الرئيسية / حكاية الرواية الأولى / حصيلة الحلم الخرافيّ نعيم عبد مهلهل *

حصيلة الحلم الخرافيّ نعيم عبد مهلهل *

أنا هنا أتحدّث عن مرجعيات الوعي التي كانت بيئة خصبة لجعلي أتجرّأ منذ الرابع الثانوي وأضع ورقة أولى لمخطوط كتابة رواية اسمها “تنورة رجاء المدهشة”.
وربما تلك المخطوطة في حسابات اليوم بعض حماس ثقافة الصبا وعاطفتها المشتعلة بتأثير أفخاذ صوفيا لورين وبريجيت باردو في الأفلام الإيطالية والفرنسية وكذلك بتأثير الصوت الساحر للممثلة الهندية فاجنتي ملا بطل الفيلم الأسطوري “سنجام”.
أغلبنا في بدءِ ثقافته القرائية مرَ مرغماً بسبب بيئته وانتماءئه الطبقي على قراءة روايتين”البؤساء” لفكتور هيجو، و”الأم” لمكسيم غوركي. وبعدها تدرج ليصلَ في مراحل لاحقةٍ الى رواية أمريكا اللاتينية وهمنغواي وحارات نجيب محفوظ التي كانت من بعض أدواتَ الدفعٍ لخيالِ الاستمناءِ في مراهقتنا، قبل أن نتعرف إلى روايات لبنانية كان يكتبها الاسكندر رياشي وآخر اسمه وفيق العلالي وأغلبها تتحدث عن الحياة الغرامية لسلاطين وولاة الدولة العثمانية وما يحدث في حماماتهم وأسرتهم الوثيرة، والغريب أن أغلب تلك الروايات الغرامية تنتهي بسفكِ دم، إما أن يقتل السلطان أو تقتل جاريته ومحظيته، وفيها أيضاً روايات أبطالها من الغجر.
“البؤساء” صنعت حسها الثوري بشكلهِ الباريسيّ الذي يميل الى تخيل السحر الفرنسيّ وليله المؤسطر بحلم الشرق ليكون هناك، وكنا في صبانا نقرأ “البؤساء” مع تخيل الملامح الأنثوية للقطة “بريجيت باردو” ونتساءل: كيف يعيش البؤساء في باريس، البؤساء يعيشون فقط في روسيا ؟
وفي هذا نحن نعقب على قراءتنا الدامعة لرواية غوركي “الأم”، لكني بفضل متعة أخرى قادمة من أنوثة سوفيتية “قيرقيزية” حملتها رواية رائعة اسمها “وداعا يا غولساري” لجنكيز ايتماتوف وفيها قصة طويلة اسمها “جميلة” كتب في مقدمتها الشاعر الفرنسي أراغون الجملة التالية: “هذه أجمل قصة حب في العالم”.
والقصة ذاتها شاهدتها في صباي منتصف السبعينات عندما قدمتها الإعلامية اعتقال علي الطائي كفيلم سينمائي في برنامجها التلفازي “السينما والناس” الذي كان يقدم من تلفزيون بغداد.




