سبتمبر 22, 2018
  • سبتمبر 22, 2018
سبتمبر 18, 2017

حَيْوَنَةُ الشخوص في “هوت ماروك” لياسن عدنان الكبير الداديسي

By heysem1@hotmail.com 0 2 Views

إن ما شهدته نهاية الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة من أحداث هزت العالم العربي ، وزعزعت الأرض تحت أقدام إنسان هذا الوطن بدءا بحرب الخليج الثانية من غزو الكويت إلى سقوط بغداد، وانتهاء بثورات ما سمي بالربيع العربي… جعل الرواية الجنس الأدبي الأنسب لرصد كل التفاعلات، والقادر على التشكل وفق تحولات (métamorphose) واقع زئبقي مختل عصي على التصنيف يعاني أزمة قيم، فاستطاعت الرواية المعاصرة -بعد أن استقطبت كتابا حجوا إليها من فجوج كل التخصصات، وأتاحت لهم سلك مسارات متعددة – أن تنجح في رسم أبعاد هذه الزئبقية واستجلاء وجه هذا الواقع المسخ؛ بين من حاول تشيء الأبطال في حطٍّ لقيمة الإنسان وتعبير عن مادية العصر، ومن أنسن الأشياء والحيوان في رفع لقيمتها لتتساوى أو تتفوق على الإنسان ، ومن سلك غرائبية رآها الأنسب لواقع أغرب، و من ركب الرمزية بعد أن رأى اللغة المباشرة عاجزة على استيعاب حماقات العصر، ومن اختار البورنوغرافيا في جَنْسَنَةٍ لكل شيء و ربط كل سلوك بالجنس تعبيرا على عهر الراهن، و من فضل الهروب والبحث عن واقع آخر في العبثية والخيال العلمي أو خارج الفيزيقا… وقد كتبنا عددا من المقالات والدراسات في هذه المسارات حتى لا نقول الاتجاهات والتيارات ،لأن هذين المفهومين يتطلبان شروطا لعل أهمها أن يكون هناك تراكم كمي في الاتجاه، وتكون للاتجاه خصائص تميزه عن غيره من الاتجاهات، إضافة إلى وجود خلفية فكرية يؤطرها نسق فلسفي بمنطلقات، أهداف،نظرية،جهاز مفاهيمي، منهج ورؤية… ناهيك عن تمظهر خصائص الاتجاه في كل ضروب الإبداع من مسرح، رسم، سينما، تشكيل، رواية… وهي أمور نجزم قطعا بعدم وجودها حاليا في إبداعنا العربي ، فكان ما خطته أنامل كل روائي مسارا ربما سار فيه وحيدا في أفق خلق تراكم يرسم ملامح اتجاه روائي عربي …
ومن بين هذه المسارات ، مسار سلك فيه ياسن عدنان – الذي جرفه تيار الرواية من الشعر والقصة القصيرة كما فعل بعدد غيره في السنوات الأخيرة- “حيونة ” الأبطال في أول عمل روائي له (هوت ماروك) بعد عدد من الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية، وقد حظيت الرواية باستحسان القارئ العربي بعد صدور طبعتها الأولى مما حتم طبعة ثانية في نفس السنة وهي رواية تضم 462 صفحة موزعة على ثلاثة فصول :
– الفصل الأول : الفراشة في طريقها إلى المسلخ ، يمتد من الصفحة 9 إلى الصفحة 135 ، وهو موزع على ستة وعشرين مشهدا مرقما.
– الفصل الثاني : السنجاب يدخل العلبة الزرقاء ،من الصفحة 137 إلى الصفحة 301 ويضم ثلاثون مشهدا.
– الفصل الثالث : الكوميديا الحيوانية، من الصفحة 304 إلى الصفحة 462 ويحوي اثنى وثلاثين مشهدا .
