الرئيسية / هندسة الرواية / دينامية الوصف في رواية “ظل الريح”.. الدلالة والأبعاد محمد علي العوض

دينامية الوصف في رواية “ظل الريح”.. الدلالة والأبعاد محمد علي العوض

يعد الوصف، باعتباره أحد الأساليب والأنماط السردية، أحد العوامل التي تسهم في بناء دينامية الخطاب الروائي وتشكيل نمذجته الأيديولوجية والغريزية والجمالية، وبإمكان أي باحث متمرس بالرواية وتاريخ تطورها اكتشاف الحقبة أو المدرسة التي تنتمي إليها الرواية من خلال تقنية الوصف وأشكاله وطريقة توظيفه في النص؛ فالمدرسة الواقعية مثلا احتفت بالوصف كثيرًا ومنحته مساحة كبيرة من زمن خطابها السردي، ووظفته جيدًا في الكشف عن العوالم السيكولوجية للشخصيات، مثلما احتفت المدرسة الرومانسية بتصوير العواطف والطبيعة والنزعة الفردية.
يقيم الوصف داخل نسيج الخطاب الروائي علاقات متعددة مع عناصر السرد فهو إلى جانب كونه يسم كل ما هو موجود بميسم خاص ومميز؛ يحدد نوعية الأشياء من حيث دلالاتها الاجتماعية، ونوعية تفكير الذات المُستحضرة والواصفة لها، وتكوينها النفسي وانتماءاتها الطبيقية . وهو “مكون هام من مكونات الرواية والكتابة السردية لأنّه يعوض الديكور في المسرحية ”
“فيليب هامون” ميز بين أربعة أنواع من الوصف :
– كرونولوجيا: (وصف الزمان).
– طوبوغرافيا: (وصف الأمكنة والمشاهد).
– بروزوغرافيا: (وصف المظهر الخارجي للشخصيات).
– إيطوبيا: (وصف كائنات متخيلة مجازية).
يمارس الوصف اشتغالاته في السرد على حساب الزمن الذي تستغرقه الأحداث، وبمعنى آخر هو “تعطيل في حركة السرد، وتعليق لمجرى القصة وانسيابها لفترة زمنية ما قبل أن يفترقا لتحقيق أهداف كل منهما الخاصة؛ وإن كان الوصف في عمومياته هو “مجرد تابع للسرد ومساعد له على تأدية وظيفته الحكائية “.
ويمكن تعريفه بأنه توظيف البعد المرجعي المنتظم “المرئي” إلى بعد لفظي ممتد “خطاب لغوي” علما بأن هناك تعارض بين هذين البعدين، أي في كيفية تحويل المرئي إلى مقروء وترجمته إلى لغة، فالمفارقة تكمن في أنّ البعد المرئي يقدم أشياء تُرى وأحيانا تُلمس أمّا البعد اللفظي فيقدم أشياء ينبغي تصور دلالاتها بصريا.
السرد في رواية ظل الريح متشظ إلى ألف حكاية وخيط، وكأن القصة تدخل في معرض للمرايا فتنقسم إلى عشرات الانعكاسات، لكنها تظل رغم انفتاحها على عوالم كثيرة محافظة على وحدة بنيتها.. فهي حكاية تتقاطع فيها ذاتية السيرة مع وقائع التاريخ ولظى الحب.. هي رحلة بحث عن الخفي المجهول حسا وجسدا.. يقتفي فيها الشاب دانيال أثر كاتب مهمش لم يكرمه زمانه، ويضطلع فيها بمهمة البحث وحل عُقدة المصائر المتشابكة واقعا وتاريخا.
نمط الرؤية السردية في رواية ظل الريح هو الرؤية من الخلف، والتي تجعل السارد عالما بكل شيء، أو خالقا لكل شيء – كما يقول جينيت- وتتبدى براعة الناص كارلوس زافون في توظيف هذا التبئير؛ لاسيما إذا علمنا أنّ أسلوب الوصف يخدم هذا النمط من الرؤية السردية ويحكم امتداه الدلالي.