هذه الرواية أبعدت في أنوثتها الساحرة لذلك الوجه الآسيوي الشهي بلذة طفولة أنثى القرى الكادحة كل الخيبات والقهر الذي يسكننا عند قراءتنا الروايات الثورية، وربما هي وحدها “جميلة” من أدخلت في رأسي قناعة أن الرواية المقروءة، تكتبها “إما” أنثى أو قطة، والقطة أُضيفت الى تلك القناعة الملازمة مع تخيلي للصفات الأنثوية وإغراءاتها، وما لازمني في تخيل مشاهد كثيرة لروايات مصرية تحولت الى فيلم سينمائي عندما يطلق بطل الفيلم على دلع النساء وغنجهن بكلمةِ “يا” قطة.
وأتذكر مقال في مجلة الكواكب المصرية ذكر فيه الصحفي أن فيلم “ابي فوق الشجرة” لعبد الحليم حافظ ونادية لطفي وميرفت أمين لو كان على شكل رواية ورقية لن يقرأه عشرة نفرات، ولكنه الآن بفضل القبلات الساخنة للقطة “نادية لطفي”، عندما يطبع الفلم كرواية ورقية سيباع بآلاف النسخ، وحتما القراء سيتخيلون لحظة القراءة متعة وسخونة تلك القبلات.
أنوثة القيرقيزية “جميلة” أملت دهشتها وطورت فينا أحلاماً بريئة وحَسنتْ كثيرا من مستوى قراءتنا الروائية القادمة، ومن ثمة امتلاك الجرأة لكتابة الرواية الأولى، ولا أعتقد أن روائيا حريفا في العراق ما كانت أدواته وتجربته الروائية لتتطور دون تلك القراءات المبكرة لتورجنيف وايتماتوف وغوغول وغوركي وهمنغواي وديستوفسكي وغيرهم من كتاب الرواية اليابانية وأمريكا اللاتينية، وكل هؤلاء كانت تجاربهم الروائية العميقة تطور في القارئ دهشة المكتشف الجديد الذي كانت للنساء فيه حصة كبيرة، لتكون مدار تفكيرنا بالرواية وأحداثها، وقد مثل العشق وتضحية الحبيب أو الحبيبة صورة الثقافة الرومانسية التي كانت تغرس فينا شتلات أحلامنا البدائية، التي طورتها الروايات الحديثة من تحولات ومذاهب وكتابة جديدة، لتكون هذه الأنوثة بتفكير اخرَ غير دموع اللقاء والعناق والسرير ورسائل الحب، عندما تناولها كولن ويسلن بشكلها النفساني والإمبريالي، وتناولها ماركيز بشكله الغرائبي والفنتازي المؤسطر، وكذلك سارتر مع رؤياه الفلسفية الوجودية، وهلم جراً مع الباقين ممن بدأت رواياتهم تسكن قراءاتنا، ابتداءً من ألن روب غريه وكونديرا وانتهاء بأدوار خراط ومحمد شكري.
صورة الأنثى هي صورة الهيمنة على مساحة كبيرة من ذاكرة البشر، وهي في هذا الوضع خلقت المحفز الأول للشغل الإبداعي في مجال الشعر أولاً، ثم تناولته الرواية بفضل الحس الشاسع للأنوثة والقادم من التواريخ الأبعد.
ظلت الذكورة تعني الهيمنة والتسلط، وحفلت تراثها بالكثير ما يؤكد أنها كانت تمثل السطوة والحظوة وحديث البدء الذي كانت رؤاه الأسطورية تهيمن على ثقافة تلك المرحلة إضافة إلى نص الكتاب الديني الذي يُرينا ما يؤكد أن الذكورة كانت تعني الهيمنة على بسيطة الحياة ومفردات الحياة بشتى أشكالها ، أغلب الملوك، الشعراء، المقاتلين، الآلهة، أرباب الحرف، الكهنة، الحكماء كانوا ذكوراً.
وهذا في تقديري خلق نمطا من شكل العلاقة بين الذكر والأنثى ومثل الجماع بينهما شيئاً من ميكانيكية الفرض عدا ما يشطح به الشعراء من وجد لهذا الكائن الساحر ثم أتى أصحاب الحكايات المروية ليستفيدوا منها بعد ذلك وربما كانت الاساطير بداية الروي والذي اتخذ من الأنوثة مرتكزا لكل الخيالات التي كانت تسكن الآلهة والذكور على حد سواء بفضل الوضع السلطوي المهيمن للإلهة والذكورة، ولكننا نرى أن الأنوثة في بعض مراحل التأريخ الأول مثلت روحا للسلطة تفوق روح السلطة الذكورية كما في الرموز التالية: “شبعاد، سمير أميس، بلقيس، نفرتيتي، زنوبيا، كليوباترا، شجرة الدر، الملكة فكتوريا”.
ومرورا بمحطات التأريخ وحتى عصر المارينز وأبراج منهاتن ظلت تلك العلاقة محط رؤى الباحث والدارس والمؤلف وحتى الفيلسوف وكان ينظر إليها على أنها علاقة تربط الجدل بالأزل، أي أن الذكورة والأنوثة إتمام لعملية الخلق والديمومة الحياتية، وعلى هذا ظلت الرؤية لهذا مرتبطة بهاجسين: ذكر يشتهي وأنثى تطيع، يخضعان معاً لمعايير تفكير المجتمع وثقافته، وبقيت فكرة النقصان إزاء العدل بين الكائنين قائمة على هذه النمطية حتى عصر مايكروسوفت، بسبب الشعور الذكوري بتفوق الأنا والبُنية وهيمنة ثقافة الموروث.
وأنا أستعيد في رؤى ثقافتي المشهد الذي أكون فيه السيد على أنثاي، أعود إلى ملحمة جلجامش اعتقادا مني أنها الرواية الأولى التي كان فيها للأنوثة الدور المحرك في تغيير نمط سلوك جلجامش، وبالضبط في المقاطع التي تهم نشأت أنكيدو البرية وترويض البغي لذكورته المتوحشة، وهذا يعيدني إلى فكرة فضل الأنثى على الذكر عندما تحوله من بدائية العيش وعدميتها إلى التمدن وحياة العقل والمتعة، وبسبعة أيام أحس فيها أنكيدو المتوحش أنه لن يستغني عن نعومة الجسد، وشهقة الفراش، وحرارة الالتصاق، فكان أن علمته نطق عبارة الحديث الأول : خذيني أنى شئتِ.
يرى الشرق المرأة على أنها الصامت الذي ينجب وينحني بالرغم من أن الديانات كفلت لها الكثير من حقوق المساواة، غير أن الأنظمة الاستبدادية والجهل وعصور الظلمة أركنت هذا الكائن الرقيق في الغرف المظلمة.