وعبر هذه الفصول الثلاثة حاولت الرواية تقديم صورة دقيقة عن الواقع المغربي، ومن خلاله الواقع العربي، في وصف دقيق لأحوال الناس وطبائعهم والتحول الذي أحدثه الإنترنيت في الحياة المعاصرة . فقد جاء على ظهر الغلاف أن الرواية تحكي عن ( المغرب وتحولاته، عن مراكش… وما تتعرض له من ترييف… واغتيال للأشجار، عن الجامعة وحراكها الطلابي، عن مضارب الإنترنت قطاع طرقها الرقمية. عن أحوال الناس وطبائع البشر، عن السياسة والصحافة…) من خلال شخصيات إنسانية بطلها السارد “رحال العوينة” المنحدر من عبدة (نواحي مدينة آسفي) والذي اضطرته الظروف إلى الاستقرار مع أسرته (والده عبد السلام) وأمه (حليمة) بحواف مدينة مراكش (عين إيطّي) قبل أن تنتقل العائلة لتقطن مع عمه عياد بوسط المدينة العتيقة لمراكش( الموقف) . ويتمكن من مواصلة وإنهاء دراسته الجامعية ببحث لنيل الإجازة في الأدب العربي أنجزه مع زميلته (حسنية) التي سيتزوجها بعد أن وعدته بشغل، لدى أسرة القطيفة التي ستدير حسنية المؤسسة التعليمية الخاصة التي أنشأها جارهم الحاج القطيفة لهيام زوجة ولده عماد، يتزوجان، ليجد رحال العوينة نفسه مشرفا على (سيبر كافي) في شارع الداخلة بحي المسيرة الذي ضاق برواده من مختلف الشرائح الاجتماعية… وفي الإنترنيت سيجد ضالته ويتخلص من خجله وخوفه بعد أن غدا يتحرك ويعبر بأسماء مستعارة منها (ولد الشعب) الذي سيصبح أهم معلق على مقالات جريدة (هوت ماروك) موظفا كل ما تعلم من دناءة، وضاعة، كيد ،انتقام، تعقب أخطاء وعيوب الآخرين للضرب تحت الحزام إشباعا لغريزة حيوانية في الإنسان، في عالم افتراضي أتاح حياة أخرى تحطمت فيها الحدود بين الرأسمالية والاشتراكية بين العالم والجاهل، بين اليمين واليسار، فأنتج شبابا لا يستأسد إلا افتراضا، وهو ما مكن رحال العوينة من بعض خيوط اللعب ، فجندته قوى الأمن التي تتابع عن كثب كل صغيرة وكبيرة ويصبح من رجالات مرحلة للصحافة دور هام فيها …
إن رواية بهذا الحجم ، وهذه الكثافة، تقارب موضوعات حساسة ترتبط بالسياسة، الصحافة، الكلية، الصراع الطبقي، ترييف المدن تفاعل جيل الإنترنيت مع الواقع … مما يتيح تعدد مداخل مقاربتها، لكننا سنحاول في هذا الموضوع الاقتصار على خاصية ميزت الرواية، خاصية لا تخطئها عين أي قارئ ، تتعلق “بحيونة” الأبطال، ذلك أن السارد جعل لكل شخصية “قرينا حيوانيا يتماهىى بها” بطريقة كوميدية غير معهودة في الكتابة العربية، تختلف عما ألفناه في ( القصص على ألسنة الحيوان) (فهوت ماروك ) ليست على شاكلة ألف ليلة وليلة ولا قصص لافونتين، ذلك أن أبطال الرواية شخوص إنسانية بالاسم والصفة، لكن كل شخصية اختار لها السارد رمزا حيوانيا يناسبها، يعبر عن طباعها، ويبرر سلوكها وشكلها. فقد كان يكفي رحال العوينة أن يرى شخصا و (يدقق في الشكل، الهيئة علاقة العينين بالحاجب، حجم