سيدات القمر لجوخة الحارثي.. تفوق الشكل الحداثي على أنماط السرد الكلاسيكي

سيدات القمر لجوخة الحارثي.. تفوق الشكل الحداثي على أنماط السرد الكلاسيكي

جوخة الحارثي، هي روائية عمانية من مواليد عام 1978، حاصلة على درجة الدكتوراة في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة إدنبرة الإسكتلندية. نشرت أولى مجموعاتها القصصية عام 2001 وأولى رواياتها عام 2004. لها ثلاث روايات منشورة، حيث أن الرواية التي بين يدينا اليوم هي الثانية وقد صدرت عام 2010، ولها رواية أخيرة نشرت عام 2016 وهي بعنوان نارينجا.
حصلت روايتها سيدات القمر على جائزة المان بوكر العالمية لعام 2019 وذلك عن ترجمتها الإنجليزية رغم كونها نشرت للمرة الأولى قبل ذلك بتسع سنوات ولم تصل إلى القائمة الطويلة من المان بوكر العربية ! سيكون لي عودة إلى هذا.

تتحدث الرواية عن حكاية الأخوات الثلاثة: ميا، أسماء وخولة اللاتي يعشن مع ذويهن في قرية العوافي في ولاية السيب العمانية وهي تقع ليس ببعيد من الغرب من مسقط. وتمتد الرواية على 229 صفحة.

من اول ما يمكن للقارئ الكريم ملاحظته في الرواية هو مسألة تشظي الزمن، فالسرد لا يبدأ بتسلسل واضح، بل يقفز من زمن إلى آخر دون مراعاة أسبقية الماضي على المستقبل. وهذا عموماً ليس بجديد، وهو أحد ميزات الروايات الحداثية إجمالاً. وقد لاحظنا هذا على سبيل المثال لا الحصر، في رواية فئران أمي حصة للكاتب الكويتي الجميل سعود السنعوسي. فقد كان سرد السنعوسي في ثلاث أزمنة مختلفة ولكنه أكثر تداولاً، وأسهل في المتابعة مما لحظناه هنا.

تلازم تشظي الزمن مع خاصية أخرى في أسلوب السرد يكمن في تعدد الرواة؛ فقد بدأت الرواية براوٍ كلي القدرة، ثم تحولت إلى الشخوص من ميا، إلى زوجها عبدالله وهما الشخصيتان المحوريتان في الرواية.. ثم تأتي بعد ذلك بقية الشخوص. وهذه التقنية في السرد أيضاً، ليست بالجديدة، وقد ذكرتني برواية الصخب والعنف لفوكنر، خاصة بتخصيص كل فصل لراوٍ مختلف. مع الإختلاف بأن فوكنر قد قسم روايته إلى أربعة أقسام كان لكل منها راويه الخاص، كانت هذه تعتمد على راوٍ مختلف في كل فصل، وكان هناك ما يشبه التداول بين ميا وزوجها في السرد في كثير من مواقع الرواية.. حيث أنهما تقريباً قد سردا معظم أحداثها. وهي بالتالي، أقرب لفئران السنعوسي من صخب فوكنر في هذه النقطة بالذات. بشكل عام، يعود الفضل لفوكنر بابتكار مثل هذا الخليط من تعدد الرواة وتشظي الزمن في الأدب الروائي وقد تحدثت سابقاً عن العديد من الروايات التي حاولت أن توظف هذه التقنيات في الرواية العربية منها المحاولة الشهيرة لغسان كنفاني في “ما تبقى لكم”. عدا أن الفارق مرة أخرى، يكمن في أن تعدد الرواة في تلك كان داخل نفس الفصل، ولكنهما اشتركا في عدم تمييز واضح بين الحوار، وحديث النفس. وهذا ما لم يوجد في هذه على الإطلاق. هل هذا يعني أن هذه الرواية أكثر سلاسة في القراءة من صخب فوكنر وما تبقى لكم لكنفاني ؟ أجل، تماماً. إنها أكثر سلاسة منهما حتماً. ولكن ذلك المزيج ما بين تشظي الزمن وتعدد الرواة وعدم تمييز الفصول بأكثر من أن يبدأ كل واحد في صفحة جديدة، قد يولّد شكلاً من أشكال الإرباك لدى القاريء، ويسهل ملاحظة ذلك لدى فئة ليست قليلة ممن قرؤوا هذه الرواية.

