نوفمبر 16, 2018
  • نوفمبر 16, 2018
  • Home
  • حوارات
  • جوان مَرد كولك: الرواية آخر شيء قد تلتهمه السياسة
ديسمبر 6, 2017

جوان مَرد كولك: الرواية آخر شيء قد تلتهمه السياسة عبدالله شيخو

By 0 37 Views

جوان مرد كولك روائي وقاص ومترجم كردي. ولد عام 1984 في إحدى قرى بلدة “ستَور” التابعة لولاية ماردين في تركيا. التحق في عام 2000 بجامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة وأنهى دراسة اللغة الإنكليزية إلى جانب دراسة تاريخ الفلسفة. تعلم الكردية عام 2004 وألّف منذ ذلك الحين العديد من النتاجات الأدبية.

شارك في العديد من اللقاءات والمعارض الدولية وقدم محاضرات عن الرواية الكردية والترجمة إلى الكردية، كمشاركته في ندوة لمركز الترجمة الأدبية في لندن والتي تحدث فيها عن الهجرة والشتات والكتابة الأدبية للأقليات. شارك في ورشات عن الكتابة الأدبية في برلين. في نيسان/إبريل 2016 اختارته لجنة “أصوات جديدة من أوروبا/New Voices from Europe” كواحد من عشرة أصوات أدبية أوروبية جديدة. يقيم منذ عام 2014 في إسطنبول. له خمس روايات ومجموعتان قصصيتان وديوان شعري وحيد، كما ترجم سبعة نتاجات أدبية هامة عن الإنكليزية والإسبانية والتركية إلى الكردية.
خلال هذا الحوار يقدم لنا جوان مَرد كولك فكرة عن واقع الأدب الكردي وحركة الترجمة الكردية في تركيا وكردستانها: التعرّف إلى اللغة الأم في حقل ألغام الصهر الثقافي والكبت اللغوي، التجربة الأدبية الكردية والعوائق اللهجوية والسياسية التي تقيّد اللغة الكردية وأدبها، العلاقة بين الشفاهية والكتابية في الأدب، الترجمة الكردية ومدّ جسور التواصل مع الثقافات المجاورة والعالمية.

الكردية غيرتني وتغيّرني

(*) سؤال: يعيش الكتاب الكُرد في عموم تركيا مأساة تتسم بالغرابة: الكتابة بلغة محكية غير مدرسية، لغة محظورة بشكل رسمي. كيف تعايشت مع هذه التجربة؟

– حتى بلوغي السادسة من عمري لم أكن أتقن أي لغةً أخرى غير الكردية لغتي الأم، وحين انتقلنا بعد ذلك من القرية إلى المدينة دخلت المدرسة وبدأت بتعلم التركية؛ وكلما تقدمت في تعلم التركية تراجعت معها لغتي الكردية وبعد ذلك حين قررت أن أصبح كاتبًا، لم يساورني الشك بشأن اللغة التي سأكتب بها، بالطبع كنت سأكتب بالتركية التي تعلمت بها وأتقنتها لكن الأمور سارت بعكس ذلك وأصبحت الكتابة الكردية عندي استذكارًا للماضي الذي عشته في طفولتي وساحةً للإبداع في داخل اللغة، الكردية مثلي لم تعش فسحة التعلّم والتعليم وحُرمت من التقدم والاغتناء.

(*) سؤال: يكتب معظم الكتاب الكرد بالتركية وفي النهاية يتم تقديمهم وتسويقهم ككتاب تُرك. فإذا تحدثنا عنك، أهو شعورك القومي ما دفعك للكتابة بالكردية أم ثمة دافع آخر، أعني أتعتقد أن كتابة الكردي بلغته واجب قومي؟

– للأسف فإن اللغة التركية لم تقم باجتياح حقل الكتابة فقط، بل إن الكُرد في تركيا باتوا يعيشون معظم تفاصيل هويتهم بالتركية. إن قلت إن كتابتي بالكردية نابعة من هويتي الكردية فقط، ستكون الحقيقة ناقصة. فإذا تكلم والداي بالتركية وكانت التركية لغة ذكرياتي وأفكاري، أكنت سأكتب بالكردية؟ أكنت سأمتلك تلك القوة الروحية التي تدفعني إلى فصل نفسي عن لغةٍ دخلت كل تفاصيل حياتي لأجل لغةٍ تحدث بها أجدادي يومًا ما؟ ليس من السهل أن يجد المرء نفسه تحت عبء سؤال كبير كهذا على أية حال، اللغة الكردية تثقل كاهل الناطقين بها في تركيا ولا أعتقد أنهم سيتحملون أثقالًا أكبر.