الأنف، استدارته، مدى نتوء الأنف أو سعة المنخرين، الموقع الذي يحتله الأنف وسط الحنك الصلب بين الوجنتين…) لتكون (الصلة ما بين المتحدث وحيوانه المستخفي أكثر وضوحا: الحركات، السكنات، النظرات، الابتسامة ، كيفية الوقوف، طريقة الكلام، حركة اليدين، تقطيب الحاجبين، سرعة التنفس إضافة إلى الأسلوب ومنطق الخطاب…) . وقبل البحث في أسباب ودلالة هذا المسار الساخر في الرواية العربية المعاصرة، نقدم صورا من هذا التماهي بين الشخص وحيوانه كما رصدته عيون وذاكرة رحال العوينة في أهم الفضاءات والمؤسسات التي تحركت فيها الشخوص:
1 – حيونة مؤسسة الأسرة : كان الأب عبد السلام حاملا لكتاب الله (هادئ يوحي منظره بالثقة) قليل الكلام ويحظى باحترام كل من عاشره لذلك اختار له الساردُ السرعوفَ الذي تقدره كل الأمم: (فهو نبي لدى اليونان والجرمان ويسميه عرب الجزيرة “فرس النبي” أما اليهود فقد حفظوها باسمهم مطلقين عليها ” جمل اليهود” ، الإسبان يعتبرونها قديسة، وجيرانهم الجنوبيون من أهالي طنجة وتطوان وفاس يسمونها “باالحاج” أما الأطفال في أزقة مراكش فكانوا يعاملونها بتبجيل ويطلقون عليها اسم”ناقة بابا ربي” ) . أما الأم “حليمة” التي لا تكف عن النعيق فلم يجد لها ما يناسبها من الحيوانات غير البجعة لأن مرض الدراق الذي أصابها (جعل غدتها الدرقية تتضخم لتأخذ شكل ورم في منطقة الرقبة تبدو معه كالحوصلة الكبيرة التي تحتفظ بها البجعة أسفل المنقار. أيضا بسبب عجيزتها العظيمة، كانت حليمة تجد صعوبة في الوقوف ، وحين تستوي على قدميها تمشي بطريقة مضحكة تماما كبجعة) . وبنفس المعايير ربط العمَ عماد بالسنجاب، لكن مقابل سهولة إيجاد الحيوان المناسب للأب، الأم والعم، فإن السارد استعصى عليه إيجاد الحيوان الكامن في أحشاء حسنية ، فما أن اطمأن إليها واتفق معها على موضوع بحث الإجازة حتى بدأت تتراءى له في الحلم في صورة حصان (تكر وتفر ، تقبل وتدبر … تتبختر في حلمه مثل فرس أصيل :
له أيطلا ظبي وساقا نعامة +++++ وإرخاء سرحان وتقريب تتفل)
وبعد أقل من أسبوع تراءت له على هيئة غزال (تتهادى على نغمات موال أندلسي
رماني غزال أهيف بجماله +++++ فجاءت سهام القتل من جانب الدوا)
وبعد أن (ظل رحال على امتداد الشهور يطارد حيوان حسنية في ملامح وجهها، في حديثها وصمتها، في حركاتها وسكناتها، في الكتب والأحلام …) وبإيحاء من أمه يكتشف أن المرأة (ذات الأذنين الصغيرتين والرأس الذي لا يكاد يفصح عن رقبة تحمله ملامح قنفذ) . وهي الصفة التي ستلازم زوجته في أكثر من ثلاثة أرباع الرواية…
