ديسمبر 15, 2018
  • ديسمبر 15, 2018
أغسطس 5, 2018

توّجني جباناً وأعدني لأسرتي.. قراءة في “مسيح دارفور” هيڤا نبي

By 0 130 Views

المباشرة والرواية

تكاد المُباشرة تضيّعنا، تخيفنا، تسطِّح رؤيتنا، وتبعدنا عن عالم نحن بأمس الحاجة لفهمه. تلك المباشرة تضيعنا لأنها تشير بإصبع الإتهام للأقرب وتتغافل أو تغفل من هو أبعد، وهو في غالب الأحيان المعني أكثر بالتهمة. لذا ففي السياسة هناك دائماً حديث عن أدوات، فتيل، حطب، وعن حكام، مسيّرين، وقادة للفتن. لكن ضد هذه المباشرة تحديداً نحتاج غالباً لطُرق أخرى تخبرنا عن العالم من حولنا – وعن مآسيه خاصة – غير نشرات الأخبار. بل نعتقد أحيانا أنه يجب ان تكون هناك جهة انسانية خالصة تزرع في كل بقعة صوتاً للمعذبين في الأرض، وترينا وجهاً غير الوجه الجلف المسيس لنشرات الأخبار، وجها يمسّنا فرداً فرداً.. يبتلع المسافات بيننا ليخبرنا أن هناك إنسانٌ يتألم… يخُدع… يُفنى.
حقيقة، ليس ثمة شيء يمكن أن يقوم بهذه المهمة المتسامية كما يمكن أن تقوم بها الرواية… وبالتأكيد ليست أية رواية، بل تلك التي تتحاشى إيديولوجية الكبار وسياسة المقتدرين، تلك التي تلم الشر كله و تضعه على الطاولة وتسحب منه خيوطه التي تحركه وتنثر الأفراد كحبات عقد لا رابط بينهم إلا كونهم عالقين في خيط يجمعهم، أو حبل يشنقهم على أهداف ليسوا هم من ينعمون بها.
في رواية “مسيح دارفور” لعبد العزيز بركة ساكن، هناك خيوط متعددة، لايحاول الكاتب فك عقدها بقدرما يحاول أن يُبعد وربما يبرئ من لم تكن لهم اليد في مصائرهم، ومنهم بطله إبراهيم. هذه المحاولة يقوم بها بركة ساكن بالنظر عن قرب للأفراد كأفراد أولاً، لا كمشاركين في اللعبة السياسية، أي انه لاينظر إليهم من وجهة نظر السياسة بل بمحاورة عنيفة ضدها.

الخيال الروائي

الرواية هي توثيق للحرب، بأوجهها العديدة، الأوجه التي عرضتها نشرات الأخبار، والأوجه الخفية لها. وباعتبارها توثيقاً فهي تحفل بالدم والقنوط والشر والموت. لكن بركة ساكن يحطم المباشرة بأن يتغلب على الحضور الواقعي للمأساة بعرض إحتمالات خير مبتكرة. هذا الخير يتجسد في الشخصية التخيلية لمسيح دارفور، الشخصية التي تقلب الوجه الكريه للموت في دارفور وتقدم منفذاً للرواية التي اذ تنساق مع الواقعي والمعاش لا تتمكن من محو الوجه القبيح للحرب إلا بالخيال. وعلى الرغم من أن فكرة المسيح ليست سوى حلاً طوباوياً إلا انها تجد أرضها في الرواية، كميدان للجمال والخيال. ففي دارفور التي يجتمع الشر فيها من كل حدب وصوب فمن جهة الجنجويد (جني على جواد بيده جيم 3) ومعهم النظام ومن جهة فرق الامم المتحدة القادمة لتأكيد استمرار الحياة تحت ركام الأنقاض، من جهة الجوع والمذلة والتهجير القسري، ومن جهة بحث مذل عن الحياة، في وسط كل هذا الشر المتلون لايمكن إلا ان يتمنى الأخيار الخير عديم اللون، أو لنقل، الخير ذي اللون الواحد: لون الانسان.
لعنة اللون هي لعنة التصنيفات. وفي هذه الرواية التي تحدث في أفريقيا، أينما تلتفت لاتجد هناك إلا السواد والعمى: سواد البشرة وروعتها وعمى المصير ولعنته. لعنة اللون لاتتوقف على تناقض الاسود والابيض، بل على تمييز عدو أكثر قرباً، فمن خلال اللون يعرف المرء إن كان في مواجهة عرب أم زرقة، اي في مواجهة عدو أم صديق، لتبقى التصنيفات راسخة إلى أن تغيرها خطط سياسية بعيدة. فالسياسة هناك كما في كل مكان تلعب على اوتار متناقضة او متكافئة لتحقيق مصالحها و فيها يزج بالناس في خلافات يكذبونها بادئ الأمر ثم يصدقونها ويؤمنون بها ويزودون عنها بكل نفيس: “ومن الأهداف الثانوية التي تحققت للسلطة المركزية هي أن تبدو الحرب في دارفور كما لو أنها حرب بين مجموعتين وهميتين وهما ما يُسمى بالعرب والزرقة، وهاتان المجموعتان لا وجود لها في الواقع، ولا توجد أية حرب بينهما، وكان ستتبنى فكرة مسيح دارفور إذا كان قد أعلن أنه سيحارب العرب في دارفور أو الزرقة، أو أنه ضدهما الأثنين معاً، أو أصبح له رأي واضح في مسألة الهوية مثل مُدعي النبوة العيسوية الكثيرين الذين ظهروا في نيالا منذ عام 1921، بغرض مقاومة الاستعمار الإنجليزي.”
ولكن في خضم العنف واتجاهاته، يأتي مسيح دارفور ليعلن انه لا خلاف له مع أحد، وأن نبوته هي نبوة لانها لاتخدم أي طرف من الاطراف المتحاربة، فهو ” ممن تسميهم الدولة الزرقة، وأمه ممن تدعوهم بالعرب، ويتبعه الإثنان، ويكره الجنجويد، ويجعل العسكر والنجارين وأشباه النجارين يؤمنون به.” إنه يقدم الورقة الخاسرة وهو يطمح بالربح الأكيد، لا عيش مع الكراهية كما أن لا حل في مواجهة الشر سوى التعالي عليه.