وأحد أكثر الأشياء المثيرة للإهتمام في هذه الرواية، هو تنوع الشخوص، رغم حجم الرواية القصير نسبياً. ولكن هذا بحد ذاته قد يكون أمراً إيجابياً وسلبياً في ذات الوقت. فحين تعلم مثلاً أن رواية كالحرب والسلام لتولستوي تحتوي على ما يقارب الـ 160 شخصية، فهذا أمر أستطيع تفهمه، فهي موزعة على أكثر من ألفي صفحة. ولكننا من جهة أخرى، نجد نموذجاً كمائة عام من العزلة مع ماركيز حين تحدث عن كل تلك الشخوص من عائلة بوينديا والتي تنتمي إلى أجيال مختلفة تغطي فترة مائة عام ووُزع عرض هذه الشخوص على امتداد أكثر من خمسمائة صفحة. وهذا ما يجعل رواية مائة عام من العزلة مثيرة للإرتباك لدى فئة كبيرة من القراء وهذا ما دفع بعض المترجمين أو بالأحرى دور النشر بوضع شجرة لعائلة بوينديا في أول الرواية كي توضح للقاريء علاقة الشخوص ببعضهم البعض وتظل مرجعية له طوال قراءته للرواية، وهذه فكرة جد ممتازة في الحقيقة لتسهيل مهمة القراءة على القاريء، وهذا ما وجدته في النسخة الإنجليزية من هذه الرواية، والتي كانت النسخة العربية تفتقر إليها للأسف. إذن، كان عدد الشخوص كبيراً بالنسبة لحجم الرواية، ولكن هذا كما شاهدنا مع نموذج مائة عام من العزلة ليس عيباً بالضرورة. ولكن ما قد يجعل منه عيباً، هو أن تشعر بتوظيف غير مبرر للشخوص أو أن تكون الغاية الوحيدة لشخصية ما، هي أن تقدم حلاً لعقدة ما في الرواية، ونجدها بعد ذلك تختفي دون عودة. وهذا ما وجدناه بالفعل في هذه الرواية. وسيكون لي عودة إلى هذه النقطة فيما بعد.

تبدأ الرواية مع حب ميا الجارف لعلي، والصدمة بأنها خطبت لغيره. وأنها لم تتحدث أو ترفض أو تقبل بالخطيب الجديد. لكن سكوتها هذا فُهم على أنه رضا، وتم تزويجها لعبدالله ابن التاجر سليمان. ونرى فيما بعد، أن هذا الحب لم يُنسَ في قلب ميا. ولهذا لسبب نجدها تسمي ابنتها الأولى “لندن” على اسم المدينة التي كان حبيبها علي قد سافر إليها للدراسة. أين ذهب علي فيما بعد ؟ لا ندري. فقد اختفى ذكره بعد ذلك. حسناً، هذا ليس بالأمر المهم.

نعرف فيما بعد، حكاية أسماء، التي تقدم لخطبتها خالد الفنان الذي لا يرسم شيئاً سوى الأحصنة. خالد كان ابناً لمعارض عماني فرّ من عمان بعد انتهاء حرب الجبل الأخضر خوفاً من بطش السلطان والإنجليز بهم بصفتهم وقفوا مع الإمام في حربه مع السلطان والإنجليز. من حسن حظي، أني على إطلاع جيد بتاريخ عمان، وأعرف حرب الجبل الأخضر وثورة ظفار جيداً.. وقد أعجبني تناول تاريخ عمان في الرواية بهذه الطريقة. أعجبني عموماً تناول الثقافة العمانية وعرضها على مدى جيلين أو ثلاثة أجيال تقريباً بهذه الطريقة. وقد ذكرتني بماركيز مرة أخرى مع روايته مائة عام من العزلة، حيث عرّض ماركيز بأحداث تاريخية في موطنه كولومبيا من خلال عرض أحداث عائلة بوينديا في قرية ماكوندو “الخيالية” والتي تشبه في ذات الوقت القرية التي نشأ ماركيز فيها. نحن لا نعرف شيئاً عن مكان نشوء الكاتبة الحارثي، وبالتالي لا نستطيع أن نقول بأنها تتحدث عن القرية التي نشأت فيها. ولكن، وكما أشرت، كان توظيفها للثقافة والتاريخ العماني أكثر من موفق.

كانت العلاقة بين أسماء وخالد مميزة. فقد نضجت أفكار أسماء عن الحب، وتخلت عن فكرة الأرواح الدائرية المقسومة. وتبنت منهجاً واقعياً في علاقتها مع خالد الذي كان فلكاً كاملاً، وسمح لها بتكوين فلكها الخاص بعد أن اصطدم برغبتها القوية في ذلك، وهو المشغول بذاته ودائرته الخاصة، لم يكن يملك الوقت الكافي ليخوض حرباً معها كي يمنعها، فآثر أن يترك لها فلكها الخاص، ويلتقيان متى ما اتفق لهما ذلك. وحققت أسماء حلمها بالأمومة فأنجبت أربعة عشر طفلاً.