2 – حيونة الجامعة : لم يسلم أحد بكلية الآداب – سواء في الوسط الطلابي أو الأساتذة الذين تعامل معهم رحال العوينة – من إلصاقه بالحيوان الذي يناسبه منهم “عتيقة” الطالبة المناضلة وبما أنها (قروية من أحواز مراكش، ثورية بالفطرة مليحة شديدة الطيبة… جسدها القوي المتدفق وتقاطع وجهها الصبوح المستغني بالسماحة عن الذكاء وصفاء عينيها الواسعتين كل ذلك قاد رحال إلى التفكير فيها منذ البداية كبقرة) ، كذلك جعل الطالب ” أحمد” ضبعا لأنه مغرم بنبش القبور و يكثر من الاستشهاد بماركس، لينين ،ماو تسي تونع، ابن بركة ومهدي عامل… إضافة إلى ذلك كان له صوت بري (صوت مجروح مموسق يصل حين يرفعه قليلا على ما بين العويل والعواء)… وجعل الطالب عزيز من صنف السلوقي لأنه مجند في خدمة الفصيل الطلابي الذي ينتمي إليه دون التفكير في مصالحه، ساعده على هذا الاختيار كون ( كل الحيوانات تصيد لنفسها إلا السلوقي فيصطاد لصاحبه ليجود عليه هذا الأخير بما فضل عليه من وضيع الطرائد) وعلى ذات المقاس فإن ( مراد جربوع أما المختار فجرد لا غبار عليه) والأستاذ المخلوفي ( فيل حقيقي)
3 – في الصحافة : نظرا للمكانة التي أضحت تحتلها السلطة الرابعة، وما أتيح لها من إمكانات بشرية، لوجيستيكية ومادية جعلها تتحكم في خلق و توجيه الرأي العام، فقد اختار رحال العوينة لعالَم الصحافة أنسب الحيوانات فجعل ” نعيم مرزوق” حرباء لا موقف له (كايدور بحال الزمان) ( لا يترك ساق شجرة حتى يمسك ساقا أخرى، تنقل بين أكثر من صحيفة في البلد وكان يعرف دائما متى يغادر وكيف، … دائما يخرج بغسيل قذر يعرف كيف يبيعه، يبدأ بنشره على حلقات في الجريدة المنافسة التي يكون قد رتب معها كل شيء في السر قبل مغادرة سابقتها. ألم تقل العرب قديما ” أحزم من حرباء، لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا”… وكما تدور الحرباء مع الشمس … يدور مرزوق مع الفلس … ومثلما تغير الحرباء لون جلدها يفعل مرزوق… وإذا كانت الحرباء لا تتنقل للحصول على فريستها فإن مرزوق بدوره لا يبذل مجهودا كبيرا في الحصول على مواده… كل المعطيات تأتيه كافية وافية) . لم يكسب شهرته إلا بحربائيته والمتاجرة بعيوب الناس ومآسيهم ، بالتشنيع على أصحابه الأدباء (يسخر من كتبهم التي لا يقرأها أحد، يسفه جوائزهم، البائسة ويهزأ بما يليها من مهارشات بشأن أحقية هذا الفائز أو ذاك ويفضح أخبارهم وتهافتهم على الأسفار والمهرجانات…)
وعلى نفس المقاس كان أنور ميمي – الصحفي الذي عُـيِّن على رأس صحيفة (هوت ماروك) فغير خطها التحريري نحو التفاهة والسطحية – بالتركيز على (أخبار النجوم . ممثلين وممثلات. مطربين ومطربات. خصوصا من النوع النشيط الذي يدوِّر الناعورة في كاباريهات الدار البيضاء حيث يسهر ميمي بانتظام) وبما بأنه يتظاهر بعكس ما يبطن فقد جعله رحال لعوينة أقرب ل ( نمس مستأنس قد ينخدع البعض لملمس فروه الناعم وقصر قوائمه إلا أن أصابعه تنتهي ببراثن حادة هو لا تخيفه الزواحف على اختلاف أنواعها حتى التماسيح بجلال قدرها اتخذ من بيضها غذاء أثيرا له، أما براعة النمس في القضاء على الأفاعي السامة فمعروفة).
