أبريل 25, 2019
  • أبريل 25, 2019
  • Home
  • قراءات
  • رواية القتل لأجل البقاء على عرش ملطخ بالدم

رواية القتل لأجل البقاء على عرش ملطخ بالدم حيدر محمد هوري

By on مايو 8, 2016 4 180 Views

آخر ما تبقى من الزنبقة

يحاول الكاتب إيهاب عبدربه في روايته “آخر ما تبقى من الزنبقة” رصد مرحلة تاريخية وواقعية في تاريخ سوريا الطافح بالألم، مستمدّا مركزيتها من الحرب التي اندلعت بعد موجة الاحتجاجات التي اجتاحتها مطالبة رأس السلطة فيها بالرحيل، بعدما انتهج سياسة القتل لغاية البقاء على عرش ملطخ بالدم، ومعتمدا في ذلك على الذاكرة لسرد الأحداث والوقائع.

يسعى الكاتب من خلال روايته إلى إسقاط بقع من الأضواء على عدد من التفاصيل المؤلمة التي ازدحمت بها الذاكرة السورية، فشكلت لديه بؤرة متأججة من المآسي والأحلام والآمال، تفجرت وتوزعت على فصول الرواية.

عوالم خاصة

يعمل عبدربه في روايته البكر، الصادرة عن دار الفارابي للنشر والتوزيع ببيروت، على ضبط الشكل والعناصر التي يتطلبها أيّ عمل روائي من أجل بناء عوالمه الخاصة ومن أهمها السرد واللغة، ليرسم بهما أحداث الحكاية ولينتج لدى القارئ مشاهد تصويرية بصرية ومتخيلة حتى يصل إلى الغاية المنشودة.

يعتمد الكاتب في روايته على سرد الأحداث بعدد من الأساليب السردية، ويفتتح صندوق الأحداث معتمدا على سردها عن طريق رسالة مزدحمة بالنجوى الذاتية، والمونولوج الداخلي على لسان أحد شخوصه، حيث تندلق التفاصيل والوقائع على سطور الرسالة كنهر جارف من الذكريات والتأملات والأحلام، مركزا على القضايا التي تعجن الواقع السوري، محاولا رصد الانهيار الأخلاقي والإنساني، كاشفا مدى تداخل القيم والنوايا مع الأطماع والخداع والقتل والتخريب، لكي يسمّي الأمور بمسميات المرحلة الحقيقية.

في الفصل الثاني من الرواية يشكل أسلوب الاسترجاع والاستذكار حاملا مهما لسرد بعض تفاصيل الحكاية من خلال المقابلة التي جمعت حازم وتوفيق مع كارلا، مديرة مكتب المنظمة الدولية الحقوقية في مدينة إسطنبول التركية، فيقوم بسرد الأحداث المتشحة والمشحونة بالحساسية والخطورة فهذا النوع من السرد يقوم برصد التداعيات النفسية والعواطف، وتتفاوت هذه الحساسية بما يتفق مع الواقعة التي تتذكرها شخصيات الرواية.

كوامن الوجع

يمضي بنا الكاتب في الفصل الثالث إلى كوامن الوجع، ليحلل طعم الملح في العيون إلى مشاهد تبلغ فيها الحساسية ذروتها، لذا سنجد أن أساليب السرد تتناوب أو تتداخل في الحضور بما يتناسب وسير الأحداث، فنرى الوصف حاضرا كاشفا لنمط معيشة النازحين في مخيمات اللجوء بتركيا، وحالة الناس في تلك المخيمات، فيقوم برصد التفاصيل المادية والمعنوية.

الشخصيات مخلوقة من طين الواقع والحالة السائدة في سوريا، وهي شخوص معجونة بالألم والحرمان والنقائض والانكسارات

ونلاحظ هنا ارتفاع مستوى الحوار كثيرا مستخدما لغة بسيطة تتناسب ومستوى الأحداث، متكئا على الوضوح والإيجاز في نقل أحاسيس شخوصه، فيكتب عن بشر كسرتهم الحرب وظروف الحياة الصعبة، وفيه تظهر الحكمة القادرة على تحليل تلك التفاصيل، إنسانيا وفكريا وأخلاقيا، مظهرا النضج الانفعالي والإنساني من خلال الحوار بين جمانة حمدان والصحافي عمران الأيوبي.

