مايو 24, 2019
  • مايو 24, 2019
يوليو 23, 2017

رواية “يسمعون حسيسها”..كشف العار أنس العلويّ

By 0 171 Views

يُقال إنّ أبانا آدم قد جاء من جنة دنيوية، كذلك إياد أسعد جاءنا من جحيم دنيويّ، لِيَحكي لنا ما طُوِيَ عنّا مِمَّا تَلتَدِمُ به الأنفسُ، وما خَفِيَ من مآسي تهتزُّ لها الأحشاء وتُذرَف المآقي، بقلمِ الأديب أيمن العتوم، الذي جَلاَّهُ لقرّائه بأسلوب يُحرّك الوجدان، ووقائِعَ تقشعرّ لها الأبدان. وبقلم عذبٍ وعبارة بليغة، وديباجة بديعة. فتقرأ كتابه هذا على لَقَمٍ، وتُنهيهِ على أَلَمٍ، مُتعاطِفاً مع إياد الذي بين عشية وضحاها وَجَدَ نفسه في الزنزانة رهيناً، وفي ضِيقِ المضجع وحيداً. وقد هتكَتِ السّياط جِلدَتَهُ، وأبْلَتِ النّواهِكُ جِدَّتَه.
تحكي رواية “يسمَعون حسيسها” قصة إياد الذي قُذِفَ به في جحيم رَدِغٌ مَشرَعُهُ، رَنِقٌ مَشرَبُهُ، عُذِّبَ فيه عذاباً كادَ يَعْلَقُهُ أوْهاقَ المَنِيَّةِ فقاده إلى ضَنْكِ المضجع، ووِحشَةِ المَرجَعِ، مُعَذَّباً إكراهاً، ومَقبوضاً احتِضاراً. فأزِفَتِ الدُّنياً عليه بأفراطِها، وأناخَتْ بكَلاكِلِها. وفي زملائه الذينَ شاركوه جحيمه مَنْ ضُمِّنَتْ أجسادهم أجْداثاً، وتحوَّلَت جُثَثُهُم رُفاتاً، واستحالت عظامهم فتاتاً. أمّا مَن بَقِيَ منهم على قيدِ الحياة فصارت أجسادهم شَحِبَةً، وعظامهم نَخِرةً، وأرواحُهم مُرتَهِنَةً.
هكذا كانت عذاباتُ هذا السجينِ حالِقةً، وآلامُهُ موبِقةً، تَعجَز الأوهامُ أن تُدرِكها، وأقوالُ الواصِفِينَ أن تستنظِمَ وصفَها. وما التعذيب بأمر مستَحدَثٍ، فقد كان مُلازِماً للتاريخ في كُلّ أزمنته. فلو ذهبنا إلى ميشيل فوكو وتحديداً إلى كتابه الشهير “المراقبة والمقابة” حيث يقول أنّه في بدايات القرن التاسع عشر، تَمَّ إلغاء الاعتراف العَلَني بالذنب وعمود التشهير، وأُلغِيَت كذلك الأشغال الشاقة التي تُطَبَّقُ في بعض البلدان وقتذاك في الشوارع والطرقات العامة، حيثُ يكونُ المحكوم عليه عُرضةً للشتائم والقَرَم، والهزءات واللّكمات وإشارات الحقد مِن قِبَل الجمهور. كما أنّ السلاسل التي كانت تَجُرُّ المحكومين بالأشغال الشاقة عبْرَ فرنسا كُلّها، حَلَّت مَحَلَّها عربات لائقة مَطلِيَّة بالأسوَدِ. وبمحاولة “تحديثِ” قوانين العقوبة هذه أضْحَتِ العقوباتُ أقلَّ نَيْلاً للجسد بصورة مُباشرة، بالإضافة إلى نوعٍ من التَّكتُّمِ في فنّ التعذيب. فباتَتِ الآلام أكثَرَ رهافة وأكثر تبطيناً، ومعراةً من الزهو المنظور. وإنَّ هذا لا يَعْدُ أن يكونَ إلاّ أثراً من آثارِ إعادة الترتيب الأكثر عمقاً؛ أيْ أنه قد زالَ الجسم كهدف رئيسيّ للقمع. وبهذه التحويرات، وبما آلت إليه من نتائِجَ خفّفت من وطأة التعذيب ظاهراً، وزادت منها سَاتِراً، فقد أصبَحَ بذلك التعذيب الجزء الأكثر غموضاً، وأخذَ العقاب (التعذيب) شيئاً فشيئاً يدخل الظلّ لكي يَتحوَّلَ إلى مجرد عمل إجرائي أو إداريّ، فوقع نوع من الطمس البيروقراطي لعمليّة التعذيب.