• علاقة تشكل الوصف بالدلالة
يضطلع الوصف بوظيفة هامة في خلق الدلالة الكلية للنص انطلاقا من ثلاثة مداخل هي: الانتقائية، التراتبية، التدريج.
فالعملية الوصفية حين تبدأ سواء كانت واقعية أو موهومة تفرض على الواصف اللجوء الى الاختيار والانتقاء نتيجة ازدحام الأشياء والتفاصيل . ومؤكد أن عملية الانتقاء هذه لا تتم اعتباطا أو تلقائية كما تبدو أحيانا بل تكون قصدية لترسم أبعادا معرفية وسيكولوجية وأيديولوجية.
بعد إتمام عملية الانتقاء – أي اختيار حامل لسمة معينة؛ الوجه مثلا- يدخل المؤلف مسافة ثانية هي التراتبية التي تتناول سمة معينة في الحامل؛ مثل (يحمل أنفًا صغيرًا على وجهه) حيث اخترنا هنا الأنف وصفة الصغر دونا عن سائر أعضاء الحامل الأساسي (الوجه). بعدها يدخل المؤلف مرحلة (التدريجية)، وهي صيغة تركيبية يتدرج فيها الوصف من الموصوف الأساسي (الحامل) إلى الأعضاء عبر التدرج في الوصف، ومثال لها أن تصف العيون ثم تنزل قليلا تصف الأنف ثم تتدرج نحو الشفتين وبعدها الذقن… وهكذا. والشرط هنا إيجاد جسر بين الوصف والدلالة التي يرغب الكاتب في خلقها. وتتمظهر هذه التقنية أكثر في بروزوغرافيا الجسد وطبوغرافيا الأمكنة، ومن أمثلة وصف الجسد في رواية ظل الريح؛ وصف وجه بوركيت (إذ كان وجهه بلا أنف ولا شفتين ولا جفنين، كأن وجهه كقناع من جلد خشن وداكن كأن النيران قد أتلفت سماته- ص69) وهنا انتقى وجه المجهول دونا عن سائر جسده لإشراك القارئ معه في وجهة نظره حول شخصية بوركت والشر الذي يطبعها، بإضماره مواصلة إضرام النار في كل ما تبقى من إرث خوليان كاراكاس الروائي. وكذلك جسد كلارا (كانت بشرتها نقية ووجهها مصقولا ومحددا بدقة محاطا بشعر كثيف قاتم السواد ولامعا كالجمر ص 29) فالوصف هنا على بساطته ليس تلقائيا فقد انتقى المؤلف بشرة الوجه تحديدا دون سائر بشرات أعضاء الجسم، وانتقى الوجه كذلك لأنه عنوان الشخصية وعاكس للروح، وتقديم البشرة ووصفها بالنقاء إشارة إلى التفتح وصغر السن، وحالة الدعة، وهي إشارة إلى الحالة الاجتماعية المرفهة، وضمنا هي إشارة إلى طبقة اجتماعية عليا مثلها مثل بياتريز آغويلار التي (لها جسد يحبس الأنفاس، وترتدي فستانا مفتوحا وضيقا على الخصر لتبدو عضلات ساقيها كمنحوتة أغريقيّة تغطيها جوارب حريرية شفافة- ص125) والوصف هنا أيضا انتقى الجسد وتدرج من أعلى إلى أسفل بدأ بالصدر وأشارته “مفتوحا” ثم تدرج الترتيب ليصل منطقة الخصر ثم أسفل نحو الساقين. مثله مثل تدرج الوصف في مقطع (كانت كلارا مستلقية على الغطاء الأبيض الذي يتلألأ تحت جسدها العاري كالحرير الناعم، ويدا الأستاذ نيري تداعب شفتيها وعنقها وصدرها. كانت عيناها المطفأتان تحدقان في السقف وجسمها يتلهف على هجمات يديه بين فخذيها الأبيضين المرتعشين ص72) بعكس مشهد (وخصرها الممشوق في ثنايا فستانها، لاحظت منحنى كتفيها، عنقها ناصع البياض وشفتيها المرسومتين على وجهها. ص 32) الذي تدرج فيه الوصف تصاعديا من أسفل إلى أعلى حيث بدأ بالخصر ثم ارتفع قليلا نحو الكتفين ثم العنق ثم الشفاه.. ودلالة أوصاف كلارا في سياق الرواية كلها تشير إلى الجمال البشري وإشارات الوضع الاجتماعي للفتاة التي تملك مدرسًا خاصا للموسيقى.