هكذا سار رحال يقرن كل صحفي بحيوان بعد أن استحالت الصحافة سلاحا للتشهير بالناس، وجعلتها الإنترنيت مهنة من لا مهنة له، الكل يلعن يعلق بأسماء مستعارة دون أدنى مراعاة لمقامات الناس، فهذا أبو شر الغيفاري اليساري المتطرف ( ضربان أصيل فيه شيء من هذا الحيوان الليلي الشرس الخادع الطباع الذي لا يتردد في مهاجمة الحيوانات الأكبر منه كالغنم والحمير) وذاك أبو قتادة نقيضه في التطرف (لا يخشى في الله لومة لائم … متحمس دائما لفضح مغالطات العلمانيين وأكاذيب الديمقراطيين وترهات الليبراليين ومن تبعهم بإساءة إلى يوم الدين…) ومع هذه الأسماء المستعارة التي تكتفي (بالاسم الشخصي : كريم . خالد. منى. سعيد. توقيعات تحيل على مدن أو مناطق: سميرة المراكشية. فريد المكناسي . ولد صفرو . الصحراوي. أمازيغي حر. بنت الشمال…) والتي يعجز أصحابها عن المواجهة زاد الاستئساد والاستنصار الافتراضي قوة، فظهرت مقاييس جديدة لتقييم أشاوسة هذا الزمان، لعل أهمهما عدد اللايكات التي حطم فيها ولد الشعب (الاسم المستعار لرحال العوينة) كل الأرقام فيكفيه أن يخط (رأيا سريعا حول خبر يومي تافه (لِ) تنهال اللايكات من كل حدب وصوب… أحيانا يجمع خمسمائة لايك في ثلاثة أيام…) وفي لمح البصر (صار ولد الشعب نجما لديه قراء تغنيهم تعليقاته على الهامش عن قراءة المتن، ومعجبات لا يطقن غيابه) . ومن تم تكون الشاشة الزرقاء قد أتاحت له ما لم يستطع فعله على أرض الواقع، وقد ساعده تكوينه الأدبي على التألق ف (منذ تعليقه الأول وقع على دخول ملكي إلى المعترك الإلكتروني مثل لاعب احتياطي يقحم في مباراة نهائية في الأنفاس الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني فيحرز الهدف القاتل) هذه الشهرة الافتراضية كانت كافية لأن تجنده المخابرات براتب لم يكن يحلم به (عشرة آلاف درهم في الشهر) ويتم تأهيله ليكون في نهاية الرواية على رأس منبر إعلامي هام إلى جانب (الحرباء والضربان) الذين سيشكلون رجال المرحلة الجدد، كل همهم (الرقص على الحبال الافتراضية ، التلفيق، تسمين الإشاعات، والوخز بالإبر الإليكترونية في صمت ومن بعيد) مع تفان وإخلاص في ذلك (وهل هناك إخلاص في العمل أكثر من هذا؟ أن تنخرط بتفان في شتم أشخاص لا علاقة لك بهم فقط لأنك ملزم بأداء واجبك على الوجه الأكمل؟) هكذا كان مرزوق كلما تذكر أنه يشتم الشرفاء (يتفنن في الشتائم أكثر لكي يقنع ذاته أولا أنهم ليسوا كما يظن…) ، وكان رحال العوينة كلما جلس إلى الحاسوب بدا(مستغرقا في الكتابة بحماس وهو يلهث مثل كلب صيد رابض فوق فريسة).
4 – حيونة السياسة : يبقى المجال والعمل السياسي من أكثر المجالات التي وجهت نحوها سياط “الحيونة” في الرواية. لأن العامل السياسي هو المسؤول الأول عن الأوضاع العامة بالبلد، لذلك فالنظام السياسي يسخر البغال لإلقاء القبض على المارقين أو المراد تجنيدهم بإشراف من الفئران فكان العميد جواد فأرا و الحارسان بغلان لما ألقيا القبض على رحال كانا يعرفان حسه الفأري قالا له ( هاتفك النقال أيها الجرد) ولما انتهى التحقيق (فاجأه البغلان وهما يلقيان به من السيارة… كما لو أنه كيس من المتلاشيات)
