أكتوبر 19, 2018
  • أكتوبر 19, 2018
  • Home
  • قراءات
  • “حيث يسكن الجنرال” سرد لا يليق بالجلاد
أغسطس 5, 2018

“حيث يسكن الجنرال” سرد لا يليق بالجلاد عبدالرحمن مطر

By 0 48 Views

لم أجد زياد محافظة، في روايته الأخيرة “حيث يسكن الجنرال”. لا تكفي دلالة الأسلوب، واللغة في الإشارة الى كاتب النص السردي.
في رواياته الأخرى، وجدته مبثوثاً في كل مفصل من حيوات شخوصه، والأمكنة، وكأنه حارس الأفكار، والقيّم على عطر الذاكرة والحنين الذي تتكور الكلمات فيه. هذا السرد، خارجٌ عن تكويناته التي جرّب فيها، فأعطى قيمة إبداعية مختلفة، لقضايا تناولها كثير من الكتّاب، في أعمال عديدة، في الشعر حظيت بالتألق، ولكنها في الرواية ما تزال مقاربتها أقرب الى التقليدية. في اعتقادي أن محافظة توَغّل في العمق قليلاً، جسوراً في مقاربة الآخر: الاسرائيلي الذي يعيش بيننا في أرضنا، ويتحكم في مصائرنا، كما في رواية ” جدي وأفيرام وأنا ” . وكان أكثر تجريباً واندغاماً في الحياة العامة في ” أفرهول “. في معظم أعماله استطعتُ تلمّس الخيوط التي ينسج بها الكاتب مشروعه الروائي، وكنتُ أتبع خطواته هناك في المبنى السردي لكل عمل.
ثمة قطيعة في ” حيث يسكن الجنرال ” مع ما سبقها من أعمال محافظة. ما يقرّبها هو الفكرة التي يتناولها هذا العمل. محافظة روائي مهموم بقضية الحريات والديمقراطية، بالتنوير، وفي كل عمل من أعماله نجد عناية الكاتب في واحد وأكثر من الجوانب المتصلة بهذه الهموم، إن لم يكن جلّها، تبعاً لفكرة العمل وجوهره. لكنه هنا يبني عالماً متخيّلاً آخر، بعد أن درس الجوانب الاجتماعية والنفسية، لفكرة الرواية، بما في ذلك الأمراض التي أصيب بها بطل العمل ، بانعكاساتها وتأثيراتها وأعراضها. عالم مختلف تماماً، تستند السردية فيه، الى حكاية واقعية، أو حدث محدد، بما فيها الانتفاضة التي شكلت مفتاح النص السردي، وقادتنا للتعرف الى فيصل، جنرال الرواية.
يتناول العمل حكاية جنرال يدين بولاء أعمى للحاكم الفرد، مارس كل ما منحه إياه موقعه ومكانته والثقة المتأتية من طاعته، من قوة وقدرة، للبطش بمناهضي السلطة الاستبدادية، مطلقاً العنان لجرائم التعذيب والقتل دون حدود. وفي لحظة الحقيقة، مع اندلاع انتفاضة جماهيرية، يقمعها المستبد دموياً، بينما يأخذ الجنرال فيصل خيار الفرار المُبيّت لديه على الدوام، كسبيل للخلاص الفردي. ينتحل شخصية جديدة، معتقداً أن وضع البزة العسكرية والنياشين في صندوق مخملي، سوف يطوي صحائف صنائعه السود الى الأبد. لكنه، بفعل حادث سيارة، يكتوي بما تؤول إليه حاله في مشفى للأمراض النفسية، ويحيا في مواجهة الأشباح التي تلازمه في الصحو والنوم. انها أشباح ضحاياه، تقض مضجعه في مفرّه البعيد: كندا، حيث يسكن الجنرال.
هو عمل مختلف، في فكرته، وفي سيرورته. لكنه لم يشف غليلي، ولم يشبع رغائبي العطشى، الى نص يُنصف المستبد وأدواته، وأعوانه. نصاً يُذيقهم بعضاً مما ابتكرت حلكة أرواحهم من بشاعة لا تمت للسلوك القويم بأية صلة. هل تفرّد محافظة في فكرة النص السردي، الذي يبحث في جوانب نفسية، لانعكاسات السلوك الإجرامي، لشخصية حاولت تجاوز إرثها وهويتها، والطبيعة التي جُبلت عليها في زمن طويل من العمل الأمني؟ يمكنني القول نعم، وإن كانت أعمالاً سردية كثيرة تناولت شخصية المستبد والمحقق والسجان، في أدب السجون بصورة خاصة. لكنها ليست كافية، بمعنى معادلة الأداء الذي يقوم به هؤلاء الناس وظيفياً، ويتحول مع الوقت، الى جزء من سمات الشخصية وأدائها الطبيعي.
يثير النص الروائي جدلاً عما إذا كانت اللحظة الإنسانية قادرة على تغيير الموقف من أدوات الأستبداد. ” المستبد هو الرئيس، وفيصل أداة مغلوب على أمرها ” كما يُشاع عادةً ! لكن الجنرال هو من قاد نفسه الى المحنة، وهو شريك في الاستبداد . الجدل حول القيمة الانسانية التي تسكن دواخل الجنرال، لا أهمية لها أمام الضحايا: عذاباتهم وآلامهم ومصائرهم. موقفه مختلف في مسألة مواجهة الانتفاضة بالسلاح، لكنه موقف انتهازي مناور، ليس جذرياً في الرفض والمغايرة. رمى كل شئ خلفه، وهرب، وظلت النار تأكل المدن.