• طبوغرافيا ظل الريح
توزعت طبوغرافيا المكان داخل ثنايا الرواية بطريقة مدروسة تخدم السرد، فمنذ الأسطر الأولى للنص يختار زافون مدينة برشلونة بساحاتها وأحيائها ومقاهيها ومعالمها فضاء مكانيا تدور وتتفاعل فيه الأحداث والشخصيات. حيث تستهل رواية “ظل الريح” عتبتها الاستراتيجية – أي أول عنوان لها بعد الغلاف” بأسلوب الوصف تحت عنوان “مقبرة الكتب المنسية” وأول مقاطع سردية في الرواية نلمح فيها مشاهد وصفية كثيفة (لن أنسى أبدًا ذلك الصباح الذي اقتادني فيه والدي إلى مقبرة الكتب المنسية”. حدث ذلك الأمر في أوائل صيف العام 1945. كنا نمشي في شوارع برشلونة التي ادلهمت فوقها سماوات من رماد وانصبت الشمس من بين الضباب مثل اكليل نحاسي سائل على حي رامبلا دي سانتا مونيكا ). ولكثافة الأمكنة في الرواية سأختار نماذج طبوغرافية منها المكتبة – مقبرة الكتب المنسية- التي وصفت وفق تقنية التراتيبة والتدرج من الخارج إلى الداخل فندلف إليها عبر بوابة (خشبية منقوشة ضخمة بانت عليها أثار الرطوبة والزمان- ص 15). ويشي النقش وأثار الرطوبة والزمان بأنها عتيقة كانت شاهدة على حقب حضارية واجتماعية وسياسية عديدة.. وأنت تلج عبر بوابة هذه البوابة تقابلك الردهة (مسكونة بظل لازوردي يتمايل بين النور والظلمة) ثم بعدها (تظهر أدراج رخاميّة وممر عميق يزدهي سقفه برسومات لوجوه ملائكة وكائنات خيالية) ومنها نصل إلى (صالة دائرية تشرف عليها قبة تنهمر منها لآلئ الضوء.. متاهة من الأروقة والرفوف العالية المكتظة بالكتب ص 15).
إن انتقاء اللون اللازوردي المتأرجح بين النور والظلمة لونا لظل الردهة لم ينبع من فراغ بل يتماهى مع دور المكتبة بوصفها برزخا يفصل بين نور المعرفة وظلامات الجهل.. كما تمهد ملفوظات “رخاميّة” “رسومات الوجوه الملائكية” “قبة” “لآلئ” لمقطع بعدها يصف فيه سيمبيري المكان بأنه (معبد، حرم خفي- ص16)
وتتكرر ذات الانتقائية عند وصف بيت جوستابو برسلوه (يسكنان في الطابق الأول من بناية في الساحة الملكية بلازا ريال… كانت الشقة تشغل الطابق الأول كله متعددة الممرات والصالات والشرفات… تبعت برناردا مرورا بإيوان مليء بالنباتات المورقة والازاهير الاستوائية يبدو كحقل زراعي حقيقي تتسلل من ثناياه أضواء مزركشة، وفي أجوائه تطوف أنغام بيانو واهنة الوقع- ص 51-52) بجانب استطاعتنا الحصول على ما يعرف بالدلالة المعزولة لهذا الوصف من خلال الرموز “الساحة الملكية”، “إيوان” “أزاهير استوائية” وتؤشر كلها للمكانة الاجتماعية، وتمهد لمقاطع وصفية قادمة يصف فيها السارد جوستابو بأنه زعيم باعة الكتب القديمة والنادرة، وادعاءه الانحدار من نسل الشاعر اللورد بايرون. كما تمهد مقاطع وصف الغليون وما تفوح منه من روائح زكية، والشال الحريري، والحذاء اللامع؛ لدلالة معزولة تقرأ في سياق يسر الحال تكشف عنها جملة( .. والده هو القريب الوحيد ذو الشأن الكبير إذ كان صاحب مصنع وقد بلغ الثراء بوسائل شبه مشروعة- ص24).