أما خولة، فقد حصلت على ما أرادت. رفضت الزواج من أخي خالد الذي تقدم لخطبتها بداعي أنها مخطوبة لناصر ابن عمها الذي سافر إلى كندا للدراسة، لكنه خسر البعثة وكان يقضي حياته هناك بالعبث من فتاة لأخرى حتى أنه عاش مع شابة كندية في نهاية المطاف، وحين ماتت أمه، وتوقفت الحوالات المالية التي كانت ترسلها له، وطرد من آخر وظيفة حصل عليها اضطر للعودة إلى عمان من أجل إرث أمه ! وكانت أمه قد وضعت شرطاً أن يتزوج خولة كي يحصل على ورثه. وهذا ما كان. تزوجها، ومن ثم عاد إلى كندا ليعيش مع شابته الكندية. واستمر على هذه الحال، يأتي أياماً قليلة إلى عمان ليجد خولة معها طفله الجديد ثم يسافر وهي حامل. أخيراً، يبدو أن الشابة الكندية قد شبعت من ناصر، فقامت بطرده.. فعاد أخيراً إلى عمان ليستقر بها. فماذا حدث ؟ خولة التي صبرت وتحملت خيانته العلنية، طوال السنين التي فاتت لم تتحمل ناصراً التائب والأب الذي يحاول تعويض أبنائه من سنين الحرمان. فطلبت الطلاق ! إنه منطق نسائي بامتياز ! يتحمل الخيانة سنين طويلة لا تنتهي، ولكنه لا يتحمل التوبة بعد فوات الأوان.. والذي لن نتمكن من فهم أوانه أبداً.. لأن خولة تحملت كل شيء، حتى آخر لحظة، فما الذي تغير ؟ لا شيء، عدا أنها وصلت لحظة التشبع. إنها اللحظة، التي لم تعد تستطع أن تغفر أو تنسى حتى مع التوبة. كما قلت، منطق نسائي بامتياز.

رغم ما سبق، فنجد أن حكايتي خولة، وأسماء جاءتا هامشيتين على المحور الرئيسي للرواية وهي حكاية ميا و زوجها عبدالله. ولعل أغرب حكايات الرواية هي حكاية عزان، والد الأخوات الثلاث مع نجية البدوية أو حسبما ما لقبوها بالقمر. هذه العلاقة غير المبررة أبداً.. ولا يوجد لها أي سياق يربطها ببقية حكايات الرواية. فما الدور الذي لعبته نجية عدا كونها عشيقة عزان ؟ أن يسرد لها عزان الشعر الكلاسيكي العربي ؟ ما هو تأثير هذه العلاقة على سير الحكايات الأخرى ؟ لا شيء على الإطلاق.. وكما هو الحال مع علي، حبيب ميا الذي بدأت الرواية في البكاء على أطلاله حب ميا الضائع له، فقد اختفت نجية تماماً بعد مؤامرة قد حاكتها زوجة عزان على ما يبدو. حتى حكاية منين وابنه زايد بدت مقحمة على النص. فما هو الأثر الذي تركه منين وابنه على سرد بقية الحكايا ؟ لا شيء.

أحد أكثر الشخصيات المؤثرة في الرواية كانت ظريفة، العبدة السابقة لسليمان التاجر والد عبدالله. كانت ظريقة محظية لسيدها سليمان التاجر قبل أن يغضب منها ويقرر تزويجها من حبيب أحد العبيد الذين يملكهم والذي بدوره كان مهووساً بالحرية، وهذا ما دفعه للهرب فيما بعد. كما هو واضح، كان سليمان التاجر رجلاً شديد القسوة، كالشيخ سعيد صاحب القلعة والذي يكون عم سالمة والدة الأخوات الثلاث. كانت علاقة عبدالله وسليمان معقدة للغاية.. وكان وجود ظريفة يلعب دور صمام الأمان بالنسبة لعبدالله. فهذا اليتيم الذي فقد أمه بسبب مؤامرة حاكتها عمته ضدها بأن سممتها مباشرة بعد ولادته. بعد أن اتهمتها لوالده أنها قد خانته، وقد شهدت مسعودة على ذلك الحدث المؤلم.

