ديسمبر 14, 2018
  • ديسمبر 14, 2018
نوفمبر 26, 2018

رواية حكاية مدينة واحدة.. تواتر الـتأريخ وتحقيبِّ السرد ناصر السيد النور*

By 0 350 Views

أصدر الروائي السوداني الحسن بكري في آخر أعماله – ضمن مشروعه الروائي- روايته الصادرة عن دار العين المصرية 2018م (حكاية مدينة واحدة)؛ والمشروع الروائي عادة ما يكون مدعاة لالتزام يقدره الكاتب للروائي ويختبره الناقد ويستيقنه القاريء. فالمشروع الإبداعي لايحدد أو يُؤطر لمنوذج يماثل التخطيِّط أيً تكنْ الموضوعات ( ثيميات) السرديَّة وأسئلته التي يثيرها. ولكن على اية حال، يفصل بكري في هذا العمل الجديد وأعماله الأخرى (أهل البلاد الشاهقة، أحوال المحارب القديم، طقس حار، سمر الفتنة) في الإتيان بمبحث سردي لازمه زمن تأريخي ذو حدثٍ بائِّن وربما موقع تأسست رمزيته التأريخية ليس بعيداً عما تواتر من حكايات خالطتها أساطيرِّ وصور نمطية تأخذ مادتها الفلكلورية مما تعدَّد وتشكل في الذاكرة الجمعية وبالتالي تغلَّب على مَّا ارتسمَّ وثائقياً على ذاكرة التأريخ المؤسسي. ههنا يستقي بكري التأريخ الحكاية والحدَّث التأريخي أثناء تفجُّره في مساره الطبيعي وما أحاط المحتوى الوجودي من حيوَّات بشرية بزخمّها وذلك بإستعادة مواقع في جغرافيا ذلك التأريخ حيثما تجلَّت في حكاية مدينة واحدة حيث إمكان الفعل السردي. إنه الموضع السردي (المكان) ذلك البعد بالمقاربة النقدية الكلاسيكية المحوَّر الذي ينشأ عن البنية السردية المتصاعدة والمتصوَّرة عما تفاعل معه وبه. و من ثمَّ فإن هذه المقاربة التأريخية بآلية سردية إستدعت كل ما صنفته الرَّواية ضمن مسرِّدها التأريخي واللغُّوي من أسماء وأماكن وأدوات في سياق ترجمتها الانثروبولوجية ومفرَّدات الثقافة المادية لتمثيل مشاهد رَغِّب الروائي في عرضها بالتجسيِّد الملموس؛وإن يكن لاتلبث أن تدمج جزءا من التعبيرات المكونة لشخصية الرواية وهيكلها السردي ضمن سياق زمني آخر لاينتمي إلى الزمن نفسه؛ ولكن قد يبرَّره تتابع الأحداث السرَّدية بالحدِّ يُبرّز قدرة الكاتب على التحكم بالحضور السردي في بنيته التي يفترض تسلسلها بتماسك يسوغه منطق السرد إبتداءاً.

قِراءة سَّرديِّة:

إنَّ النصَّ الروائي في حدود ما يُفَهم نقدياً لايضاهي الواقعة التأريخية في حركة تسلسله الزمني Chronologically وتبقى المسافة الفاصلِّة بين ما هو تأريخ History والرِّواية Novel مقياساً يُقوِّم المادة المعالجة بأدوات التأريخ ومروياته والحكاية في الرواية السردية؛ فالنص السردي على نقيض الواقعة التأريخية تحوُّل متجدِّد لابرغبة الكاتب، إنما بحيوية تفرضها أحداث وشخصيات روائية تنزع إلى التعبير بما هو تأريخي دون أن تكون مشدودةً إلى الماضي وبالتالي مستقرة ضمن الحدث الماضوي للتأريخ. فالروائي لاينبغي أن تتكَّون أو تنزع رؤيته إلى معالجة الحدث الواقعي بغية التوصل إلى غاية تأريخانية Historicist Intention محضَّة دون أن يضفي عليها التخييل السردي ويمنحه بالتالي مشهده الجمالي الدرامي. فالجدل بين الرواية والتأريخ والتعقيدات الذي لازمت تعريفاته بين أكثر من حقل معرفي وفلسفي يجعل من قراءة التأريخ وفلسفته ضمن قراءة السرد. ومتى ما قارب العمل السردي حدث تأريخي ما فهو تمثل لذلك التأريخ دون أن يكون جزءا منه وفق السياق. فالمكان لايستقر مكاناً افتراضياً لا ينتمي إلى تأريخ وجغرافيا فكما جاء على لسان الراوي في مفتتحاً النص : “…فيما بعد سنسمي البقعة التي نزلنا بها سوبا، تيمناً بالمدينة الكبيرة، المندثرة…”

