نوفمبر 16, 2018
  • نوفمبر 16, 2018
نوفمبر 23, 2017

حين تنتصر الرواية على الوحشيّة حسين السكاف

By 0 66 Views

سنوات طويلة أخذت فيها المقالة، الاهتمام والوقت معاً، لم أفكر خلالها بكتابة رواية، صحيح أنني كتبتُ العديد من القصص القصيرة والمسرحيات، إلا أنني كنت أحسب في كتابة الرواية عظيم المسؤولية والكثير من الوقت.. لكنني، وفي لحظة تأمل، وجدتُ نفسي محاولاً كتابة مقال مفصّل عن مدينة جميلة عُرفتْ باهتمام أبنائها بالثقافة والفن وأنها قد رفدت الحركة الثقافية والفنية العراقية بالكثير من الرموز الذين ولدوا تحت سمائها، تلك المدينة قد تحولت إلى غصة وجرح داخل الروح بعد أن احتلت القوات الأمريكية العراق عام 2003 لتتحول خلال أيام قليلة إلى “مثلث موت”. هكذا بات الإعلام يطلق على مدينتي الجميلة التي قضيت تحت سمائها وعلى أرضها أكثر من نصف العمر.
صار المقال عن المدينة يتسع وتتعدد كلماته وهي تصوّر المشهد تلو الآخر، حتى انتبهت إلى عدد الصفحات المكتوبة لأجدها قد تجاوز المتاح من الفسحة المسموح بها للنشر في الصحف والمجلات، لكن المادة قد أغرتني لأكمل البوح، وكأنني لسان حال المدينة الصارخ بشكوى التحول الكارثي. عندها شعرتُ بولادة روايتي الأولى، فتحول ذهني كلياً إلى بناء رواية عن مدينتي الجميلة “المحمودية” ذلك القضاء البغدادي المتطرف جنوباً حيث حدود العاصمة.




لا بد للكاتب، وهو يعرف طبيعة المادة الأدبية التي يكتبها، أن يمنح الجنس الأدبي حقه المتعارف، حقه المنحصر بإطار الأسس الأولية للبناء، تلك الفكرة التي كنت مؤمناً بها والتي دائماً ما تستحضرني وأنا أقرأ الروايات، صارت المحفّز الأساس لبناء روايتي. عندها عزمتُ على دراسة الطبيعة المجتمعية الخاصة في المدينة، لأكشف عن الأسباب الحقيقية لظهور ظاهرة الإرهاب الذي راح يفترس المدينة بوحشية مفرطة.

أعترف بأنني كنت أشعر بالخذلان والقهر وأنا أكتب الرواية، فقد شعرتُ حينها، أن العقول الجاهلة والمتخلفة ومن أكلتْ أرصفة الشوارع جلَّ كرامتهم، قد انتصروا عليَّ، وعلى جمال مدينة عريقة حين انضموا إلى ماكينة الإرهاب وصاروا يعبثون بالأرواح ويعمدون إلى خراب كل قيمة جمالية وأخلاقية، لذا حاولت الانتصار عليهم عن طريق الرواية، من خلال سرد يوميات المدينة التي كانت تهتم بالثقافة والأدب والفن قبل أن يدخلها البرابرة وقطاع الطرق واللصوص..
23897774_10157119646186164_1244021774_n
أتممت الرواية مستغرقاً في كتابتها قرابة العام، كان عاماً قاسياً تلمستُ فيه وحشية الواقع وتذوقتُ مرارته، وكنت قد منحتها العنوان الذي عُرفتْ به “كوبنهاغن – مثلث الموت”، عنوان صادم بعض الشيء حسب ما ذكرته المقالات الصحفية والنقدية التي تناولت الرواية بعد نشرها، ولكن الأهم بالنسبة للرواية التي صدرت عن دار ميريت في القاهرة بداية عام 2007، هي تلك الإشارة التي جاءت بها بعض المقالات النقدية والتي أشارت إلى أن رواية “كوبنهاغن – مثلث الموت” تعد الرواية الأولى التي سلطت الضوء على الأسباب الحقيقية لظهور ظاهرة الإرهاب في العراق، تلك الإشارة منحت الرواية أهمية مضافة مما جعلها مقروءة بشكل لافت حيث نفدت الطبعة خلال عام، ما حدا بطباعتها طبعة ثانية.
إن لحضور العاصمة الدنماركية “كوبنهاغن” في عنوان الرواية، وفي خاتمتها سبب تكمن وراءه فكرة الرواية التي بدأت رحلتها من كوبنهاغن إلى بغداد حيث تدور أحداث الرواية في الربع الأخير من عام 2004، أي بعد مضي أكثر من سنة ونصف على سقوط التمثال. وفيها يتتبع القارئ يوميات الصحفية الدنماركية “كميلة أندرسن” التي أتت إلى العراق بصحبة زوجها أو عشيقها العراقي “علاء كاظم” الذي يعمل في مجال الصحافة أيضاً، والذي ينتمي إلى مدينة المحمودية حيث ولد وعاش فيها حتى بداية عام 1991، وقت هروبه من العراق جراء حكم بالإعدام أصدرته الحكومة العراقية بحقة كونه رفض المشاركة كجندي عراقي في احتلال الكويت، ليصل بعد ذلك وفي العام نفسه إلى الدانمارك ويحصل على حق اللجوء السياسي.
والصحفية كميلة أندرسن التي تتعرض إلى عملية اختطاف مع زوجها من قبل إحدى الجماعات الإرهابية المسلحة، أتت إلى العراق بمهمة إجراء تحقيق صحفي عن منطقة آثار بابل بعد أن كثرت الأقاويل حول التخريب والسرقات التي حصلت في تلك المنطقة فترة الحكم الدكتاتوري والفترة القصيرة التي تلتها، أي فترة الاحتلال..
الحقيقة، لقد اتخذتُ في بنية الرواية من مدينة المحمودية متكأ كي أسقط الصورة بحجمها الحقيقي لتأخذ كافة مناطق العراق، فليست هناك فوارق كبيرة بين مدينة عراقية وأخرى من حيث بشاعة الجرائم التي ترتكب على أرضها وبين أزقتها، فكل مناطق العراق خضعت لحكم الدكتاتور، وفيها زرع رجال مخابراته وأمنه وجيشه، وفي كل مدينة عراقية كانت هناك ساحات إعدام وجرائم ترتكب بحجة الحفاظ على سلامة “الوطن”.