• بعض أنواع الوصف في ظل الريح
1- الوصف المخفي داخل السرد:
ومن أمثلته المقطع الآتي (التلفزيون ياعزيزي دانيال هو المسيح الدجال، لن يعود بوسع الناس أن يضرطوا دون الاستعانة بأحد في غضون ثلاثة أجيال أو أربعة- ص 124). ونستخلص من المقطع صعوبة حركة الناس في ممارساتهم الانسانية تضخم المؤخرة، وترهل اللحوم بسبب الجلوس طويلا أمام التلفزيون وقلة الحركة ودلالة على تفشي السمنة مع تسارع حركة العصر وتغير النظام الغذائي والحركي للناس.

2- الوصف بالحدث:
وفيه يضطلع الوصف بمهمة سرد أحداث متسربة عبر سراديب الجمل الوصفية أو أحداث مخبوءة فنعرف من خلال مقطع: “ما إن وضعت الحرب الأهلية أوزارها حتى اجتاحت الكوليرا البلاد وسلبت منا والدتي. دفناها في مونتيك ص 13” أن دانيال يحمل صفة “يتيم الأم” ولنا أن نتخيل حالة الشلل والهلع في مدينة موبوءة بالكوليرا، فشواهد القبور لا تنفك تتراص بسرعة متوالية هندسية ولا تكاد تخلو من المعزين ولو للحظة واحدة، وقد عايشت حالة مماثلة كهذه عام 1998 في مدينة ملكال.
ومن أمثلة هذا الوصف أيضًا وصف الحالة الجسدية والنفسية لدانيال بعد ما تعرض له ما حدث له من ضرب مبرح على يد أستاذ الموسيقى نيري (نهضت بشق الأنفس، بعد أن تمزقت سترتي واهينت كرامتي ص 73) ومثال له أيضا ( لم أر جمع يده، لكنني شعرت باللكمة مثل هراوة تنقض على بطني، تجمعت على نفسي كدمية لا حول لها ولا قوة وتزحلقت على حافة الجدار، شدني نيري من شعري إلى أعلى وغاص في جيوبي يفتش عن المفتاح كالمجنون فوقعت أرضا وأنا أمسك بطني بيدي واتأوه من الألم والغضب ربما) ص 74

3- الوصف بالحوار:
الحوار هو قرين الوصف ويضاهيه من ناحية التوظيف الزمني وإبطاء وتيرة السرد، والعلاقة بين الحوار والوصف علاقة بنائية يتحكم في نسقها ورسمها الكاتب، لاسيما أن الحوار والوصف لايتعانقان أو يتداخلان كما الوصف والسرد، فللحوار سمة لغوية تميزه عن مستويات اللغة الأخرى، وهذا المشهد يبرز ماسبق:
” ما الذي جرى لوجهك؟”
” تزحلقت على الرصيف المبلل ووقعت”
” لابد أنّ لذلك الرصيف يدا طاحنة. علينا أن نداوي جرحك” ص91.
فالمشهد هنا مرصع بالمقاطع الوصفية حيث نصل منه الى يقين بأن وجه دانيال حافل بالكدمات وأن ملابسه مبللة ومتسخة بفعل السقوط أرضا جراء ضرب نيري له، وأن شفته مشقوقة تقطر دما.

