أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
  • Home
  • هندسة الرواية
  • حكايةُ النجاةِ غَرَقاً.. قراءة في “عشبة ضارة في الفردوس” لهيثم حسين
مايو 25, 2019

حكايةُ النجاةِ غَرَقاً.. قراءة في “عشبة ضارة في الفردوس” لهيثم حسين زياد الأحمد

By 0 322 Views

منَ الظلم إخضاعُ أيِّ نصٍّ إبداعيّ لقيودٍ نقديةٍ مسبقةِ الصنع. و”عشبةٌ ضارّةٌ في الفردوس” نصٌ روائيّ مشاكسٌ عصيّ على الرضوخ لمذهب أدبيّ أو نقديّ مُسبق، ، فهو يتّخذ من المكوّن الاجتماعيّ والتاريخيّ موضوعاً له، عبر طرائقَ سردٍ تتأرجح بقارئها ما بين الواقعيّة والسريالية، على لسان راوية يتراوح سردها بين تداعيات الوعي واللاوعيّ، و العقل الباطن والظاهر بمصطلح علم النفس، مستندة في روايتها إلى التذكّر الذي تتداخل فيه الحقيقةُ والاختلاقُ المُتعمّد، مما يقودنا إلى اللجوء إلى البنيوية وما بعدها لتحديد الموقع الإشكالي لتلك الراوية، التي حولت الفوضى والتمرد الثوري في الواقع الذي ترويه إلى فوضى في السرد وأساليبه، فكانت ملامح السرد تؤكّد أنه ابن شرعي للواقع الذي أنجبه، ورغم كل تلك التداخلات تستطيع الراوية أن تمسك بعيني القارئ، لتطوف به في عالم تخييليّ ساحر ومقنع شائق، تتوضح معالمُه ورؤاه رويداً رويداً.

المُكوّن الاجتماعي والتاريخي وتحولاتهما:

يأتي النص ّمرآةَ عاكسةً ومكبرة لحياة فئة من مكونات المجتمع السوري، هم الأكرادُ خلال مرحلة تاريخيّةٍ تمتدّ من السبعينيّات حتى قيام الثورة السورية 2011؛ فترصد علاقاتها الداخلية المبنية على ثقافة تاريخية موروثة، ثم التحوّلات التي طرأت عليها في ظل النظام الحاكم الذي تعمّد تمزيق نمطها الحياتيّ، وتشويه هويتّها الاجتماعية، قبل القوميّة؛ حتى أجبرها على الخروج في وجهه.

تبدأ الروايةُ زمنياً من وصول نظام الأسد إلى الحكم ووصول أذرع أجهزته الأمنية إلى بلدة حدودية كردية مغيّبة، يتعمّد الكاتبُ عدمَ ذكر اسمها دلالة على تغيبها، شأنها شأنُ الجزيرة السورية التي تقع فيها، كانت تعيش حياةً بسيطةً عفوية، لا يشغل الناس فيها سوى لقمةِ عيشهم، وراحة بالهم،  حياةً شفّافة لا غموضَ فيها، حتى أسماؤهم كانت تستبدل بالقابٍ تَشي بطبيعة الشخص وداخله، فالشخصُ الذي لا خير فيه يصبح اسمه خربو، والأعمى كورو، والمرأة النمشاء برازق، وزوجها زوج برازق، وزوج العاهرة يكنى بها كزوج وردة… وحتى الشتائم التي اشتُهِرتْ البلدةُ بتبادلها كانت تؤخذ على محمل المزاح، كما كانت تلك الحياة تمضي ضمنَ إطار من الخصوصية المتواطأ عليها، فهناك الكثير من الحكايات رغم واقعيتها يتجنبونها لأنها:

 (قد تؤذي مشاعر الناس الراغبين في إغماض أعينهم عما يجري حولهم) ص26

(الجزاء من جنس العمل يا موروي. احذر اتهام الناس في أعراضهم من دون أدلة. استر عيوب الناس ستر الله عيوبك. لا تشهر بالمحصنات ولو رأيت بعين) ص 37

حتى ولو كانت الخيانةَ الزوجيةَ التي تقصم ظهر العلاقات الأسرية يُتغاضَى عنها، فزوجةُ الأعمى موروي العرجاء هربت مع عشيقها ثم عادت إلى زوجها، ووردة لم تكن تخفي علاقاتها بالرجال، والبعض يبرّر لها بأن عملها ضرورة:

  • القحبة ضرورة للحارة تحفظ توازنها، وتبقي رجالَها متوازنين فهي مجال لإفراغ شهواتهم، وإلقاء أوساخهم في مراحيض عمومية.