هذا التخيّل السردي، موجود على أرض الواقع، كثير من ضباط الأنظمة القمعية في مصر واليمن والعراق، في ليبيا وتونس (و لاحقاً سيحدث في سوريا) ممن كانت لهم أدوراً أمنية مباشرة في ملاحقة واختفاء وتعذيب وقتل الآلاف في بلدانهم، اختفوا تماماً من المشهد، دون أن يُعرف لهم موقف واضح. سيظهر بعضهم، عند لحظة تقاسم الغنائم.
بغض النظرعن موقف كل ضحية من جلادها، ورغبتها في الانتقام أو الملاحقة من عدمه، وهو ما لم يتناوله الكاتب، فإن تجاوز ذلك والسماح للجلاد بالفرار، والتساهل معه، أو التعاطف معه، يشجع على المزيد من الجرائم المماثلة. ليس مطلوباً من الروائي القيام بذلك، ولكنه قد يتحول الى مرشد في نصّه، للضحايا التائهين. كانت أرواح ضحايا الجنرال تهزّ عرش طمأنينته، ولا تترك له فرصة للراحة النفسية، وحتى الأبدية، ولكنها كانت لا تطالبه بشئ. لماذا جعل محافظة من ضحايا الجنرال، مجرد عابرين في حضرته؟
في ” حيث يسكن الجنرال ” شخصيتان محورتيان، هما الجنرال، والمكان، يتقاسمان على نحو ما السيادة على النص، ويمسكان به، ويتداولان تحريكه، والدوران فيه وحوله. وما تبقى من شخوص هي ثانوية، ولا تأثير لها في العمل، حتى وإن اختفت من السرد. فيصل هو الشخصية المحورية التي غطت على كل الشخصيات الأخرى، بما فيها الأهم – من وجهة نظري – الضحايا: كان دورهم ضعيفاً ومربكاً. وقد دفع المؤلف شخصيته الرئيسة، للكشف عن نفسها تدريجيا. كان الجنرال عبر سيرورة النص، هو من يروي حكايته.
وقد نجح الكاتب في جعل المكان، شخصية محورية. المكان هو الحقيقة الأساسية، وإليه ينتسب النص الروائي المتخيل ، وتأثيره بيّنٌ في دلالة اسم الرواية، الذي يحيلك الى مكان ما. وبدا الكاتب أكثر عمقاً في النهل من تفاصيله التي خدمت فكرة العمل بشكل كبير جداُ، وقام بتوظيفها بصورة بارعة.
مسرح الرواية هي مدينة أوكفيل الصغيرة، وحديقتها العامة فالي ريدج بارك، في حين أن الحدث الأساسي الذي بزغت عنه فكرة الرواية، هو في مكان آخر بعيد، غير مُعرّف في النص السردي، تُحيلنا إليه علامتا أحداث المنطقة، وزمن صدور الرواية القريب، زمن الرواية مفصلي ، والروائي بارع في التقاط اللحظة الفارقة بين صعود التمرد الشعبي، وانهيار النُوى الصلبة للنظم المستبدة، وتفتتها مقابل الافراط في استخدام العنف المسلح.
المنطقة مضطربة في طوفان الدم، بسبب أفعال الجنرال وأمثاله، يتركها للعيش في منطقة أثرياء، هادئة ذات طبيعة خلابة، حيث تدور صراعات الجنرال المتخفي، مع الأشباح التي اعتاد في البدء زيارتها، ثم مولعاً بها، قبل أن تؤول عبئاً كبيراً على ذاكرته وحركته، وحياته.
لا يكفي أن يعيش هذا الجنرال الجحيم، فذلك قليل جرّاء صنيعه. لكن الكاتب الذي يُفرد عملاً روائياً ليضئ على هذه القضية، يُعامل بطله بُنبل كبير، يُسبغ على العمل شيئاً من سماته في اللطف والكياسة، وتشعر به رحيماً رقيقاً، يأخذ بيد الجنرال الى التهلكة، وهو يمسح عن جبينه غبار التعب. فيما تبقى الأشباح، المحرض على العمل في الأساس، مثل دخان أبيض خفيف، لا يلبث أن ينقشع.
حيث يسكن الجنرال، نص سردي جميل، لكنه لا يليق بالجلاد. ما يشفع لزياد محافظة، ليس في فرادة فكرة العمل فحسب وفي أسلوبه الممتع، ولغته الرفيعة، وإنما أيضاً في المفاجآت التي تتوالى في الفصل الأخير. انفضاض الشيخ الأبيض عن الجنرال، وفي مبلغ العذاب الذي يقلّب هذا الجلاد، وفي تبدد الثروة التي جناها من أصوات وأرواح الضحايا، وفي سقوط المستبد أمام الثورة المتوالدة، وهذه نبوءة النص السردي المعادلة، لسيرة القهر المديد.
_________________
* زياد أحمد محافظة، حيث يسكن الجنرال / رواية – دار فضاءات – عمّان ط1 – 2018

عن موقع جيرون

Next Post

مزحة كونديرا

أغسطس 26, 2018 0