من المثير للإهتمام، ذلك الصدام الذي حصل بين ظريفة وابنها سنجر وذلك بعد أن حرر القانون العماني الجديد العبيد. فبينما فرح ابنها سنجر بحريته التي ورث حبها عن والده الذي فرّ هارباً إليها قبل سنين. فقد حزنت ظريفة، والتي رغم ما فعله التاجر سليمان بها بتزويجها لعبده حبيب فقد كانت لا تزال تحمل له الود في قلبها، ولم يهن عليها أن يتحدث عنه ابنها بسوء. هل هو شكل من أشكال الوفاء ؟ أم أن الحب أعمى لهذه الدرجة ؟

أعجبني وصف تجارة الرقيق في عمان والذي استمر حتى بعد إصدار مرسوم تحريمها، وكيف تم جلب سنجور من كينيا، وحبيب من بلوشستان. وقد ذكرني هذا الكلام برواية البابنوس للكاتبة الأردنية سميحة خريس والتي تحدثت عن تجارة الرقيق الحديثة حيث يتم جلب الأفارقة إلى أوروبا ليتم بيعهم كبضاعة جنسية. وبينما كانت البابنوس قد تحدثت عن حياة هؤلاء الرقيق قبل أن يتم خطفهم وبالتفصيل الممل، فقد كانت جوخة قد تحدثت وبشكل وافٍ ولكن، مختصر عن طريقة اختطافهم وشحنهم إلى عمان وتوزيعهم بين التجار ليتم بيعهم فيما بعد. ولربما تكون هذه المقارنة مجحفة. فلا ننسى أن موضوع الرقيق في هذه الرواية كان هامشياً بينما كانت البابنوس رواية موضوعها هو الرقيق وحياتهم قبل أن يصبحوا رقيقاً. إلا أنني وجدت طريقة العرض هنا لطيفة إلى حد بعيد.

إن هذه الرواية، هي من النوع التي ستحبها فئة لدرجة التقديس، وستكرهها فئة أخرى لدرجة الإشمئزاز. فيتوجب عليّ الإقرار بأن قراءتها ليست بالعملية السهلة على الجميع. وحتماً ستبدو منفرة لكثيرين. بينما سيجد آخرون فيها متعة لامتناهية في تلك الحكايا القصيرة لكل تلك الشخوص. على أي حال، إن هذا الأسلوب في السرد محبب لدى النقاد، ولا أتعجب فوزها بالمان بوكر لهذا السبب. ولكن ما يثير الدهشة هو أن تكون الرواية منشورة طوال هذه المدة دون أن تلفت النظر في عالم الأدب العربي، ونجد بعدها كل هذا الهجوم غير المبرر بعد فوزها بالمان بوكر العالمية. بعد أن انتهيت من قراءة هذه الرواية، بحثت عما كتب عنها، وكنتُ أتمنى لو أني أجد مقالاً نقدياً واحداً عنها. فلم أجد سوى ما يمكن وصفه بوصلات من “الردح” من “المثقفين” العرب الذين تمسكوا في السؤال عن إمكانية أن يصدر إبداع ما من امرأة محجبة ! وأن فوزها بالجائزة لا يتعدى المجاملة أو حتى عملية شراء بعملة البترودولار ! شيء في منتهى العنصرية والوقاحة المقرفة !

لا أفهم كيف يمكن ومتى تحول الوسط الثقافي العربي إلى هذه الدرجة من اللامبالاة كي يُقاس الإبداع بحجم اللحم المكشوف من الكاتبة أو بمدى كميات الكحول التي يحتسيها الكاتب أو عدد النساء اللواتي ارتبط بعلاقة ما بهن ! قد لا تكون الرواية هي النوع المفضل لديّ ولكنها في ذات الوقت ليست بالرواية شديدة السوء وحتى لو كانت، كنت أتمنى أن يتوجه المثقفون الأفاضل بتوجيه أصابعهم إلى نقاط الضعف الفنية فيها بدلاً من الإشارات العنصرية والبذيئة التي سالت من أقلامهم كما يسيل القيح القذر ! قد يصبح الوسط الثقافي العربي بخير يوماً ما، حين نتخلص من هذه الأشكال المحسوبة عليه ووالتي وجدت من ينشر قيحها القذر لنا. أتمنى أن يطول بي العمل كي أرى مثل هذا اليوم، وإن كنت لا أظن بأنه آتٍ أبداً.

باختصار، إن هذه الرواية هي استمرار لتفوق الشكل الحداثي من الرواية على أنماط السرد الروائي الأخرى. وفوزها بالمان بوكر العالمي يأتي تتويجاً لهذا التفوق أو لنقل لهذا التفضيل من النقاد لهذا الشكل من السرد الروائي. إنه بكل تأكيد نصر مهم للرواية العربية عموماً والخليجية خاصة. ومن المهم، ان تتم دراسته وأن يعمل على تطوير عناصر تفوقه. رغم أني على قناعة تامة، بأن الأدب وكأي شكل من أشكال الفنون لا يقف أبداً على نهاية ما.. سيظل في تطور تغير دائم، من شكل إلى آخر. ولربما في هذه النقطة صورة تسمح لي بالتفاؤل أن يكون الشكل القادم للتوفق في السرد الروائي أكثر انسجاماً من هذا.