كان الروائي الفرنسي لوكليزيو يقول: “إن المرأة الطوارقية هي عبارة عن خمار داكن وجسد يتحرك لهذا لا يتطبع عند تشكيل ما بخيال تصور أنه أنثى لقد كانت بالنسبة لي شيئا مخيفا أن أحدق فيه أو أقترب منه”.
ينطبق هذا على إناث المشرق وأغلب أريافه، وحين جاء الطالبان ليحكموا كابول طُبقَ على الأنثى أقسى أنظمة تصدير وجودهن الإنساني حتى ما يهم التعليم، وفي إحدى قرى مدينة قندهار الأفغانية تعرضت سيدة إلى عارض مرضي، وكان عليها أن تُسعفْ بسرعة، وحين أخذها زوجها، وهو من جنود الطالبان، وجد في مستوصف القرية طبيبا فقط فرفض أن تعالج وقال: “دعوها تمت ولايراها رجل”. وفعلا ماتت تلك المرأة .
وتلك الإشكاليات العقائدية وغيرها تم تناولها من قبل روائيين أفغان وبسبب هذا التناول اشتهروا واشتهرت رواياتهم.
تموت الأنثى من جراء ثقافة يسودها التعصب وغياب النظرة الواضحة حتى لو كان ذلك باسم الدين كما في ثقافة طالبان وغيرها من الأفكار التي تريد أن تركن بالمرأة إلى الزاوية المظلمة من الكون.
ولكي أستعيد ما تتمناه رؤاي أفكر أن أصنع شرقاً تعوم فيه الميتافيزيقيا الضاحكة عندما نشعر نحن كتاب الرواية من الرجال والنساء أن الأنوثة بشرقها المثير في خفايا السر والمتعة والتخيل هي وحدها من تصلح لتكون تمورا شهية لنخيلنا.
إذن بفضل المرأة، وذلك المواء المتخيل من موسيقى نعاسها وغنائها وتأوهها ظهرت لنا الروايات الكبيرة ونالت جماهيريتها وشعبيتها حتى على مستويات عالية من الحسّ والايروتيكيا والتصوف.
وأعتقد أنّ الرواية اليابانية في بعض من شهرتها العالمية أخذت من الوصفية الايروتيكية الحسية والتقليدية الكثير من نماذج التناول الروائي، فيما اشتغلت الرواية الأوربية هذا الجانب في شكله المفتوح والعلني كما في “لوليتا” لنابوكوف وروايات ألبيرتو مورافيا.
وعندنا في الرواية العربية تكون رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” الدليل الأمثل على جعل الانثى “القطة” مادة دسمة لجذب القارئ، ومعرفة الخفي والسري وغير المنظور من العلاقة بين الشرق والغرب. ويكفي أن الرواية طُبعتْ لأكثر من ألف طبعة لتثبت لنا أنها بسبب هذه الأنوثة الفاحشة التي كانت تمارسها الفتاة الإنكليزية مع بطل الرواية مصطفى سعيد انتشرت وبيعت بهذا الشكل.