لقد رصدت الرواية بدقة متناهية خصوصية المشهد السياسي المغربي الذي يفتخر بكونه يشكل استثناء، ففي ظل وضع حزبي بئيس، وجمهورفقد الثقة في كل الأحزاب السياسية يتم تقديم حزب بديل اختير له اسم “حزب الأخطبوط” عساه (يستخرج البلد من حالة الركود السياسي الذي يعيشها) بعد أن حُشِرت فيه كل الأطياف من كبار السياسيين والنقابيين والشخصيات الوطنية المرموقة وكبار رجال الدين … خلفهم في هوت ماروك وغيرها من المنابر الإعلامية (جيش من الجزارين بسكاكين أين منها سكاكين جنوة؟ سكاكين إليكترونية جاهزة على الدوام) ، تأسس هذا الحزب الأخطبوبي شهرين قبل الانتخابات وفي وقت قياسي كانت (قوافل الرحل من الأعيان والوجهاء وشيوخ القبائل وتجار الانتخابات تحج إليه من كل فج عميق . من اليمين واليسار والوسط بل ومن القيعان أيضا… منخرطو الحزب يتكاثرون بشكل مذهل رغم العزوف العام عن الشأن السياسي في البلد، فللأخطبوط قدرة عجيبة على التكاثر… ولأن أذرع الأخطبوط تتوفر على ممصات قوية تتيح لها الإمساك بفرائسها من الأسماك الصغيرة والأحياء المائية الأخرى بسهولة، تمكن الحزب من ابتلاع عدد من الأحزاب الصغيرة التي كانت في السابق مجرد دكاكين انتخابية تفتح أبوابها مع كل سوق انتخابي قبل أن تخلد إلى بياتها السياسي مباشرة بعد الاقتراع ) . هكذا سعت الرواية إلى إظهار أن “حيونة” السياسة كرست قانون الغاب حيث القوي يأكل الضعيف فحزب ( الأخطبوط عرف كيف يشفط هذه الأحزاب {الصغيرة } ويحولها إلى دم إضافي يجري في شرايينه ليتعملق هذا الحيوان القانص بالتدريج حتى صار يبدو مثل وحش بحري جبار … يغرق السفن، ويرعب الحيتان، ويخيف العابر والمسافر وكل من سولت له نفسه الإبحار وسط لجج الخضم السياسي المغربي…)
فزادتِ الحيونةُ المشهدَ السياسي ضبابية، فبعدما كان للسياسة قيمها (اليسار يسار، واليمين يمين… كان المناضلون يناقشون، المرجعيات الأيديولوجية للأحزاب ويقتلون برامجها الانتخابية بحثا … اليوم لا أحد يهتم لليمين ولا لليسار حتى الأحزاب لا أحد يهتم لأسمائها أصلا ليدقق في خلفياتها الفكرية والأيديولوجية . الكل ينادي الأحزاب برموزها : الأخطبوط والناقة والحصان و النملة والبلشون … الرمز يكفي ) ومن ضمن هذه الرموز الحيوانية يشمخ الأخطبوط ودون خجل يعلن أن لا برنامج سياسي له ، فرئيسه البشير المرابطي يكرر في كل لقاء أن المهم هو المعقول . أما المرجعيات والبرامج فكلام فارغ وأن الحزب وكل المغاربة جنود مجندون وراء صاحب الجلالة مع الإشارة إلى أن البشير المرابطي هذا (كان من مؤسسي حزب اليد في اليد ، قبل أن يتحول إلى حزب البلشون، والانتخابات الأخيرة دخلها مع حزب الطاحونة . وهو اليوم من أهم أذرع الأخطبوط) لقد أصاب السارد في حيونة رجال السياسة بعد أن تحولت إلى مهاترات فارغة، ففي قمة الحملة الانتخابية يخلق نقاش حاد بين أكبر حزبين حول حيوان الحلزون ذلك أن حزب الأخطبوط ليكسب أكبر عدد من الأصوات قام بتوزيع أكثر من ثلاثين عربة لبيع الحلزون على باعة من مختلف جهات مدينة مراكش ، وهو ما دفع بحزب الناقة إلى إصدار بيان يعتبر العملية فسادا انتحابيا دون أن يحقق شيئا مما يصبو إليه. وبعد فشله في إقناع الباعة السعداء بعرباتهم بأنها ريع وفساد ، اضطر إلى الاستعانة بعلمائه لاستصدار فتوى تحرم أكل الحلزون مستشهدا بعدد من الأحاديث والآثار المتداولة في المذاهب الإسلامية . ولضرب حزب الأخطبوط تضمن البيان تعريضا بدفاع الأخطبوط باسم الحريات عن الشواذ والفاسقين ومن تم لا غرابة أن يدافع الحزب عن دودة (فاسقة مشهود لها