ما شد عزيمتي أكثر في تجربة الكتابة هو إيماني بالحالة الإبداعية، الإبداع ينبت أضعف الأعشاب من تحت الصخور. فكرت أنه من الضروري اكتشاف تلك الخزينة الكامنة تحت الصخر والعمل بدأب على تطويرها. كانت رغبة شخصية في البداية لكن شروط الإنتاج الأدبي والصعوبات دفعتني شيئًا فشيئًا إلى الساحة القومية، ذلك أن الفن يحتاج مساحة من الحرية والدعم لا تتوفر إلا في تبلور الحالة القومية. لذلك فحتى وإن لم يكن الواجب القومي هو ما دفعني إلى الكتابة فإنني أطمح اليوم إلى القيام بتلك الوظيفة من خلال الكتابة.

(*) سؤال: كنت قلتَ سابقًا إنك حتى سن الثامنة عشرة لم تكن تعلم شيئًا عن الكردية كلغة كتابة أدبية وإنك كنت كتبت مجموعة قصائد ومذكرات بالتركية، لماذا لم تنشرها، ما الذي يمنعك اليوم من الكتابة بالتركية؛ موقف أم رغبة أم عجز أم ماذا؟

– السبب الرئيسي هو أنني لم أكتب تلك القصائد حينها بقصد نشرها. أعتبر أن تلك القصائد كانت مجرد تمرن على الكتابة الأدبية. النقطة الثانية هي أنني لم أبلغ بعد سن الشيخوخة حتى أنشر مذكراتي وباكورة نصوصي. بالإضافة إلى أنني أرى التركية بعيدة عني ولا رغبة لي بنشر نصوصي بهذه اللغة.

(*) سؤال: حين نتحدث عن الأدب الكردي فنحن نتحدث عن تجربة غير مكتملة تعيش تحت مطرقة حظر أزلي، ما الذي تأمله من وراء الكتابة بلغة محظورة لا تملك سوى عدد محدود من القراء؟

– ليس المهم، بالنسبة إلي، بأية لغة نكتب، السؤال الأهم هو العمل الأدبي الذي نقدمه وتأثير ذلك العمل والتغيير الذي قد يُحدثه في الأدب، وجودة النتاج الأدبي برأيي لا تُقاس بمدى تأثيره الاجتماعي. بدون شك إن السؤال الأكبر والأخطر الذي تفرزه الخطوة الثانية للنتاج الأدبي الذي يبدعه الكاتب الكردي مرتبط بحالة لغته الكردية وشعبه. في البداية كنت أعتقد أنني سأغيّر اللغة الكردية، واليوم أرى أن الكردية غيرتني وتغيّرني وأرى نفسي مرغمًا على توظيف كل كلمة من كلماتي في خدمة تغيير هذا الواقع الجبري الذي تعيشه الكردية. في الواقع لا أعلم ما الذي سيخلقه هذا النهج مستقبلًا، لكني أشعر أنني أقوم بالصواب، لذلك ينبغي لي أن أجتهد أكثر وأقدّم الأفضل. أما في ما يتعلق بموضوع قلة قراء النتاج المكتوب بالكردية، فأنا أقنع نفسي أحيانًا أنني مستفيد من هذا الوضع فأعتبر نفسي القارئ الوحيد لنتاجاتي.

الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة غيّر طريقة التفكير

(*) سؤال: يتحول بعض الكتّاب خلال مسيرتهم الأدبية إلى نقّادٍ لنصوصهم وكثيرًا ما يتلفون كتاباتهم غير المكتملة أو الناضجة أو أنهم يعيدون صياغتها. أعتقد أنك فعلت ذلك في روايتك “رسالة إلى الله”؟ أندمت يومًا ما على نشر أحد نتاجاتك أو وددت لو أنك كتبتها بشكل مختلف؟

– كانت “رسالة إلى الله” باكورة رواياتي، ولو أنها لا تُشبه باكورة كتابة أدبية في أية لغة وأدب آخرين. كانت تلك الرواية تجربتي الأولى في الكتابة بالكردية التي تمكنت معها وللمرة الأولى من الجمع بين تناقضاتي كشاب وبين العالم الخارجي واللغة الكردية. إن انتقال الإنسان من الشفاهية إلى الكتابة خلال آلاف السنين المنصرمة من تاريخه قد غيّر طريقة التفكير دون شك. لم تقتصر تجربتي على الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة بل تضمنت كذلك الانتقال من لغةٍ مقموعة في شفاهيتها إلى الإبداع بها، ولذلك استوعبت بعد بضع سنين أنني لم أستطع التعبير عن ذلك العالم الذي تصوّرته. ربما كان التقصير مني أو من اللغة الكردية أو من كلينا معًا فالكردية ما تزال ناشئةً في كثير من المجالات وذلك أمر لا يرتبط بمجرد المعرفة. إننا نستخدم اليوم في الكتابة بالكردية أساليب سردية لم نكن نستخدمها من قبل ولذلك كانت الطبعة الثانية لرواية “رسالة إلى الله” فرصةً أولى لتجميل التعبير والسرد الروائي. في الرسالة الأخيرة التي أضفتها إلى رسائل الرواية، “رسالة إلى القارئ”، أوضحت أن التغيير الذي أحدثته لا يرتبط بتغير رؤى وبراعة كاتب اليوم، بل بتحقيق غاية الكاتب الذي كتب الرواية يومها. حاولت تقمص ذاتي التي كتبت الرواية وقتها وكذلك حاولت إحداث بعض الإصلاحات ضمن إطار عقليته المحكومة بزمانها.

(*) سؤال: لافتقار الكردية- خاصة اللهجة الكرمانجية- إلى تجربة ناضجة في الأدب، استسهل الكثيرون الكتابة بها، ورأينا معظم متقنيها كانوا من الشعراء. لكنك، على العكس من ذلك بدأت مباشرة بكتابة الرواية وبعد بضع روايات استدرت باتجاه الشعر! ما سبب هذه الاستدارة؟

– للأسف، فباستثناء الكتابة الأدبية، لا ميدان آخر يتطلب إتقان الكردية. ليتنا نرى ميادين أخرى تستوجب إتقان الكردية فيكون أمام متقني الكردية بدائل أخرى. كأن يشترط على طلاب الوظائف الرسمية مثلًا إتقان الكردية. لا ألوم كل من يكتب شعرًا أو نثرًا بالكردية بل أطلب منهم جميعًا أن يكتبوا بشكل أوسع. إن جودة أدب لغةٍ ما مرتبطة بكثرة كتابها الرديئين لا بقلتهم.

بخصوص بداياتي الأدبية، لم تكن بالكردية كما أسلفت ولو أنني تابعت الكتابة بالتركية لكتبت الرواية لأنني مخلوق لهذا. بعد كتابة الرواية والترجمة عن الأدب العالمي، التفتت إلى كتابة القصة ومن بين ثمانية نتاجات أدبية، ليس لي سوى ديوان شعري وحيد. لقد كانت تجربة خاصة والآن حتى ولو رغبت بكتابة الشعر فلن أقوى على بعث ذاك الشاعر الذي دفنته في قلبي.

حين بدأت الكتابة الأدبية بالكردية، كان كل اهتمامي منصبًّا على مفردات اللغة الكردية وعلى حضور جلسات المعمرين والاهتمام بالتراث الكردي الشفاهي لأغني بها لغتي. قبل وفاة جدتي استمعت إلى الكثير من الأغاني التراثية الكردية. كانت الفتيات العاشقات يرددن هذه الأغاني وهنّ يحلبن الماشية أو يغزلن في الكهوف. وقتها، كانت الفتاة تعلن عن حبها لشابٍ ما عبر الأغاني التي كانت ترددها على مسامع صاحباتها. أحبُّ نبرة هذه الأغاني ومفرداتها والتشابيه اللغوية التي تتضمنها. ما فعلته هو أنني عكست هذا الشكل التراثي وقدمت قصائد غنائية يكتبها شابٌ عن فتاة. كذلك كان هذا الشكل التراثي جسرًا لتقديم تلك اللغة الشفاهية المريحة والسلسة للقارئ الكردي الذي سئم النصوص المعقدة. تلك المجموعة الشعرية تحتوي قصيدةً حداثية يتيمة وما تبقى قصائد تراثية شعبية.