في هذا النص السردي (حكاية مدينة واحدة) تمتزج فيه مقولات التأريخ ومكِنة الحذق السردي وهو ما مثل الإضاءة الكاشفة لمسار سردي انطلق من خلفية في الكتابة وبالتالي تعددت الخيارات في إدارة العملية السردية أفضى إلى تشبع سردي Narrativity غطى على فصول الرواية. فالثيمة المركزية في الرواية تدور حول مدينة مفقودة يُراد استعادتها حرباً، وإذا الراوي في تهويماته الحياتية رفقة شاهندا يُخلِّق حياته بشكل لايقل حدة عن نزعته الفحولية. فالحرب شكلت منحىً في تصور سردي يرد بكل أدوات الحرب وخططها ومع أن الحرب بتعدد تعريفاتها وكظاهرة محيطة بالواقع الإنساني تنتهي إلى حماقة من صنع الإنسان؛ ولكن مثل تولستوي حين عبّر عن الحرب كفعل يفتقد إلى العقلانية، فلايقع ذلك التعبير التأملي ضمن عمله الملحمي الأشهر في رواية ( الحرب والسلم). فإن استعداد الراوي للحرب وعلاقته ثنائية الحُبّ Love-duet بمعشوقته البدوية المرأة ذات الشكيمة (شاهندا) لاتتوقف الحياة كما يحياها من حبٍّ جارفٍ ونزوات تعبر عن نفسها بجرأة وتأخذنا وتيرة الأحداث السردية عبر تطور حياتي انشغل بكلِّ ما توافر في محيط المكان والزمان حيث دار الحدث السردي. وتنقل دون أن تركز أو أن تنشغل الرواية على ثيمتها المتصور أو الوقوف حصراً على تبرير العنوان وإحالاته في الدلالة والرمز والسياق، فقد انتقلت إلى عمق الحدث الزمني مستجيبة إلىَّ عناصر البناء الروائي في طبقته أو بنيته – بالتعبير النقدي الدارج- الحاملة لمكوناته السردية. وفي هذا الاتجاه تحدّد إطار الروائية بإشتمالها أو موافقاتها فنياً لضرورات نص الخطاب السردي.

القراءة السردية ليست بسطاً لمحتوى النص السردي ولكن تدخلاً نافذاً إلى تحليل النص نقدياً على حدِّ ما يتقبل النص تأويلاً إن لم يكن تفسّيراً لمعانيه الموضوعية؛ مع أن المقاربة الموضوعية لا تخلو من ربط شكلي بين النص ومقومات النقد الأولية. فالرواية تكشف عن نطاق واسع تمتد خارطته الجغرافية (فضاء السرد) وامتداده الزمني (التاريخي) بما يتطابق مع أبعاد الزمان والمكان في الماضي والحاضر. ثمة لحظة تأريخية تدعى بالفارقة في رمزيتها التأريخية بإنهيار مدينة سوبا عاصمة مملكة علوة المسيحية في القرن السادس عشر والآن يصرُّ الجد خليل في إعادة تأسيسها ( احيائها) وهذا الأثر المفقود للمدينة ذَّات الحكاية الواحدة لايستعاد في جانبه الاركيولوجي فحسب وإنما عبر حياة مفعمة بتفاصيلها وثرائها التأريخي والمكاني من خلال شخصية الرواي صنديكي. وفي ثنائية العلاقة بين الراوي وشاهندا في صراعهما الوجودي وذوبانهما الإنساني في غمرة هدف اكبر (الاستعداد للحرب) فيه تصوير بالغ الدلالة، وهي الخبرة في صياغة المشهد السردي بما يُفهم منه سرد يُمكِّن الراوي العليم من حضوره الطاغي ومع أن الرواية تعددت في سياقها السردي؛ الأبطال والأماكن والأصوات إضافة إلى صوت الروائي العليم، إلا أن البحث عن توصيف يأخذ بالأسلوب المناسب لتحديد الصيغة التي تشكل بها النصّ السَّردي تكون متاحة عبر جودة سبك النص المصاغ سرديا دون عناء. من الوَّاضح أن التعدد في مكونات النصِّ الروائي هو ما يوحى بالتصنيف النقدي.