في الأوساط العلمية بميولاتها المثلية فالحلزون الواحد يملك جهازين للتناسل ذكري وأنثوي ويفرز جاميتات مؤنثة ومذكرة في نفس الآن ومع ذلك يريد لنا البعض أن نأكل هذه الحشرة الخنثى ويحشرها ظلما وبهتانا ضمن الطيبات من الرزق) . ولكي يوقف الأخطبوط حزب الناقة عند حده لجأ إلى تنظيم مهرجان جماهيري حول موضوع الحلزون تكفل فيه الفقيه المالكي الشيخ أبو أيوب المنصوري بالرد على فقهاء الناقة وفضح تهافتهم وبطلان فتواهم في المسرح الملكي بمراكش المعيب الذي لا يصلح لمثل هذه (الكوميدية الحيوانية) التي انتهت بتشكيل حكومة من حزبي الأخطبوط والناقة في تحالف (ضد منطق الأشياء وضد منطق السياسة يؤكد العبقرية المغربية و الاستثناء الذي حير كبار المحللين السياسيين الدوليين بعد أن أجمع أعضاء الحزبين أننا (نحن (المغاربة) شعب عبقري يعرف كيف يبني التوافق ) وأن النخب (السياسية ناضجة … لتتجاوز النيات البغيضة والحسابات الحزبية الضيقة وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار)
هذه بعض تجليات هذا المسار الذي سلك فيه الكاتب عدنان ياسين حيونة الواقع المغربي الذي فقد إنسانيته وتحكمت فيه النزعات الكلبية، الحربائية، ومكر القنافذ وحيل الفئران في شبكات أخطبوطية لا شيء فيها يتحرك بعيدا عن أعين المخابرات فلم يعد في المجتمع ما يحمل صفات الآدمية، إنه واقع مسخ حول معظم المغاربة إلى كائنات سياسية افتراضية (يدمنون على برامج السجال السياسي التلفزيونية ، يقبلون على النقاش السياسي الساخن على الفيس بوك ، لكنهم منسحبون من الحياة الحزبية في بلادهم. حريصون ، في غالبيتهم، على عذريتهم السياسية مثل بتول طاهر لذلك نادرا ما يدلون بأصواتهم في الانتخابات) . واستعاضوا عن مقرات الأحزاب والنقابات والتنظيمات السياسية ب (السبير كافي) الذي إذا غدا مقرا تقصده كل الفئات والشرائح فيه تعقد التجمعات السياسية، ومنه تنطلق المظاهرات التي كثرت وتعددت بشكل غريب وإن تغيرت أهدافها فإنها تتوحد في نفس العدة والعتاد (صور لتشي غيفارا ، وأخرى للمهدي بن بركة،، وثالثة للمسجد الأقصى وصور للملك إضافة إلى بعض الأعلام الوطنية الصغيرة . الأعلام الوطنية وصور الملك مهمة جدا في الاحتجاجات الخبزية على وجه الخصوص) … وبذلك أتاح السيبر كافي والعالم الافتراضي حياة أخرى وجد فيها المهمشون ضالتهم لينشطوا و يستأسدوا ويسقطوا في النهاية أدوات في أيدي أصحاب المال يسخرها للانتقام من منافسيهم: فرحال العوينة واليزيد وغيرها ممن لفظهم الواقع، تمكنوا من أن يصبحوا أبطالا افتراضيين يهابهم الجميع ويمنحهم القدرة على تغيير مجرى الأحداث على أرض الواقع…
هكذا نجحت حيونة الشخوص والمواقف في التعبير عن تدني المستوى الثقافي والحضاري في كينونة الإنسان المعاصر، نتيجة تغليب منطق إشباع الغرائز، واختزال الحياة في جانبها المادي الذي يجعل المال وسيلة وهدف في هذه الدنيا… لذلك استهدفت الرواية الاقتصار على الصور السالبة المتداولة عن الحيوان الموظف في (هوت ماروك) سواء كان حيوانا أليفا أو متوحشا، طائرا زاحفا أو ماشيا، ضخما أو صغير الحجم … فظلت حيوانات الكلب، البجعة، الفأر، البقرة، الحرباء، التمساح ، الأخطبوط، الفيل، الضربان … حيوانات ترمز للدناءة الوضاعة… لا يظهر منها بصورة إيجابية إلا حيوانان فقط هما :السنجاب والسرعوف، وإن كانت إيجابية السرعوف