(*) سؤال: كنت قلت في لقاء سابق إن الكتابة التي تستند إلى قصص حقيقية تحطم الخيال وتضيّق الخناق على الإبداع والفراسة في الكتابة. أتستند كثيرًا إلى القصص الحقيقية في كتاباتك أم تطلق العنان لخيالك؟

– هناك أربع قصص في مجموعتي القصصية “رباعية”. من بينها قصة “بريفا” المستمدة من قصة حقيقية. إنها قصة “توفيق عيسى” وحربه ضد الحكومة. المصادر الكتابية عن هذه الحادثة شبه معدومة، وأنا سمعتها من أبي. حين قررت كتابة قصة عن هذه الحادثة، أحسست أن المعلومات والمصادر المتوفرة تقيّدني فيكبو حصان إبداعي ويتمرغ في وحل حقيقية القصة. باعتقادي أن القوّالين والقصاصين الشعبيين أيضًا قد واجهوا هذه المصاعب ولذلك نرى أن سرد الحادثة وتفاصيلها تغيرت باستمرار مع تغيّر الساردين. هذه التغييرات مرتبطة بتآلف فنون السرد مع قوة الإبداع. لذلك أردت أن يكون لسردي القصصي شكل مستقل متحرر من القيود التاريخية القاسية.

مقابل هذه القصة، هناك قصة “بارافا” التي وُلِدت من كلمة واحدة هي اسم القصة: بارافا. لم أكن أملك غير الاسم فقط. كتبت القصة بإلهام مضطرب، وبعد الانتهاء منها، اعتقد الجميع أنها قصةٌ شعبية حقيقية تولّيت نقلها إلى الحقل الكتابي. حين قرأ ناشري هذه القصة قال لي: “أليست جدتك هي من سردت لك هذه القصة؟” وسألني أحد أصدقائي وهو يقرأ القصة: “أما زالت جدتك على قيد الحياة؟” والكثير الكثير من الأسئلة والشروحات المشابهة. القصة التي ولدت من رحم خيالٍ فطري تحولت إلى جزءٍ من الحياة الحقيقية ولم يعبر أحدٌ عن شكّه في عدم صدقيتها الواقعية. لذلك أعتقد أن الوضع الكامل للسرد هو: ليس المهم ما تستند إليه، ليس المهم المصدر الذي تستقي منه، المهم هو مدى الصدقية والواقعية التي نشعر بها في نهاية المطاف.

القرن المنصرم خلق رواية الإنسان الصغير الهامشي

(*) سؤال: في روايتك “أطفال على ضفاف النهر”، تسرد بروح الأطفال. إلى أي حدٍّ يمكن سرد ذاكرة محطمة كذاكرة الكردي من خلال عيون طفل وروحه؟

– في تلك الرواية هناك راوٍ واحد، لكن كل قسم يتم سرده بعيون طفل. الراوي لا يرى أبعد من الطفل ومعرفته لا تتخطى ذلك. بهذا الشكل، تحكي لنا عيون الأطفال ماضي ثلاثة أجيال من العائلة. فقط في ثلاثة أقسام من الرواية، يتم سرد القصة بعيون الكبار الذين شاخوا وعمّروا. عدا ذلك، كلما كبر طفل يغادر مسرح السرد. حين نقرأ نحن -البالغين- الرواية، ننظر إلى ذاكرة الكرد وماضيهم والأحداث التي وقعت لهم، لكن حين ينظر الأطفال إليها ويعيشون معها، لا يقيسونها مطلقًا بهذا الشكل فبالنسبة لطفل، حمامة الجيران قد تكون أكثر أهمية من ماضي سجن ديار بكر. الطفل يرى كل شيء مهمًا وعميقًا وعالمًا ينبغي اكتشافه؛ حتى لو كانت هذه التفاصيل صغيرة وتافهة في نظرنا نحن البالغين. بفضل عيون هؤلاء الأطفال نستطيع رؤية الأشياء المهمشة والمدفونة عميقًا تحت مفاهيم وتعابير الكبار؛ تلك التفاصيل المستورة خلف تاريخ ذاكرة الكرد، ذلك حين ننظر إلى جانبها البسيط. القرن المنصرم خلق رواية الإنسان الصغير الهامشي، أما أنا فلم أفعل أكثر من أنني كتبت رواية الطفل الصغير المهمش.