كان الشرق يؤسطر رؤاه عبر عاطفته، وأنا أعرف أن ليس هناك عاطفة دون أن تكون هناك امراة، وكانت الثقافة الشرقية، ومازالت، رؤى لتشابكات الماضي وإسقاطات ما كان وتخيل ما يكون. ومهما سيكون فلا بد لنا ذات يوم من أن نخضع بكاملنا لمنطق المتغير، ولكي ننجو من قسوته وسطوته، ودروس كابول وبغداد حاضرة أمامنا، علينا أن نسعى لتغيير أولئك الذين يحتفون بالتقاليد ويصنعون منها سجونا للحريات والعدالة والديمقراطية، وهذا لن يحدث إلا عندما نتخلص من العقد الدونية تجاه الآخر. وبالتالي لن نكون مضطرين للاستعانة برجال البحرية ونظارات رامسفيلد، فالتغير من الداخل يأتي بفوران آني فيما تغيير الخارج يأتي معه باستحقاقات لا تحصى. وعلى شاكلة رؤية كهذه أحاول أن أعطي للأنوثة دوراً في بناء تكوين جديد للقرية الشرقية، وبالتالي لهاجس الكتابة الشعرية والروائية المقروءة ولا أريد أن أقول الدولة الشرقية لأن البعض ما زال يؤمن بضرورة أن تكون التقاليد موجودة كما صُبت بدساتير العشيرة قبل آلاف السنين كي يظلوا موجودين.
غير أن روح المؤسّسة المدنية المكافحة والعاملة في مجال جعل الذكورة والأنوثة في مستوى وعي النص الأدبي الروائي والحضاري المطالب بتجديد هذه التقاليد لقادر على تأسيس الوعي الجديد الذي يجعل من الأنوثة مكملاً حضاريا للذكورة حتى على مستوى التناول الإبداعي.
وإزاء هذا فأن العولمة هنا لن تخترق الحياء الوجداني للإرث مادام التحصين المتحضر موجودا وهذا كما أعتقد سيوفر لنا مناخات صالحة لليوتوبيا مفترضة بأقل الخصائص يشعر فيها الإنسان من كلا الجنسين بقيمته الحياتية، ويعي دوره في تقديم ما عليه ويعطى ماله فيما تبقى المشاعر الأزلية التي تمد شوق الوجد بين الكائنين موجودة، وربما بأرق وأعنف وأجمل حالاتها، وبالتالي سنفكَ عقد المغري في قراءتنا ويكون بإماكننا أن نجعل المقروء ذكرا قبل أنوثته وقططه ..!
هذه ثقافة البيئة التي هيأت مقدرتي على كتابة الرواية، والتي اعتبرها واحدا من أجرأ وأخطر القرارات التي يتخذها الموهوب ويقرر فيه ان يكتب رواية.
الرواية الأولى هي الحصيلة الأولى للحلم الخرافي الذي تمر فيه على رصيف شارع الكتب وتناديك: “تعال اشترني يا مؤلفي الطيب”.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نعيم عبد مهلهل: قاص وروائي عراقي مقيم في ألمانيا. حاز جائزة الدولة في الرواية 2003، حازت روايته “جنكيز خان” على المرتبة الثانية في جائزة دبي الثقافية 2007، حاز جائزة أدب الرحلات لعام 2011 عن كتابه “ابن بطوطة.. ناقة الجغرافية وأنوثة المدن”. نشر عدداً من الأعمال الأدبية القصيية والشعرية والروائية منها: “فتاة حقل الرز”، “وردة بعطر الزقورة”، “اليوم الأخير من حياة الأمير”.. وغيرها.

الرواية نت – خاصّ







شاهد أيضاً

الدليلُ الشامل لكتابة روايتك الأولى هالي أيفرون/ ترجمة: عبدالله ميزر

نشر أكثر من ثلاثة وخمسين ألف عمل روائيّ في الولايات المتّحدة، في عام 2008، وفقاً …