نوفمبر 17, 2018
  • نوفمبر 17, 2018
أغسطس 26, 2018

دوّامة الزمن الروائيّ هيثم حسين

By 0 95 Views

يشغل الزمن في الرواية بال الكثير من الروائيّين الذين يشتغلون على تفاصيله، بحيث يكون مقنعا للقارئ من حيث استيعاب المتغيّرات التي تجري في سياقه أو تتخلّله محطّاته الروائيّة، ويشكّل تحدّيا متجدّدا يواجه الروائيّ في عمله، وهو يعدّ من ركائز العمل الروائيّ، فهو عابر للفصول والأمكنة، وحاضر في كل التفاصيل، فلا يمكن التحرّك من دونه، إذ يسبق الأحداث ويتبعها، يهيّئ لها ويواكبها، وكلّ ما يجري في الرواية ينبني أو يتّكئ عليه.

يتمّ توصيف الزمن بأوصاف هندسية؛ هناك الزمن الدائريّ، وهناك المستقيم الممتدّ في خطّ تصاعديّ، كما أنّ هناك الزمن المتقطّع الذي يمكن تركيب جزئيّاته وتصميم أشكال مختلفة بناء عليها.

حين يمضي الروائيّ في بناء خطّ عمله الزمنيّ قد يتعثّر في محطات معيّنة، وهنا يمارس لعبة التقطيع، يختصر السلّم الزمني، أو المقياس الذي يسير عليه. قد تمتدّ اللحظة لتغدو بنية من بنى الرواية، وقد تشكّل منعطفا في تاريخ الشخصيّات، أو تنزاح بها هذه الوجهة أو تلك، وقد تتقلّص السنوات بحيث يعبر بها الروائيّ وكأنّها هنيهات لا غير على درب إتمامه لأحداث عمله. وقد يضع الزمن في مسار معيّن، يقيّده، فيتقيّد به، أو قد يبقيه منفلتا فيضيع معه ويتوه في إحداثياته المتناثرة. قد يجمّد في مربّع، أو يمدّده كخيط، لكن في كلّ الأحوال يكون عليه التعاطي مع دوّامة هائجة ودائمة يتعذّر حصارها.

يختصّ الزمن في الرواية بخواصّ فريدة، فقد تستطيل الدقيقة وتغدو دهرا بالنسبة إلى الروائيّ الموغل في سرده، والنابش في ما وراء تلك الدقيقة التي يصفها ويصوّر لحظاتها وثوانيها، وما اجتاح ذهن أبطاله حينها.

أحيانا يركّز الروائيّ على توصيف مواقف بعينها بحيث يتحوّل الزمن إلى كائن متخيّل، يغيّر، يروّض، يتدخّل في الأحداث وسياقاتها، في المستجدّات ومساراتها، في اللعبة وقوانينها، يملي قانون التغيير الذي يكون جزءا منه، وحيلة من حيله.

قد نجد روائيا يعبر بالسنوات وكأنّه يعبر بأشياء لا قيمة لها، فيقول أثناء انتقاله من فصل لآخر، أو من مشهد لآخر: “بعد سنوات”، وربّما يحدّد رقما لتلك السنوات أو لا يحدّد، يقطعها، يلغي حضورها وتأثيرها، أو يؤجل تصوير تأثيرها إلى حين سرد الأحداث اللاحقة، وقد يتفاجأ القارئ بأنّ هذا الزمن يومض، وأنّ السنين في الرواية لا تعبّر عن معناها الزمني، وقد تخلو من مضمونها.

لعلّ الزمن الذي يمضي كحلم سريع يبقى العنصر الأبرز الذي يشغل الروائيّين، ويجذبهم إلى واحاته الثريّة الساحرة ويموج بهم بين ما كان وما يكون وما يستحضر كخيال أو حلم، ومن هنا يتعاطى الروائيّ مع الزمن ككتلة، ينهل من الماضي والحاضر والمستقبل، وهذه التقسيمات تكون بالنسبة إليه مستقاة من الينبوع نفسه، لذا تكون التنقّلات بين الأزمنة غير مربكة له، لأنّها بالنسبة إليه حاضر يقوم بتفعيله وتقسيمه.

قد يتحوّل الزمن كذلك إلى قيد يضغط على الروائيّ، أو يبقيه أسير دائرة بعينها، ولا سيما حين يحدّد تاريخا معيّنا، فيضطرّ إلى العودة والنبش في ثناياه حتى يكون وفيّا للزمن الذي يعالجه أو للفترة التي يتناولها، ويكون الزمن مستدرجا إياه إلى بقاع نائية قد لا تخطر له على بال حين يستهلّ تحديد نقطته التي ينطلق منها، ويباشر بالإحاطة بما يؤثّث بنيانها ويبلورها بصيغتها الروائيّة.

يجمّد الروائيّ الزمن ليتمكّن من تحريره وتحريكه والقبض على خيوطه، وإلّا فسيبقى لاهثا وراءه كمن يقتفي أثر نسمة، أو هنيهة هاربة متلاشية لا غير.

عن صحيفة العرب اللندنية.