(*) سؤال: قلت أيضًا في لقاء تلفزيوني إنه “أحيانًا يكون الخجل هو ما يدفع بالمرء إلى الكتابة”. هل تعتقد أن الكتابة مرآة الخجل؟ هل نكتب ما لا نستطيع أو ما لا نرغب بقوله علانية؟

– في الواقع، قصدت فقط الإشارة إلى تعدد الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الكتابة وإن كنت أعتقد أنها ليست مهمةً بقدر الأسباب التي تدفعه إلى الاستمرار بالكتابة. الكتابة ليست مرآةً للخجل، بل على العكس، الكتابة يمكنها إزاحة ستار الخجل والكشف عن عوالم غنية ومميزة وشجاعة مختبئة خلف الستار. بالنسبة لي كان الخجل نابعًا من المزاج؛ حين عجزت عن البوح بحبي لفتاة، كتبت لها أولى قصائدي.

السياسة مهما تكن صائبة لن تتمكن من رفع سوية رواية رديئة

(*) سؤال: السواد الأعظم من الروايات الكردية روايات سياسية. إلى أي درجة يمكن لهذا الشكل من الكتابة أن يؤذي فن الرواية والتجريب اللغوي في الكردية؟

– يمكن للسياسة بالطبع أن تتحول إلى موضوع للرواية، لكن ذلك مشروطٌ بلجمها والتعامل الحساس معها ضمن فنك وإبداعك الروائي. على أية حال، الرواية السياسية إشكالية لأن أي سياسة مهما كانت صائبة لن تتمكن من رفع سوية رواية رديئة. آخر شيء يمكن أن تلتهمه السياسة هي الرواية. لم تترك السياسة ميدانًا لم تدخله والكثير من أدوات الكتابة والنشر والإعلام غدت ساحات مُحتلةً من قبل السياسة: الصحف، المجلات، وسائل التواصل الاجتماعي، التجمعات، الفعاليات، الاجتماعات الصحافية، التلفزيون، الراديو، المسجد، الأغنية… السياسة تستخدم جميع هذه الأدوات والميادين، لذلك لا حاجة لفتح الباب أمام احتلال الرواية أو الشعر من قبل السياسة. أنا شخصيًا أنشر مواقفي ورؤاي السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي، لأني أراها المكان المناسب لهذا النوع من المنشورات. تلك ساحة مؤقتة وخلال دقيقة يغدو كل شيء فيها قديمًا ويتم نسيانه وإهماله، إنها كالسياسة متبدّلة لكنني لا أرى تلك الساحة مكانًا مناسبًا لأشياء إبداعية كالرواية والشعر، علينا حفظ هذه الأشياء القيّمة في ميادين أكثر استدامة واستمرارية. يعني حين يحتل كل شيء مكانه الطبيعي، يغدو كل شيء ذا قيمة وثقل. لذلك أستخدم مجالات وميادين مختلفة محاولًا الابتعاد عن الخلط بينها: وسائل التواصل الاجتماعي، الصحيفة، الكتاب.

(*) سؤال: هناك ثلاث لهجات كردية رئيسية (الكرمانجية والسورانية والزازية) وكذلك هناك أبجديتان رئيسيتان (اللاتينية والعربية). برأيك ما الذي يتطلبه تقديم أدب كردي ذي هوية موحدة وجامعة؛ أهو اعتماد أبجدية موحدة أم الاكتفاء بتغيير الرسم عند التنقل بين اللهجات الكردية؟

– أعتقد أن الأفضل هو أن يكتب كُلٌّ ما يعرفه بلهجته التي يتقنها ويكثر من الإنتاج بها. الكرد السوران يكتبون بالحرف العربي لكن الكرد الكُرمانج والزازا في تركيا يستخدمون الحرف اللاتيني. يجد الكُرمانج اللهجة السورانية قريبة إلى نفوسهم وأعتقد أن السبب يكمن في غزارة النتاج الأدبي والثقافي بالسورانية ومقابل ذلك نجد أن الزازية أرض بور. التقارب غير مجدٍ في التوحيد ولا أعلم في الحقيقة أي صيغة هي الأكثر ملاءمةً لتشكيل واقع كردي موحد وحقيقي، لكن من الضروري ألا تبعدنا هذه النقاشات عن بذل جهودنا في سبيل الإنتاج الأدبي والثقافي داخل هذه اللهجات كافةً فذلك وحده كفيل بشق الطرق وتعبيدها.