كما أنه مجتمع كريمٌ مضياف، فمع وصول المساعد أول رجل الأمن الذي كان كسيراً ذليلاً مرعوباً وعاجزاً حتى عن دفع أجرة بيته؛ يجد أبا محمود المزرباني يشفق عليه ويدفع عنه قائلاً:

(إنك غريب يا بني، وضيفُ بلدنا ونحن نحترم الغرباء والضيوف) ص 16

المساعد أول القادم من الساحل تتضمن شخصيّته إشارتين؛ الأولى طائفية النظام، والثانية اعتماد الدولة نظام القبضة الأمنية، فمنذ وصوله يبدأ خططه التي تذكر بكتاب ميكافيللي وبرتوكولات حكماء صهيون التي هدفت إلى ترويض المنطقة والسيطرة عليها.

فمن أوراقه التي كان يقترحها على قيادته تظهر أهداف ذاك النظام ومنها:

(يوم أُوصِلُ أحدَهم على أن يكتب تقريراً في أخيه أو أبيه من دون أن يشعر بتأنيب ضمير أو خزي فإنني أكون قد وصلت إلى مبتغاي، ….. أكون قد أديت واجبي تجاه منصبي الأمنيّ وحفظتُ له الاعتبار والتقدير، لا بد من الاعتماد على بث الضغائن) ص60

إضافة إلى نشر الأحقاد غير القابلة للصلح بين الناس، وذلك من خلال استثمار طبيعة العناد في الشخصية الكردية لمصلحة السلطة، كما حدث يوم تشاجر أولاد صلحو وشفرشكو في الملعب فقام المساعد بتأجيج الفتنة بينهما مقنعاً كلاً منهما على انفراد أنه على حق، وعليه ألا يسكتَ وقسم بذلك الحارة إلى فريقين، وباتت البلد كلّها مشحونة، وهنا إشارة ضمنية إلى أحداث ملعب القامشلي سنة 2004.

كما نصت أوراقه على سياسة إذلال الأعزاء ببث الإشاعات عنهم، وإثارة الشبهات حولهم، وافتعال المشاكل واتهامهم بان لهم دوراً فيها، واعزاز الأذلاء واستخدامهم. ومن تلك النماذج وصول المختار هداية الملقب بخربو ليكون وجهاً من وجوه المدينة بعد أن كان مذموماً محتقراً ومتهماً بالتحرش بزوجة أبيه، فقد طلب منه مدير الناحية -وذلك قبل زمن المساعد أول- أن يكتب على الجدران شعارات معادية للدولة كي (يكون عمله نافذة للسلطة للانتقام من المدينة لاشتهارها بأنها معقل الحركة الوطنية الكردية في سوريا وضمّها عددا من المتنورين الكرد) ص 91. كما كان خربو سببا في حرمان الكثير من الكرد جنسيتهم السورية في إحصاء 1963 ولذلك كانت توصيات رجل الأمن باستنساخ نماذج خربو.

وركزت تلك السياسة على خلق فجوة بين الكردي وهو سجين انتماء ما عاشه يوماً وتاريخِه، وفجوةٍ أكبرَ بينه وبين مستقبله.

ولا ننسى الضرائب التي كانت تفرض على الناس باسم ميزانية المفرزة الأمنية وتأجير الأرصفة لبسطات المخبرين، ودفع الناس إلى الأعمال الممنوعة كالتهريب، ومن كل هذا لرجل الأمن حصةُ الشريك.