بينما ينتقل السَّرد يتكوَّن ما يمكن وصفه بالتداعي السردي الذي لاينفصل عن بؤرة الحكاية المركزية، تأخذنا شخصية بتولا في (سرديات) داخل الرواية إلى تخلق داخل النصَّ بإعادة انتاج السرد والنماذج المتكونة عن مشاهد الرواة ونسج قصص بمشاركة شخصيات تفاوت دورها في النصِّ السردي انطلاقاً من تفاعل داخلي كما في دور سرديات بتولا:
” شيّد البربر لبتولا و رواتها دوراً للسرد والتمثيل. وقد أتقنت بتولا مهنة تأليف الحكايات، وأمكنها رواية القصص ذاتها بنسخ مختلفات، فأنشأت وقائع لعلية القوم وسادتهم وأخرى للمتعلمين وثالثة للعامة”.

تفاعل النصوص:

تمضي الأحداث في مسارها السردي آخذة معها الترابط المنفعل لحياة الراوي الذي لا تستقر أحواله خاضعاً لقهر شاهندا في دأبها لوضع خططها الحربية المحتملة وتناقص إرادته باتجاه حربٍ ستقودها إمراة. في هذا التصعيد السردي المتسارع تتداخل الأحداث باضطراد ربما قاد الروائي على حشد صور مسرحية طالما أن الحرب مسرح تدور فيه المعارك. ومن ثَّم تناص النص الروائي بشواهد تأريخية ومفردات لغوية مهجورة ومسميات في نطاق مجالها التداولي وبما أنَ التناص لاينقل النصَّ مجرداً عن ما يحيط ويعلق به من مكوناته اللغوية والثقافية. فالمحاولة ليست جرّا للمفاهيم وتطبيقها على نصَّ روائي قد لا تتسع طاقته النصيِّة لاستيعاب قدرة المفاهيم النقدية، وتطبيق عملي لمحددات لغُويِّة تنطوي على اختلاف الأنساق الثقافية المعبرة عنها في لغة النَّص الروائي على المستوى الدلالي؛ ولكن إخضاعاً لنص روائي ومحاولة قراءته وفق المعطي المختار من حركة بين النصوص السابقة عليه بالمفهوم التناصي.

لقد بدا الإيقاع السردي متواتراً ومتداخلاً بشكل ملحوظ وإن يكن متحكم به دون أن يفلت من المسار العام للأحداث التي أتخذت من تقلبات شخصية الرواي مصدراً توَّغل منه السرد مستحوذاً دون اقتصاد على مجمل الأحداث يفوق دور الشخصيِّة المركزية. وعليه تصعَّدت الأحداث السردية فذروة التعقيد في السرد الروائي (الحبكة الروائية) هي تصاعد الصراع في الحدث الروائي في شكل البنية الهيكلية للرواية بمفهومها التقليدي لا يقتصد العملية السردية في الرواية وفق رغبة الروائي، وأحيانا كما يلاحظ في الرواية تفرض المتغيرات في الزمن والمكان والأحداث التي لا يتجاوزها الروائي، بل يكون عليه تفعيلها لتأخذ دلالاتها في السرد وصيرورته Process في حدث الترتيب السردي.ويستمر الرواي في مغامراته النزِّقة وتتكاثف المشاهد الإيروتيكية حتَّى تكاد أن تسلبه أي دور فاعل على مستوى قيمة الأحداث التي يفترض أن يؤديها وبالتالي يتصوّر توقعها إلا أنَّ الإغراق الجنسي يحيله إلى شخصية في الرواية مكشوفة لاتعصى على التنبؤ؛ وقد جَهِد الروائي في رسمّ إطار شخصية روائية ليس حصراً في استجابتها الغرائزية بل شخصية لامبالية كثيراً ما تتعثر في تفاعلها الحياتي اليومي. إن مجموع العمليات التي تجري على المكونات السردية تتفاعل كيمياؤها مع هذه المكونات فهي ليست ملتبسة بحالة سردية وبالتالي يكون ظهورها قابلاً للانفصال في ذهن المتلقي كصور أو علامات متباعدة في دلالاتها السردية. وليس من الحصافة عدُّ ذلك مدعاة للإثارة الفَجَّة دون النظر إلى التخلق الحياتي الذي تثيره الحياة في طبيعة المنتمين لها دون تصنيف استباقي يلزم الروائي بشروط قبلية تخطط لمسار شخوصه.