(*) سؤال: في الشرق الأوسط، يعيش الشعبان العريقان الكردي والعربي كجارين، لكن بعض الأوساط الثقافية تشكو من قلة التواصل الثقافي بين اللغتين الكردية والعربية. كيف تقيّم هذه الرؤية وإن كنت مؤيدًا لها، ما هي الأسباب الرئيسية لضعف التواصل؟

– هذا الكلام صحيح، فنحن عرفنا العربية فقط كلغة عبادة وديانة، ولم نتعرف إليها كلغة أدب وثقافة. ما أعلمه أن المهرجانات الأدبية العربية تُقام في أوروبا أيضًا، لكن الفعاليات المشتركة بين اللغتين والثقافتين قليلة جدًا. نحن كَكُرد لدينا مشاكلنا القومية والاقتصادية والسياسية، وأعتقد أن العرب أيضًا يعانون من الأنظمة الاستبدادية التي تكبلهم، باعتقادي أن محاولات التعارف والتواصل مع الثقافات المجاورة والأجنبية أسيرة هذه الظروف وهي قاصرة بالتأكيد ولكن يمكن للترجمة أن تلعب دورًا فاعلًا ومفيدًا في هذا الجانب.

(*) سؤال: ما هي فكرتك عن الأدب العربي المعاصر، وخاصة عن الرواية العربية المعاصرة؟

– للأسف، لست مطلعًا عليها بما فيه الكفاية. خارج الوطن عرفت بضعة كتّاب عرب وقرأت لهم نتاجًا أو نتاجين. في الكردية أيضًا التراجم عن العربية قليلة، قرأت ترجماتك الكردية لرواية علي المقري “اليهودي الحالي” و”السيرتان” و”كهوف هايدراهوداهوس” لسليم بركات وأرغب بشدة في الاطلاع على الأدب العالمي بما فيه العربي من خلال اللغة الكردية. لذلك أعتقد أن عملًا مهمًا وجادًا ينتظر المترجمين عن العربية إلى الكردية.

معرفة الآخر تبدأ من معرفة الذات
(*) سؤال: أنت من مواليد إحدى قرى ماردين والمعروف أن ماردين بجبالها وسهولها منطقة متعددة الثقافات والقوميات؛ يعيش فيها الكرد والعرب والسريان والأرمن والشركس، كما أنها منطقة متعددة الأديان؛ يعيش فيها المسلمون والمسيحيون والإيزيديون. ما الذي يعنيه لك هذا التعدد ككاتب مارديني وما هو الأثر الذي تركه عليك؟

– قرية أجدادي التي عشت فيها حتى السادسة من عمري تتبع قضاء “ستّور” في ماردين. سكان قريتنا والقرى المجاورة جميعًا كانوا كردًا، بينما معظم سكان مركز ستّور عرب وبعض القرى المحيطة بقضاء ستّور يسكنها السريان الكلدان، لكن حتى هذه القرى غدت أطلالًا أو آهلة بعدد محدود من المسيحيين. ذكرياتي عن هذا المحيط شبه معدومة، لأنني كنت طفلًا حينها ولم تتح لي فرصة التعرف على شيء خارج قريتي، وحين خرجت اتجهت إلى قضاء “بِسمِل” في ديار بكر. أستطيع القول إن معرفتي بالثقافات المجاورة والمتعددة بدأت بعد معرفتي بثقافتي وهويتي. حين بدأت البحث عن ذاتي ولغتي وهويتي، فطنت لهذه الثقافات الأخرى. أعتقد أن معرفة الآخر تبدأ من معرفة الذات، فحين نبشت ماضيّ وهويتي وراقبت الأماكن التي احتضنت قصصي وحكاياتي، تحوّلت آثار تلك المكونات الأخرى إلى جزء من ماضيّ الشخصي لتظهر لاحقًا من خلال قصصي ورواياتي.