ومن هؤلاء بريندار حبيب الراوية منجونة الوحيد الذي يمثل شاهداً مبرراً محورياً للتحول الذي حدث ضد النظام، فقد رفض في البداية أن يكون عميلاً للمساعد أول، ثم قَبِلَ أن يكون شريكَه في عمليات التهريب عبر الحدود التركية، وجمع من ذلك أموالاً كثيرة، وحين بدأت مسرحية مكافحة الفساد في عهد نظام الابن؛  الحاكم الجديد للدولة التي يجب أن يكون ( الجميع فيها أتباع او أزلام أو أدوات لا غير ) ص 172 اعتقل المساعد أول بتهمة الفساد وجرّ وراءه بريندار، وهناك فوجئ بعمليات التعذيب والإذلال والعنصرية : (كان ذاك التاريخ منعطفا في حياته، تم اعتقاله، فتحوا عينيه على حقيقة هويته ووجوده … كان السجانون يطلبون منه ومن غيره أن يبصقوا على صور رموز الكرد وأن يشتموهم … تغيرت نظرته إلى كل ما حوله، أقرّ لنفسه بحقيقة أنّ ما تعيشه البلدة هو احتلال منظم ممنهج … هناك تعرض لمحاولة التجريد من كل شيء، وهو الذي لم يكن متعصباً لأي انتماء).

ويمكن القول إن العوامل السابقة مجتمعة هي التي ساهمت في الانفجار الجماهيري الذي بدأ بإسقاط صنم الرئيس مبكراً 2004، قبل عقد من إسقاطه في باقي المناطق السورية، ولم تكن بواعثه قومية صِرفة بل ردّ فعل على ذاك الإلغاء والتهميش والتمزيق الذي طال بنية ذاك المجتمع.

ومع تفاقم القمع الأمني لذلك التمرد، وجد الناس أنفسهم محاصرين في بيوتهم، مهدّدين بالاعتقال، مما دفع الكثيرين إلى الهجرة إلى مناطق أخرى كلبنان، أو دمشق التي هاجر إليها موروي الأعمى ليبدأ هناك ببناء مملكته من خلال زواج ابنته جميلة لرجل من عمره مقابل المال.

ولكن الحالَ لن يتغيّر، فالوطن كله محكوم بالقبضة الأمنية، حتى عالم الفن الذي لجأت إليه ابنة الاعمى. ويتعمد الكاتب أن يدخلنا هذا العالم ليجعل منه معادلاً موضوعياً لما وصلت إليه البلاد من استلاب فهو كما تصفه الممثلة نغم:

(سوق الفن تحكمه القوانين الشفهية، غيرة، حسد، نفاق، كذب، تحايل، أجواء ملوثة ….. الأضواء للاتباع والصامتين المذعنين المشاركين بأدوارهم في إكمال مسرحيات العبث ومسلسلات الخيبة والزيف) ص137، ويسهب الكاتب في وصف مشاهده التي تتقاطع مع أجواء رواية (الرابح يبقى وحيداً) لباولو كويللو، ومنه نفهم أن الوطن قد تحول إلى سوق من أسواق الفن.

إذا تأملنا ما سبق من وجهة نظر المذهب الاجتماعي في النقد والذي يعدّ النص ظاهرةً اجتماعية ويحاول إبراز و تفسير الدلالات الاجتماعية أو التاريخية الكامنة فيه؛ نرى أن الكاتب يمثل حالة وعي جمعي لهذا المجتمع استطاع أن يخوض في الأسباب العميقة التي فَرَضتْ على هذا المجتمع تحوّلَه، وهو يحمّل النظام الذي اعتمد سياسة القبضة الأمنية مسؤولية تشويه الهُويّة الاجتماعية قبل القومية لذلك المجتمع، وبالتالي هو المسؤول عن الخراب الذي لحق ببنية هذا الوطن بشكل عام، ومن خلال تاريخيّة النص نرى أنه يحمل ويشرح إرهاصات الثورة السورية التي جاءت نتيجةً حتمية لتلك الممارسات الجائرة.

إشكاليات الراوي:

اللافت للنظر في رواية “عشبة ضاره في الفردوس” هو موقع الراوية التي تجمع بين نقيضين من الرواة؛ الراوي المتوقع/ الشاهد، والعالم.

وقد رسم الكاتب ملامحها من خلال ثلاثة خطوط:

الأول: هي منجونه الصامتة المهمشة، مرافقة أبيها الأعمى؛ لتكون عينيه، ولتطّلع من خلاله على عالم الرجال، وهي عكّاز أمها العرجاء، ومساعدتها في مهنتها منذ أن كانت في البلدة نتّافة لشعر النساء، وبذلك عرفت أسرار عالمهنّ. ومن هنا كانت راوية متموقعة تروي من خلال ما عرفته عن العالَمين.