أما وقد تشكلت شخصية الراوي واكتست هويات وأشكال وألقابا بين منطقة وأخرى وتعددت مستوياتها بهيمنتها المطلقة وإن ما قد يبرر لهذا التعدد ربما تركز حول تفسير هذه العناصر بتحديد جذورها الشخصية والموضوعية؛ أي تقويم الوسائل الأسلوبية باستحضار جذورها الذاتية في شخصية الكاتب من ناحية والشبكة الدلالية الموظفة لها من ناحية أخرى. ومن هنا فإن هذا التقدير الشامل لا يمكن القيام به إلا في مرحلة أدبية معينة أو في نطاق جنس أدبي خاص، محوط بوجهة موضوعية “أيدولوجية” تضفي على هذه المكونات الجمالية طابعها المتماسك.وهذا التعدد في هوية شخصية الراوي القَلِق وحيله في التنكر من مقاتل إلى أمراة إلى مثلي وغيرها من حيلٍ ينفذ من خلالها إلى حيث يرغب.

تتابع السرد الروائي في تقصيه الأعمق لمصير شخوصه وتفاعل الراوي السارِّد في سياق زمني ومكاني أقترن بالمدينة المحوِّر المكاني الذي تدور حوله الأحداث، ولكن بتوظيف تقنية سردية مراوغة تجعل من الإسقاط ملهاة التأريخ على الحاضر اسقاطات خاطفة. ويكون الدمج في ذروة الحكي السردي بإضفاء بعداً سردياً يلامس قضايا واقعية لاتخلو من بعد تحيزات مستطبنة. ولكن في الوقت عينه، ترَّسخ السرد متجلياً على المنطقة العازلة في التأريخ (مدينة سوبا) وامتدت مفارقته في الترَحل في الحاضر بحثاً عن اجابات ربما أوحى الروائي سرديا. ولايكفي القول بحال أن البعد عن المباشرة هو ما يحافظ على سمت الكتابة الروائية ويمنحها شكلها السردي المفهوم إذ أن محمولات الخطاب الروائي في الإنجاز النقدي لما بعد الحداثي لا تتعامل مع النص بشكل مفتوح ولكن ضمن محدداته الفنية وتقنياته الكتابية. ولم يعمد الروائي إلى تقنية الاسترجاع التقليدية التي سيطرت على النتاج الروائي العربي مؤخراً ولكنه توفَّر على قراءة لاتزامنية تنهض على معرفة تأسست على وعي يعين على التفريق بين الحضور المادي والتخييل السردي.

اللغة والحوار :

لا تعدو اللغة السرد الروائي على أن تكون الكتابة دون تقييد، فإذا لم تكن دِّقتها في مستوى التعبير السردي يتقوض الخطاب السردي، فاللغة هي المنتج الذي يحُلّل ويركب وكما أن النص الروائي ليس حصراً على الشخصيات الروائية الناطقة باللغة في بنيته التكوينية، فإن التعبير عن محتويات النص الروائي و علاماته المتضمنة في السرد تخضع إلى معايير اللغة و قواعدها وتعمّق وتوسّع من المفردات اللغوية وذلك بالدلالات التي عادة ما تتشكل على المتن الروائي فإذا كان اللغة في العملية السردية هي الثابت من حيث وجودها القبلي، فإن الخيال مصدر النص الروائي متغير و متجدّد.

تضعنا رواية ( حكاية مدينة واحدة) أمام صور لغوية ذات تأثير طاغ ٍ تمكَّن الروائي من التنقل بمهارة فائقة كوَّنت نسيجاً لغوياً معقداً وسَّع من حيِّز التصور التخييلي Imaginary. ثمة مستويات من التعبير اللغوي تحدَّدت صيغتها وفقاً للحدث السردي والشخصية التي عبرت عنه، ومن الملاحظ تمدد التأثير اللغوي الكثيف متقوماً بالشواهد اللغوية الكثيفة والإحالات اللفظية مما أفضي إلى تشكيل سردي يكاد يكون مستقلاً عن الصور السردية للرواية. فإذا أخذنا بالنظرية القائلة بالعالم الموازي الذي يخلقه عالم الخطاب الروائي فإن في تمدد الآفاق التي يصلها السرد تتجاوز كثيرا الخطوط المعيارية للغة، فهو – أي الخطاب الروائي – يخلق عالماً لغوياً موازياً أيضا وثيق الصلة باللغة المتكونة في طبقات سردية أخرى؛ فإن الروائي توغلَّ بمعمق نافذِّ في لغته الموَّظفة سردياً انعكاساً لبنية معرفية لغوية صُلبة. ولم تقتصر اللغة على البيئة المحيطة كما يتصور الاتجاه النقدي في جدل العلاقة حول لغة الرواية، وإنما نعثر على ممارسة لغوية بكافة أدواتها التي تحقِّق أقصى درجات التعبير بما يتصل بالمرموزات اللغوية والعلامات والشواهد اللغوية مما زادَّ من استخدام الهوامش الشارحة لغوامض المفردات.