الاسترجاعات بكل أنواعها الداخلية والخارجية والمختلطة كانت سمة الفصول الثلاثة الأخيرة مع حضور الوصف والحوار أيضا، ولقد نجح الكاتب في استخدام التقنيات السردية المناسبة لموضوع الرواية، كما نلاحظ أنه يقوم بمناقشة القضايا بالاعتماد على الشخصيات التي تشاركه في الكثير من التفاصيل، وأن قراءته غالبا ما تكون قراءات حوارية وصفية، ويصل الوصف إلى ذروته في قصة أبومراد عن تجربته القديمة في السفر عبر البحر، فينجح في توصيف رحلة الموت، وفي رسم المشاهد التي ترصد تلك الشخصيات وهي تصارع هواجسها وأحلامها، مستحضرا التداعيات والحقائب والوصايا، مصورا محاولات تلك النفوس على التأقلم مع حقيقة اجتياز البحر والموت.

اللغة هي العنصر الكاشف عن المقاصد لدى إيهاب، كانت ملائمة وقادرة على بناء القصة وسرد التفاصيل والحوار والوصف، حيث استخدم الكاتب لغة سهلة وبسيطة مجردة من الزخارف الفنية والصبغة الأدبية العالية، وكانت تتناسب مع الحدث تصعد وتهبط معه، فيخاطب الجميع ويحكي بلسان حال السوري الممتزج مع الحرب والنزوح، كانت اللغة مشحونة بالألم والوجع والحلم، ومستمدة من تلك النوازع التي توجه مشاعر شخصيات الرواية وعواطفها.

 

واقع الألم

من جهة أخرى يبدو قاموس الرواية اللغوي مزدحما بالواقع، والكاتب هنا يعتمد على لغة واضحة بعيدة عن الرمز والإيحاء لأنه يريد أن يؤرّخ وأن يرسم وأن يبكي وأن يصرخ. أما حضور اللغة المحكية، فكانت حاضرة حضورا مقنعا، وكانت تستخدم غالبا في اللحظات الحساسة، لأنها أكثر رصدا وطرحا للواقعية.

أما عن الضمائر فلقد نوّع الكاتب من استخدامها في السرد، فاستخدم المتكلم والغائب والمخاطب، وكل ذلك بما لا يؤثر على توازن الأحداث، وكما نعلم فالكاتب عندما يكتب يكون كائنا متحوّلا من الشاهد إلى المراقب، وأحيانا يأخذ دور البطل.

الشخصيات في الرواية مخلوقة من طين الواقع والحالة السائدة في سوريا، وهي شخوص معجونة بالألم والحرمان والنقائض والانكسارات والاختبارات. شخصيات تجعل الواقع عاريا أمامنا، والواضح في الأمر أن إيهاب لم يسع إلى اختلاقها أو حشرها بشكل قسريّ في الأحداث، بل كان ينتقيها ويدخلها إلى الأحداث بشكل سلس تماما، معتمدا على الواقع المعيش، لذا كان ظهورها طبيعيا لا يخرج عن مسار الأحداث الحكائية، كما أن خروج الشخصية من الأحداث كان خروجا موفقا أيضا، إلى درجة يمكن القول فيها إنه كان ناجحا -إن صحّ التعبير- في عملية قتل الشخصية.

أخيرا نلحظ تمكن إيهاب من تطويع السرد واللغة لتحقيق الغاية المنشودة من الحكاية، فكان السرد قادرا على سبك ورسم الأحداث وعلى سبر كوامن شخوص الحكاية، وكانت اللغة متسقة ومتلائمة مع الحوار والوصف، وقادرة على جعل الوقائع أدوات ناطقة ومتفاعلة مع الحكاية وشخوصها، ومساعدة القارئ في إدراك أحداث الحكاية وغاياتها.

عن صحيفة العرب اللندنية

4 تعليقات

Comments are closed