الثاني: دراستُها لعلم الاجتماع الذي منحها قدرة على تحليل وتركيب مخزونها التذكّري، ومنحها مقدرة على الغوص في المشاعر الخفية للشخصيات المحيطة بها، فهي مكتظة بالذاكرة و(الذاكرة ميدان حريتي أعيد ترتيب العالم حسب رغبتي …) ص23 والخيبة والاستسلام، تتوق إلى الانعتاق في ميادين الحكاية.

الثالث: مقدرتها على الحدس والتخيل فقد كانت قادرة معرفة المنطقة التي تنتف من المرأة من خلال صوتها وتأوهاتها، كما أنها كانت تمتلك مقدرة على التخيّل بحرية متعمّدة لملء الحلقات المفقودة من كل حكاية (فالحكايات هي وحدها ميادين الحرية في هذا العالم المعتم) ص 33

وهذا ما أخرجها من موقعها لتحلّ في كلّ الشخصيات التي تحيط بها، وتسبر أغوارها، وهذا لم يجعل منها راوية عالمة، فهي لا تروي دواخلهم كما هي، وإنما كما تريدها، وبالتالي هي راوية مُتعالمة لا عالمة، تحلّل وتتخيّلُ وتروي، ومنه اعترافها: (ستمضي ذواتي المتعددة بحكاياتي في متاهات الواقع، وأنفاق الخيال سأسند لأبطالي وشياطيني أدواراً معينة وأسلبها منهم … أضع نفسي مع الشخصيات التي أحكي عنها، يحضر أبي بصورته في عيون الآخرين، وسيرته الواردة على ألسنتهم…)

من هي منجونة؟: تلك المتلذّذةُ بغرقِها، والمهمشةُ، والصامتةُ المتكلمةُ الوحيدةُ على امتداد صفحات الرواية؟ وبلسان الجميع، وكما تريد لا كما يريدون؟

تبدأ روايتها من آخر أحداث الرواية بعد قيام الثورة الشاملة، وتَشرّدِ وغَرقِ كلِّ شيء كان؛ بقولها والذي يتكرر في أكثر من موقع: لا أريد لأحد أن ينتشلني من غرقي… من متعة غرقي، فهل هو غرقٌ حقيقي لشخصيةِ فرد من الرواية اسمه منجونة؟ خاصة وأنّ نهاية الرواية تُلمّحُ إلى أنّ البلاد لم تعد الحياة ممكنةً فيها، ولابدّ من الهجرة، فهل لقيت الراوية المصير الذي لقيه الكثيرُ من السوريين الذين هربوا عبر البحار، فكانوا طعاماً للأسماك التي تلذذ آخرون بأكلها؟ والرواية توحي بهذا من خلال صرخة أمها وأبيها.

لكننا نرى أنه غرقٌ أعمُّ من غرق فرد؛ فمنجونة الصامتة المهمشة ليست فرداً وإنما هي الوطن الذي يغرق اليوم في دمه، الوطنُ الذي هُمّشَ وصَمَت على الذل عقوداً طويلة (فلا شك أن العتمة التي عشتها أقسى من تلك التي أنا بصدد المضي إليها والغرق فيها)ص 10، فالوطن هو الذي بدأ مع الثورة الكلام الحقيقي، منجونة هي سورية التي قُضي لها أبٌ أعمى وأم عرجاء ( ممثلين بموروي وبهو) ورغم محاولتهما النهوض بها، وبناء عوالم لهم امتداداً من الجزيرة وحتى دمشق، لكن الأيادي الغريبة للنظام كانت تهدم ما يبنون، ولذلك كانت تحلم بجيل جديد عصاميّ يُمثله بريندار (حب منجونه الوحيد) لكن كان مصيره الضياع.

وهذا الغرق كما تصفه (مرآة لاكتشاف جوانب خفية من ذاتي…. لا رغبة لي في محاسبة ذاتي في هذه اللحظات أود فقط الاستمتاع بهذه الرحلة نحو أكثر الأماكن عمقا في ذاتي) ص 7

إذن هي حكاية سورية التي تعود حُرّة إلى ذاتها عبر تعثرات الخلاص.

أخيراً “عشبة ضارة في الفردوس” هي شجرة مُغدقة في عالم الرواية السورية، التي رصدت ارهاصات الواقع الذي أودى بالبلاد إلى الحرب التي تغرقها اليوم.

********************

 

[1] – دار مسكيلياني، تونس 2017 – دار ميارة للنشر والتوزيع – القيروان ط1 / 2017