(*) سؤال: حين تُترجَم النتاجات الأدبية الكردية إلى اللغات الرسمية السائدة في كردستان، أي إلى التركية والعربية والفارسية، يتم نشر النصيب الأكبر من هذه الترجمات بين المتعلمين الكرد الذين يجهلون القراءة والكتابة بالكردية. برأيك ما الضرر الذي يسببه ذلك على التعريف بالأدب الكردي وانتشاره وهل لذلك علاقة بالصهر الثقافي الذاتي الذي يعانيه الكرد؟

– هذه حقيقةٌ واضحة. النتاجات الأدبية الكردية المُترجمة إلى التركية والعربية والفارسية تُقرأ بشكل أوسع من قبل الكرد أنفسهم لأنهم يتقنون القراءة والكتابة بهذه اللغات الحاكمة في وطنهم. حتى إنّ معظم المترجمين الكرد يتقنون هذه اللغات فقط وقلما تجد مترجمًا كرديًا يُترجم إلى لغة أوروبية أو إلى إحدى لغات الشرق الأقصى. ما يؤلم هو أنه حين تُترجَم رواية كردية – لنقل إلى التركية- يقرأها الكرد وليس الترك. الطبيعي أن يقرأ الترك والعرب والفرس النتاجات الأدبية الكردية المُترجَمة إلى لغاتهم. إذا كانت الترجمة عن الكردية موجهة إلى الكرد كما يحدث اليوم فقد يتحولون لاحقًا – وأقول ذلك آسفًا- إلى الكتابة مباشرة بالتركية أو العربية أو الفارسية لكي يصلوا إلى قرائهم الكرد بشكل مباشر.

الخيال الحقيقي يكمن في الشيء القريب من روحنا

(*) سؤال: بقي مجمل الأدب الكردي حتى القرن التاسع عشر أدبًا شفاهيًا وما عدا عشرات الدواوين الشعرية والمؤلفات المتناثرة، لم يسلك الأدب الكردي طريق التدوين إلا مؤخرًا. أنت تركز في كثير من اللقاءات على حكايات وقصص والدك وجدك لدرجة نشعر معها أنك نهلت الكثير من نهر الذاكرة العائلية. إلى أي درجة يتلاءم هذا التوصيف ومحتوى نتاجاتك؟

– في بداياتي الأدبية كنت أحسب أن نجاح كتابتي متوقف على استخدام القماش الغريب والأجنبي في نسج ثوبي الأدبي، لأني كنت أتوهم أنه بمقدار ما يكون الشيء غريبًا وبعيدًا عن حقيقتك، فإنه علامة على جودة النتاج وأصالة الإبداع. ثم أيقنت شيئًا فشيئًا أن الخيال الحقيقي يكمن في الشيء القريب من روحنا والذي نعلمه علم اليقين، لذلك بدأت الاستفادة من الأحداث الحقيقية في المحيط الذي أعيش فيه، وعندها اكتشفت أن الأشياء التي كنت أظنها قريبة مني كانت في الحقيقة بعيدةً جدًا، والأشياء التي كنت أظنها واضحة ومكشوفة، كانت في حقيقة الأمر ذات وجوه متعددة. إلهامي ليس من العائلة فقط، بل من كل شخص تعرفت إليه أو شربت معه كأسًا من الشاي. قبل أن تتفوه إحدى شخصياتي بكلمة واحدة، أرغب في سماع تلك الكلمة من فم شخصية حقيقية.

(*) سؤال: في عام 2016 تم اختيارك من بين عشرة “أصوات جديدة في أوروبا”، لكن أعمالك لم تُترجَم بعد إلى أيٍّ من اللغات العالمية. برأيك ما سبب ذلك وما سبب ضعف حركة الترجمة عن الكردية إلى اللغات العالمية بشكل عام؟

– وفقًا لمعلوماتي، ليس هناك مترجم كردي متخصص في الترجمة عن الكردية إلى الإنكليزية أو الإسبانية، وأنا أعي كمترجم صعوبة رواج النتاجات المترجمة وأعتقد من جهة أخرى أن الترجمة عن الكردية إلى اللغات الأوروبية ما زالت تفتقر إلى القابلية والمقدرة اللازمة.

عن “ضفّة ثالثة” – العربي الجديد