في البدء كانت الكلمة

إن الخير الذي يصونه المسيح والشر الذي يؤججه النظام لايعملان بأدوات متكافئة، فالمسيح، صورة الانسان، لايمتلك أدوات المواجهة ذاتها التي يمتلكها الجنجويد. ولكن إختلاف الأداة يحيل على الفور لإختلاف المبتغى: فالجنجويد ومن معهم يبتغون الأرض والسيادة وأداتهم هي القتل، بينما المسيح ابن الانسان يبتغي سلام الإنسان وأداته في ذلك أداة متسامية هي : “الكلمة”.
في الفصل السابع من الرواية المعنون ب”الكلمة”، نتوصل إلى جوهر مايدركه مسيح دارفور دون غيره، وهو قوة الكلمة فيهبها السلطان المطلق وينبئ أعوانه بملكاتها: ” الكلمة يا أصحابي لا تأتي اليكم، إنما أنتم الذين تنتبهون لها”، الكلمة جهد، جهد غير عنيف، ولذا فإن العثور عليها يحتاج لإدراك وإنتباه فريد. الكلمة هي ” سبيل المحبة والكراهية” فهي تطهر المؤمنين بها وتجعلهم ک “الاطفال” أو ک “الدلافين المسحورة”.
الكلمة لاتحتاج لمقدمات، ولا تحتاج لدافع، هي تنبت حيث يهجرها كل دافع، تنبت في القلب الخاوي الفارغ، لتملئه دفعة واحدة: “فالكلمة لاتكون مع شيء ولايكون شيء معها، ولكنها إذا استوطنت القلب، ملأته بالأشياء.”
رغم أن الأمل يبقى عالقاً بالكلمة والكلمة ثم الكلمة التي يطلقها النبي إبن الإنسان، إلا أن بركة ساكن لايدّعي على الإطلاق وقوفه في صف النبوة ولا يفرط في المثالية، فللوجهة السياسية والإيديولوجية عنده مكانتها، كما أن بصمته كإنسان لها محلاُ إلى جانب بصمة المسيح الطاهر. فبقدر الحب الذي يمنحه للمسيح، يقذف الكاتب حمم لعناته على الجنجويد الذين لايرى فيهم إلا صناعة بشرية، ويعلل كراهيته من منطق أنه لا يمكن لغير البشر أن يصنعوا شيئا بهذا السوء، أما الله فيخلق وسيخلق كل ما فيه الأمل.
الإنسان
رغم ان الرواية تهتم اكثر بالحديث عن المسيح، وتجعل اسمه عنواناً لها، إلا أنها لاتؤمن به إلا كمسلك لتحقيق الإنسان. ففي الرواية التي تضم كافة مستويات البطولة.. بطولة المهتمين بالدم وبطولة الانبياء.. يلفت انتباهنا الكائن الذي لاينتمي للفئتين… ذلك الذي يشترط ويردد ويكرر أنه لايريد أن يكون بطلاً ولا شهيداً، وهو وحده من لم يؤمن على الفور بالمسيح على عكس كل البقية المتمايزة في الإنتماء والتي آمنت به بدأً من كلمته الأولى. هذا الانسان العادي الذي لاينتمي للدم ولا للنبوة هو ابراهيم الذي يود أن يحتفظ بحياديته و يطالب بأبسط ما يمكن أن يطالب به المرء: العودة لإنسانيته. هو الذي قضى سنوات طويلة مقاتلاً في المكان الخطأ، والذي انتقل بعدها ليستمر بالقتال في مكان خاطئ آخر، لايقدم لنا إلا نموذجا عن الشعب الذي يعيش بالخطأ. إبراهيم هو “الجندي الحزين” الذي “يُدفع للحروب دفعاً” ويوجه سلاحه عشوائياً ضد أفراد قبيلته وأسرته منفذاً عن كره أوامر الساسة الذين يصفون حساباتهم بدمه.
إبراهيم الذي يبتعد السرد عنه مراراً وتكرارا لا ينتمي لبطولات الأنبياء ولا المجرمين. إنه يختار جبنه بلا تردد لو كان ثمنه العودة، كأنه يقول: توّجني جبانا وإنهي معركتك، توّجني جباناً وحقق السلام، توّجني جباناً وأعدني إنساناً. خلصني من وهم الآلهة ومن طموح الأنبياء، خلّصني من كل مقاومة بشرية، فكل إدعاء للبطولة، هو فخ للسقوط : “توّجني جباناً وأعدني لأسرتي”.

ـــــــــــــــــــــــ
* كاتبة وأكاديمية سورية مقيمة في ألمانيا.
الرواية نت – خاصّ