تحفظ للأب مكانته في وجدان الابن، فقد أشار إلى أن عيون الآخرين ترى في هذا السارد – المتحكم في شخصياته العارف عنهم أكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم- ما يرى فيهم من طباع وذلك طبيعي لأن أغلب الناس لا يرون عيوبهم فهو لم (يفهم لماذا يشبهه البعض بالقرد، ولا كيف ينعته آخرون بالجرذ) على الرغم من قناعته بحاسته الفأرية إلا أنه اختار أن يميز نفسه عن باقي القوارض ب(حاسة شم سنجابية، وذاكرة لها نفس القوة) …
ومن تم فحيونة الأبطال والواقع جعلت المجتمع غابة لا قيم لها، رغم كون معظم الأبطال متعلمين يجيدون استخدام التكنولوجيا التي أوغلتهم أكثر في الحيوانية، بعد أن أصبح همهم تسخيرها في أكل ونهش بعضهم البعض، وحتى أولئك البسطاء الذين يظاهرون بالعفة والوقار كشفت نهاية الرواية أنهم متكتمون على خيانات وفضائح أكبر من تلك التي يرتكبها الساسة والصحفيون ، فالعم عماد (السنجاب) الذي كان يتظاهر بمساعدة عائلة أخيه كان يخون أخاه عبد السلام الذي كان يشعر بوجود خيانة في بيته دون أن يتمكن من كشف خيوطها ،ومات دون أن يعلم بأن رحال لعوينة نتاح علاقة زوجته بأخيه وأنه ليس ابنه ، وأن ما يتظاهر به كل أفراد عائلة الحاج القطيفة من مساعدة لأم العيد و حسنية اليتيمة ليس سوى ثمن السكوت عن اغتصاب عماد القطيفة لحسنية …
إنه نظام الميديوقراطية ( Mediocratie) أو نظام التفاهة الذي أراده النظام العالمي الجديد بوأد القدوة المتنورة ، وخلق قدوة من التافهين تمكنوا بأموالهم من تقلد زمام الأمور وشراء الوجاهة ،بعد أن جعلوا المال الإله الوحيد الذي تتوحد حوله كل الديانات والشعوب، والمعبود الأوحد الذي لا خلاف حول طريقة عبادته، حتى أصبح المال (العبد والمعبود والمعبد) على حد تعبير محمود درويش، مع قتل متعمد بسبق الإصرار والترصد لكل القيم الإنسانية النبيلة التي تغنى بها الشعراء، وأرسل من أجلها الأنبياء، وشرعت من أجلها القوانين والمواثيق، فماتت المهننة وحلت محلها الوظيفة فغدا كل كائن مجرد موظف له وظيفة خاصة يمكن لأي كان القيام بها مقابل أجر متفق عليه مسبقا، وإن كانت في ذلك خيانة للجار والأخ، وضرب للمبادئ والقيم، وحط للكرامة الإنسانية … ذلك هو نظام التفاهة والرداءة الذي يحصر مقياس النجاح في عنصرين لا ثالث لهما : المال لشراء الذمم وتكميم الأفواه، وحسن التنكر وتغيير اللون في الوقت المناسب للتظاهر بالشرف والبراءة. لقد تغيت (هوت ماروك) إذن إبراز أن المغرب والعالم العربي يعيش زمن الرداءة بامتياز، وأن هذه الرداءة تؤهل الدول العربية لأن تتبوأ مراتب عالية في ( تنمية التخلف) ، بتطوير بعض القيم السلبية، وتسمين قيم النذالة ؛ فإذا كان سب الناس والتعريض بهم على جدران المراحيض تخلفا، فتنمية التخلف طورت ذلك لنهش الشرفاء على جدران الصحافة الورقية والإليكترونية… وإذا كانت الإيديولوجيا والتعصب للفكرة والبرنامج ضيع علينا فرصا كثيرة للخروج من التخلف ، أكيد أن تقلد زمام الأمر من طرف أحزاب لا برامج لها، تسير خبط عشواء لا نظرة مستقبلية لها ، سيجعل خطونا أسرع نحو تنمية التخلف في مغرب ساخن (هوت ماروك) حيث حيونة القطاعات الحيوية الأسرة ، المدرسة / الكلية/ السياسة والصحافة الموجهة للقطيع، وإن كنا نرى في تلك الحيونة تجن سافر على الحيوانات التي لم يعرف عنها افتراس بنات جنسها…

الرواية نت