ولكن في عصرنا الآنيّ، نلحَظُ أنّ عملية التعذيب لم تَعُد علانيّة ضمن مجال الرؤية والمشاهدة كما هي عليه في القرون السابقة، بل أضْحَتْ داخلة في مجال الوعي المجرّد. ونجدُ كذلك أنَّ العار والقماءة التي كانت (سابقاً) مفروضةً على المعَذَّبِ، تحوَّلت اليوم إلى عار العنف و”الحيوانية” التي يُمارسها الجلاّدُ على المعذّب. وهنا يكْمُنُ دورُ العتوم الذي أتى ليَكشِفَ هذا العار، ويَرفَع الستار عن فظيعِ الأمورِ، وشنيع القُدُور.
بِحَسَبِ فوكو، فالتعذيب هو تقنية، ويجب أن لا يُشَبَّهَ بأقصى حالات السّعار الغضبي بدون قانون. والعقوبة لكي تكونَ تعذيباً وَجَبَ أن تتجاوَبَ مع ثلاثة معايير رئيسة ولكنّنا سنذكر أحدها، وهي أنّه يجب أوَّلاً أن تُحدِثَ كميّة من الوجع التي إن لم يَكُن بالإمكان قياسها بدقة، فإنه يمكن تقديرها، ومقارنتها وترتيبها. ويقول فوكو أيْضاً أن التعذيب يرتكز على فنّ بأكمله من كمية الوجع! ولكن يوجَدُ أكثر من ذلك: إنّ هذا الإنتاج منظم. فالتعذيب يربط نمط الإصابة الجسدية، وكميّة وزخم وطول الأوجاع، مع خطورة الجريمة ومع شخص المجرم ومع رتبة المجرم. هذا ما يقوله فوكو بشأن التعذيب، وكذلك فإنّ العتوم لا يختلف معه كُلَّ الإختلاف، فقد صاغ ما قاله ميشيل فوكو في وشائح وصِيَغٍ أدبية ببديعِ موهبته، ولَطِيفِ قدرته وذلك في قوله في الصفحة 22:”…تتغيّر اللهجات بحسب مستوى المعلومة، وبحسبِ تجاوب السجين مع المحقّق.”
في الأخير، يبقى السؤال الذي يَفرِضُ نفسه هو لماذا “القتل” الذي يُقدَّمُ للجلاّدينَ كجريمة رهيبة نراه يُرتَكَبُ في السجن بقلبٍ ثَلِجٍ ودونَ ندامة؟ ولماذا يَسِنُّ الإنسان -قديماً وحديثاً- قوانين للتعذيب، هل لِيَستغلّ القانون لصالحه ليُيَسِّرَ لنفسه سُبُلَ ممارسة حيوانيّته ووحشيّته اللاإنسانية؟ وإننا نعلم أن في بعض الدول التي تُسمّي نفسها “متقدّمة” ولا تُمارس التعذيب، وتَمنعُ المَساس بالجسد، ولا تفعل شيئاً للمساجين غيرَ السَّجنِ والإعتقال، والمؤبَّد ومنع الإقامة والإبعاد، -والتي احتلّت مكانة مهمّة جداً في الأنظمة الجزائية الحديثة- فهذه تُشكّل كذلك وعقوبات جسدية، ولكن ليسَ بطريقة مباشرة؛ أيْ أنه يتمُّ ذلك من أجل حرمان الفرد من حرية تُعتبَر في آن واحد كحقٍ وكمُلك. فالجسد بموجب هذا النوع من العقاب، إنما يُؤخَذ ضمن نظام من الإكراه ومن الحرمان، ومن الإلتزامات والمحظورات. فالتألّم الجسدي، وألم “الجسد بالذات” ليْسَا بالعناصر المؤسسة للعقوبة، فقد انتقلت العقوبة من فنٍّ من الأحاسيس التي لا تُطاق إلى نظام اقتصاد للحقوق المعلقة، فهل نحن حقاً في عصر حقوق الإنسان؟

ــــــــــــــــ
الرواية نت