وباستمرار التدفق اللغوي الفادح وتأرجح المستوى اللغوي بين الفصيح والعامي والمفردات القارّة في طبقات معجمية والاشتقاقات وصور الاستعارات التخييلية والاقتباسات،حافظ الروائي على سمت الحوار باعتماد اللغة العامية (المحكية) لشخصياته مخصباً لحضورها السردي وتجليها التخييلي. ويكون بذلك مستوى لغة الحوار متوافقاً ليس مع الشخصية السردية ولكن ايضا ضمن توافق تقنيات الرواية في بعدها الفني وبالتالي مقاربتها النقدية. ومتى ما اقترب الخطاب الروائي متموضعاً بين ثنايا السرد في وجوده النصيِّ لزم ذلك اختياراً واعياً لمقاصد الألفاظ والدلالات والاستعارات تأويلاً لمفردات خبيئة في النص اللغوي تفصح عنها الجمل والعبارات بأصوات الشخصيات الروائية. ومثلما ارتبط دور اللغة في العالم الواقعي كأداة للتواصل بين الإنسان وتفاعله مع الوجود، وهي الحقيقة التي ترددت كثيراً في بحوث الانثروبولوجيا الثقافية فالخطاب الروائي ينحى إلى مفارقة هذا العالم دون التجرّد من معانيه التي يستقيم بها الفهم والإدراك.

الاستقراء والتناقضات:

وتبقى الرواية كنوع سردي لايتوقف عند حدود بناء تصورات تخييلية ولكن كما يرى باختين طريقة أيضا للفهم والإدراك، وهذا ما قادتنا إليه رواية ( حكاية مدينة واحدة) فبرهنت على تضمينات تأوَّلت سردياً عبر أحداثها وشخوصها محاولة رؤية تفسير ما أحدث خللاً في الذاكرة التأريخية بوصلها بسياق بالحاضر الثقافي والسياسي. وبالتقنية السردية المتجاوزة في تبصرها عالجت الرَّواية الماضي لاحكاية مُنفصلة عن محركاتها التأريخية ودوافعها الإنسانية؛ ولم تكن الحروب وضحاياها على أمتداد الجغرافيا المٌتخيلة بعيدة عن حاضر أجلى الروائي صور صراعه التي ورَّثتها ذاكرة مكانٍ مستعادٍ عبر تواتر حكايات تأريخه بتقحب مشاهده السردية. فما بين قوانين التأريخ والإستقراء وتقنيات السرد التي رسمت شخصيات روائية خاضّت غمار تجربتها الحياتية بين المغامرات والطموح والنزَّوات وهشاشة الفعل البشري وخوره أمام تحديات التأريخ كما في وصف الراوي لفصول حياته:

” افتقرت فصول سيرتي الذاتية للتماسك وخلت في مجملها من أي وصف لمواجهات حربية مهمة الأمر الذي أدى إلى إقبال متواضع على سردها والإنصات لها في مرحلة الحكي الثانية التي انطلقت في سوبا”.

ومن ثَّم تظلُّ تجليات هذا التأريخ المفعل سرديا له قابلية التفسير ليس بأخذه على نحو تأريخي يقتضي حكماً قيمياً تحكمه نظرة الانحيِّاز الأيديولوجي؛ ولكن يلزمنا تفسير آخر لا يركن حصراً إلى تصورَّات تضحي بالبعد الانساني في سبيل سلطة التأريخ وسطوته. فالزَّخم الإنساني في هذه الرواية الذي شكلته شخوصها بنزعاتها الإنسانية وتناقضاتها قد جعل من الرواية تشكيلاً سردياً بالغ الدِّقة في تصويره لتراجيديا الوجود والتأريخ والإنسان محور ومصدر هذا الصرَّاع. والمقاربة النقدية للنص لاتكتسب المعنى الذي يشرع ممارستها دون أن تحيط قبلاً ما يحمله النص من قيمة ليس بالضرورة خضوعها إلى تطبيقات شكلية قد يقصر في كشف خباياها الغائرة.

الرواية نت