ليس هناك خلاف على أن مأساة العراق وحمامات الدم التي شهدتها مدن العراق وشوارعها، منذ دخول قوات الاحتلال الأمريكي وسقوط التمثال، تجاوزت حجم الكارثة بكثير، ولكن يمكننا الاعتراف بأنّ هناك الكثير من الخلاف والجدل حول مسبّبات تلك المأساة. أقاويل كثيرة ونقاشات مريرة حاولت الوقوف على السبب الحقيقي لتلك المأساة التي عاشها وما يزال يعيشها العراق وأبناؤه. هذه الحالة وما تحمله من أفكار، استطاعت رواية “كوبنهاغن – مثلث الموت” تجسيدها بكل وضوح مستندة على حوارات شخوصها وترجمة أفكارهم المختلفة، لذا يستطيع القارئ تلمس وصول الرواية إلى فكرتها الأساس الهادفة إلى: “الوقوف على المسببات الحقيقية لظهور ظاهرة الإرهاب في العراق” وأنها قد عمدت إلى إظهار الفكرة بوضوح معتمدة على أسلوبها السردي البسيط إلى حد ما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* حسين السكاف – روائي وناقد فني عراقي مقيم في الدنمارك.
* نشرت له أول قصة قصيرة عام 1976 بعنوان “دمية الطين” في جريدة الطريق البغدادية.
* محرر الصفحة الثقافية في جريدة (أخبار الدنمارك) الصادرة في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن باللغة العربية (2010-2012)
* مؤسس موقع (القيثارة السومرية) الإلكتروني الذي يختص بموسيقى وغناء وادي الرافدين في القرن العشرين
* نشر له العديد من القصص القصيرة والمقالات الصحفية والبحوث الفنية في مجال النقد الفني والأدبي.
* له بعض الترجمات الفنية والأدبية من اللغة الدنماركية إلى العربية، وعلى وجه خصوص، حركة الفن التشكيلي في أوربا خلال القرن العشرين.
* نشرت أعماله ومقالاته في العديد من الصحف العراقية والعربية
* نشرت له مسرحيتان، الأولى بعنوان “شقيق الورد” عام 2007، والثانية بعنوان “هموم السيد محترم” عام 2008
* له تجارب في كتابة السيناريو السينمائي والمسلسل التلفزيوني.
* عمل خلال الأعوام 1995-2000 وسيطاً ثقافياً ومستشاراً لشؤون الأجانب، في بلدية (Brondby) التابعة للعاصمة الدنماركية كوبنهاغن.
* صدرت له عام 2007 رواية (كوبنهاغن – مثلث الموت) عن دار ميريت في القاهرة.
* صدر له كتاب (الرواية العراقية… صورة الوجع العراقي) كتاب نقدي يتناول الروايات العراقية الصادرة في الفترة (2004-2012) – دار الروسم بغداد 2014
* صدر له كتاب “طاقة الحب – مسرحيتان” – دار الروسم، بغداد 2015
* صدرت له الطبعة الثانية من رواية (كوبنهاجن – مثلث الموت) عن دار العارف في بيروت 2015.
* حائز على جائزة كتارا للرواية العربية 2017 عن روايته “وجوه لتمثال زائف”
* له تحت الطبع رواية “الحجاب الراقص”
* له تحت الطبع مجموعة قصصية بعنوان “مطرب الشمس”

الرواية نت – خاصّ










Next Post

حصيلة الحلم الخرافيّ

نوفمبر 28, 2017 0