*البعد اللغوي والزمني
يؤدي المطقع (في ذلك العام حل الخريف كمعطف من وريقات يابسة على الطرق كدوامات تشبه جلد الأفعى) ص95 وظيفتين مزدوجتين الأولى لغوية ترميزية تكشف الحالة السيكولوجية لدانيال، فيباس الوريقات دلالة على ذبول روحه وتلاشي الصورة الجميلة عن كلارا وحالة من التوهان بدلالة ملفوظ “الدوامات” و “الأفعى” بدلالاتها المعروفة، والثانية وظيفة زمنية. فالوصف كتقنية زمنية يمكن اعتباره ملفوظا روائيا مهمته تقليص زمن القص مقابل تمديد زمن الخطاب عبر المكان، أي عبر النص ، حيث يتكفل بتنسيق إطار مكاني تنبعث منه الأحداث. والوصف هنا مرتبط بلحظة زمانية “ذكرى عيد الميلاد” ونفسية محددة تخدم السرد متمثلة في خيبة أمل دانيال في كلارا برسلوه.
أما في المقطع (كان النهار في غاية الروعة: السماء صافية والنسائم تنشر رائحة البحر في الجو، إنني أفضل برشلونة في شهر أكتوبر، فالمدينة تظهر أجمل وجوهها ومن الممتع أن يروي المرء ظمأه من نوافير كانتيلاس. والغريب أن هذه النوافير ليس لها طعم الكلور في هذه الفترة من السنة) ص 124، فيمكن تسميه هذا النوع من الوصف بأنه “وصف خارج عن زمن القصة” ويشبه محطة استراحة يستعيد فيها السرد بعض أنفاسه، فالسرد يتوقف بعد خروج دانيال من المكتبة ليستأنف حركته بعد وصول دانيال إلى بروفيسور فيلازغيز لتسليمه الطرد.
ويؤدي الوصف هنا من حيث البعد اللغوي وظيفة “تزيينية” أي أسلوبية وجمالية؛ فالمؤلف في هذا المقطع يعطينا فكرة عن روعة المناخ، ويشي خلو ماء النافورة من الكلور بأن الخريف قد غادر لكن بعد أن ملأ حوض النافورة بعذب المياه أو غذى المياه الجوفية بكمية معتبرة من المياه العذبة فما عاد للكلور أهمية، كما يمنحنا الوصف إيحاء يشبه حلول الربيع. وينزع وصف المدينة والسماء ورائحة البحر وهبوب النسائم نحو شاعرية محسوسة.
ومن ذلك أيضا مقطع (كانت لغتها مصبوغة بشتى الألوان وذكرياتها كنسيج شفاف تحيكه برنة الأصوات ووقع الخطى- ص 34) حيث يؤدي الوصف هنا وظيفة “تزيينية” قوامها الصور الفنية والتشبيهات، وتجدر الاشارة هنا إلى احتشاد الوصف في الرواية بأسلوب التشبيه والاستعارة بشقيها التشخيص والتجسيم مذكرة إيانا بقول جينت إن الوصف هو “عملية تشخيص للأشياء والشخصيات”، والتشخيص والتجسيم قسمان من أقسام الاستعارة، وهي مكون يتداخل مع الوصف في الرواية أحيانًا مثلما تفعل الصورة، وهما – أي الاستعارة والصورة” لا ينعزلان عن الوصف أو يتساميان عليه. والصورة هي التقنية الكتابية الأكثر إيحاء.. لأنّها لا تصف شيئا مرئيا ولا تحاكي الأشياء وفق منطق الواقع ، بل تحاكي الأشياء وفق منطق اللاشعور. وهي ما يخلق النفس الشعري داخل النسيج السردي فتجعله ساطعا براقا يتلألأ. وهي كما يراها باشلار “انسراب الصوت النفسي الباطني معبرا عن ذاتها، والصورة تعبر عن أفكار وليست في شكل وصف مثقلة بالدلالات وقابلة على الانفتاح على كل الدلالات، وتتبدى تلك التشبيهات وجماليات الصورة الفنية بوضوح أكثر في مقطعي: (كانت صفحاته ترتجف كجناحي فراشة استردت حريتها أو كسحابة من غبار ذهبي خرجت للتو من السجن – ص 17) ، (كانت هناك امرأة ترتدي فستانا ناصع البياض حتى بدت لي كأنها ملاك منحوت في الضباب- ص 29).
وأخيرا يبقى القول إنه برغم تلاحم مستويات البناء السردي واللغوي في رواية ظل الريح إلا أنّ الوصف يظل – من وجهة نظري- السمة البارزة فيها، وإطارا حيويا لحركة الأحداث، حيث تستحيل الحركة دون وصف. وإن جاز لي الأمر فسأقول إنّ رواية “ظل الريح” للكاتب الإسباني كارلوس زافون هي رواية الوصف بلا منازع، ويكاد يهيمن بشتى تجلياته الزمنية واللغوية والبلاغية على البنية الكلية للرواية، وحامل حقيقي لعمق إدراك الكاتب لعالمه والشخصيات على المستوى المعرفي والأيديولوجي والاستيتيقي.

مسقط، 30 مارس 2018

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية نت

شاهد أيضاً

“فئران أمي حصة” لسعود السنعوسي.. رواية مليئة بالرموز.. محمد حمدان

قبل ما يقارب الثلاثين عاماً شاهدت مسلسل “على الدنيا السلام” الكوميدي الكويتي. كنتُ وقتها صغيراً …