات القراءة أو القيمة الفكرية والأبداعية للأعمال المنتجة خارج سياق الإطار المرجعي الرَّاسخ. ظاهرة سلطة النص العربي في الثقافتين العربية والإسلامية بحاجة إلى مراجعة شاملة من قبل المثقفين العرب بإعادة الضبط المفاهيمي والتحرر من سلطة نصوص جامدة.

الرواية نت