أكتوبر 19, 2018
  • أكتوبر 19, 2018
يونيو 4, 2018

المصباح الذي خرج منه مارد الكتابة المجنون.. “مُرّة” قلقي الأول نغم حيدر *

By 0 65 Views

حزمتُ أمتعتي و غادرتُ إلى بيروت كي ألقاها. كنتُ أعلم أنّها قد حدثت يوماً ما في داخلي واشتعلت أحداثها وتضاربت شخوصها في ذهني. لسعتني حرارةُ الخَلقِ وهي تتكوّن ومن ثُمّ تتشعب، وكان عليّ أن أُترجمها إلى كلمات كي ألجمها قليلاً عن مطاردتي وأدفعها كي تُطارد الآخرين معي. وحين طالعني إعلان في صحيفة عن محترفٍ للكتابة تديره نجوى بركات، فكّرت بأن الوقت قد حان كي تحدث هذه الرواية وتستعر، على الورق.

مررتُ كالآخرين بمرحلةِ الخربشاتِ المفككة. تلك النصوص التي حمّلتها انفعالاتي وخيباتي وأسميتها مرةً نثراً ومرةً خاطرة. حين قرأ لي أستاذ اللغة العربية في الجامعة بعض النصوص طلب مني أن أكتب نصّاً عن معلّم متقاعد يودّع مهنته وألقيه في مركزٍ ثقافي. خلال وقتٍ قصيرٍ نحتُّ على الأوراق وجهِ معلمٍ مًتعب.

اهتممتُ بحركةِ شفاهه كحرصي على انتقاء كلماته وتخيّلتُ هِندامه وطريقة مشيته وجلسته الأخيرة تلك مودِّعاً. أدركتُ يومها أنني مولعةٌ بالشخصيات وأنني أستمتع حين أخلق لديها خصوصيةً ما. الشخصيّة التي تصنعُ قِصةً بمجرّد أن تبتسم، أو تجلسَ في باص مُكتظ، أو تسير مسرعةً تحت زخات المطر.

ما الذي يحزمهُ المرءُ كي يواجه لحظاتِ الكتابةِ هذه؟ حين جلستُ على طاولةِ المُحترف أمام نجوى وبقيّة المشاركين، وتحدّث كُلٌّ منا عن فكرته والطريقة التي سيكتبها بها، أدركتُ أنه كان عليّ أن أحمل معي إلى هذا المكانِ كُلّ شيء. كلّ الأشياء التي تخصني ولا تخصني والأشخاص الذين قابلتهم أو لم أقابلهم وأستنطق حتى الشوارع التي لم أسِر بها وأستحضر أعمق الذكريات التي كنت قد نسيتها. هناك دوماً نقصانٌ في الأمتعة عليّ تتبعه.

زوادة الرواية مهولةٌ ضخمةٌ لا يتسع لها سوى عقلٌ متنبّه شديد الإنصات لما تقوله الحياة.

وفي اليوم الأول بعدما تحدّثت عمّن أودُّ الكتابةَ عنها، عدت إلى غرفة الفندق كي أكتبَ البداية. جلستُ أمام الشاشة ووجدتُ نفسي أكتبُ عن كرةٍ متسخةٍ بالطين تتدحرج على أرضية بيت.

أسميتُ بطلتي عزيزة. بإمكاني أن أرى وجهها حين تلتفتُ إليّ وأنا أناديها باسمها. كتبتُ عن امرأةٍ مخذولةٍ تشغلُ نفسها عن جرحٍ عميقٍ خلّفه زواجها، بتفاصيل الحياةِ اليوميّة البسيطة وتخيلت ما يُمكن أن تفعله طوال يومها فيما هي تعضّ على ذلك الجرح. فيما بعد أصبح الجميع في جلساتِ المحترف يسألني عنها وعمّا ستفعله في المقطع التالي قبل أن أُسأل عن حالتي حتى. كان المحترف فرصتي الأولى لأشعر بأن عزيزة حيّة، مثيرةٌ للاهتمام، وأنّها على طاولةِ المحترف قد أخذت مكاني.

الرواية تكتب صاحبها أيضاً. تبدو هذه الحقيقةُ أثناء كتابةِ الرواية الأولى مخيفةً من شدّة وضوحها وصعوبةِ نُكرانها. كنتُ أسألُ نفسي بعد الانتهاءِ من كُلّ مقطعٍ، أيُّ جزءٍ مني قد كتب هذا؟ أيُّ بيتٍ هو بيتُها هذا الذي وصفتُه بهذه الدّقة؟ صوتُ مَن هذا الذي أسمعه في داخلي وأحسبه صوتَها أو صوت أفكارِها؟ من هو رجُلُها هذا متى التقيتُه وأين كي أعرف أنّه يُحب الشاي بهذه الحلاوة؟ تبدّت لي الكلماتُ والسطور كلوحةٍ أرسمها وفي الوقت ذاته لا أُصدّق أن اليد المُمسكةَ بالفرشاة هي يدي. هذا الشعور بالانفصالِ أصبح بعدها مُمتعاً فكلما توقّفت عدّة أيامٍ عن الكتابة عدتُ إليها يدفعني فضولي تجاه نفسي المختبئة بعيداً عن الإدراك.

بعد هذا التقيتُ بنجوى عدّة مراتٍ كي نقرأ معاً ونُحرِّر النص فنحذف أو نضيف أو نُعدّل. ليس من السهل أن تثق بشخصٍ هذه الثقة المُطلقة وتضع أمامه كتابتك بشكلها البدائي هذا والشخوصَ مُعرّاة تماما مستسلمةً لفوضى أفكارك.

لتجربة المحترف متعةٌ افتقدتُها حتماً حين كتبتُ روايتي الثانية إذ أن تجربة مشاركةُ النص مع الآخر أثناء الاشتغال عليه صعبةُ التكرار. الآخر الذي يشهدُ غرقكَ المتدرّج في عالم روايتك مُنقذاً إياك من العودة إلى الشاطىء بتكرارٍ ما أو ركاكةٍ أو أحداثٍ في غير مكانها وهكذا إلى أن تتمكّن الروايةُ منك وتجذبك كاملاً إلى أعماقها.

وكانت مُرّة قلقي الأول. حين أمسكتها بين يديّ خِفت من تقليب صفحاتِها وقد دُمغت بالحبرِ الذي لا يزول و لا يُعدّل. كان انتقالاً مُفاجئاً وسريعاً للشخصيات من حالةِ تحرك دائم في ذهني ، تخبط وهواجس وخيالات، روائحٌ وأصواتٌ وطعومٌ ونيرانٌ متقدة إلى تجمّد على السطور كتماثيل شمعيةٍ مثبّتةٍ على قواعد.
كانت هشّةً طيّعةً بين يديّ أتلاعب بها بحروفٍ قليلة وأصبحتِ الآن عنيدةً مستقلةً. فكرتُ بعدها بأنني حين خططتُ كلمة –النهاية- في الكتاب إنما عنيتُ بها نهاية وجودِ هذه الشخصياتِ معي أنا فقط. إنها ستعودُ وتعيش وتتألّم وتغضب وتغار وتستكين أيضاً، في رأسِ من يقرؤها إلى أن يقرر هو أيضاً، متى يُنهيها.

لم أتمكن من التوقف عن الكتابة و لو لوقتٍ قصير بعد (مُرّة). أكتبُ لأستعيدها وأسترجع تلك المُتعةَ البِكر. إنها المصباح العتيق الذي خرج منه مارد الكتابة المجنون.
ــــــــــــــــــــ
* كاتبة وطبيبة أسنان سورية, مواليد دمشق عام 1987. جاء عملها الروائي الأول “مرّة” (2014) ثمرة مشاركتها في محترف الروائية نجوى بركات “كيف تكتب رواية”. نشرت مؤخّراً عملاً روائيّاً جديداً بعنوان “أعياد الشتاء” عن دار نوفل، بيروت.

الرواية نت

Next Post

توليفة غربية بطعم الشرق

يوليو 29, 2018 0