ديسمبر 14, 2018
  • ديسمبر 14, 2018
يوليو 29, 2018

توليفة غربية بطعم الشرق محمد فتيلنيه *

By 0 145 Views

كان قد عاد لتوّه من باريس، حاملا في حقيبته الصغيرة رسالة دكتوراه في الأدب من السوربون، وبعض ملاحظات، أهمها ورقة مكتوب عليها: “تُسلم إلى الطالب محمد فتيلينه.”
زرته بعدها بأسبوع عندما أُجريت له عملية جراحية على إحدى كليتيه. كان متعبا ولكنه مفعم بالحياة ولا تردد شفتيه إلا De Lamartine et l’Emir Abdelkader ولا شيء كان يشغله إلا موضوع رسالتي ورغبته في متابعتها. اتكأ عليّ مُتعبا في غرفة الضيوف وأشار عليّ بأخذ رشفة قهوة، قائلا:
– موضوع الفرس في شعر لامارتين لم يسبق أن تناوله أحد غيرك، أنصحك باختياره عنوانا للرسالة يا سي محمد.
هكذا كان، وهكذا وُلدتْ مع نصيحة أستاذي حميد ناصر خوجة، رسالة أكاديمية تحمل عنوان: موضوع الفرس بين لامارتين والأمير عبد القادر الجزائري. ومن الرّحم نفسه تهادى بلا صخب إلى دنيا الرواية لأول مرة نص “بحيرة الملائكة”.
كانت البدايات فكرة في أحشاء رسالة جامعية، تُرجمت بعد ثلاثة أعوام إلى نص روائي كان بطلاه ألفونس دو لامارتين والأمير عبد القادر. لم أكن بحاجة في البدء إلى أكثر من ديوانين لشاعرين رومنسيين، أما رفوف مكتبتي المتواضعة، فإنها جمعت حينها ملاحظاتي العديدة عنهما أكثر مما كتباه. لم يكتف دفتر الملاحظات بمجرد التعليق على كل ما كُتب عن الشاعرين، ولا بترجمة أكثر من عشر قصائد من ديوان “جوسلين” المعروف، ولكن تراكمت في داخله الحواشي من ترجمة المتون إلى ترجمة المشاعر.
في الصفحة الأولى من دفتر الملاحظات (الذي لم يكن إلا مفكّرة لسنة 2010) لم يكن “بحيرة الملائكة” عنوانا مطروحا على الإطلاق لأن “الذكريات الذهبية” زاحمته بالخط الكوفي المغربي.
في سبيل إقناع متتبّع واع وقارئ ذكي، أبحرت في عالم الأمير عبد القادر الجزائري وألفونس دو لامارتين، وفي دخيلتيهما عصرتُ التفاصيل التي كانت تخفيها كلمات البيت وحرف الروي والمجزّآت. فولدت توليفة نصّية في فصول الرواية، من خلال امتزاج السردية بأبيات الشعر، وإبحار الكلمات دون مجداف الوعي بين ترجماتٍ شعر لامارتين وحواراتٍ متخيلة بين الرجلين.
هكذا، وجدتني منشغلا بين شخصية أيفير حبيبة لامارتين الحقيقية وروان عشيقة الأمير المتخيلة، وذاب المُتَخَيَّل في الواقعة التاريخية بين صوتين أحدهما شرقي بامتياز والآخر غربي دون مواربة. فكان لزاما أن أستجمع بينهما شخصيةً برزخيةً تُلاحم بين لغتيهما وتزاوج بين فنّيهما وتلتحم وسط ديانتيهما، وسريعا تكوّنت الشخصية واستطالت على مدى النص.
كانت تلك الشخصية البرزخية هي سؤال البدء أو ما أسمّية بإشكالية السؤال المفتاحي لدوافع الكتابة وإشكالية النص كله. ولد في طيات نص “بحيرة الملائكة” البرزخ المُسمّى “لامير” وهو الوصف الجامع بين لامــ ( ـــارتين والأمــــ ) ـيــر.
الكثير من الليالي والأمسيات وساعات من الضحى كانت شوطا للكتابة والتنقيح، كما كانت أوقاتا أنهكتُ فيها القلم قبل أن أنقر على أزرار الحاسوب، لأنني من جيل تعوّد على المسودات “اليدوية” قبل المسودات الإلكترونية. من سطر إلى سطر ومن فصل إلى آخر اكتملت أكثر من 40 ألف كلمة خُتمت بالرسالة الأولى التي أرسلها “لامير” بطل النص إلى إحدى حفيدات “لامارتين” بالقرب من بحيرته الشهيرة، وهكذا أزعم أن تلك البحيرة هي دائرة الإشكال بين الشرق والغرب،
بدأت أسئلة أخرى تُطرح مع التّقدم في الكتابة خلال السير على خُطة العمل الأولية، واستحضرت ما عاشته الجزائر في زمن الكولونيالية، وما عانته في زمن العشرية السوداء، وبين هذه وتلك رُسمت معاناة نفسية في أعماقي لتتجسّد عبر دواخل الشخوص من الأمير إلى لامارتين من مدينة المنشأ لتلميذ ابن عربي إلى رائد الشعر الرومانسي الفرنسي. مع “المونولوج” الذي كان توظيفه مُلزما وحيويا كانت أشعارهم ترجمة نفسية للكثير من فصول رحلتهم من “البحيرة” وإليها وترجمانا لصرخة الإنسان، الذي يعاني الحيف والتمييز بسبب دينه أو عرقه أو جنسه أو حتى لون بشرته.
في خضم الأحداث التي تجسّدت رغما عن السارد وعن صاحب السارد، تلاشت الفروق الإنسانية بين شخص يستوطن سجنا بفرنسا وآخر يستوطنها ديبلوماسيا، وأبانت تلك الحقبة (1848) عن خيبات الشعراء والزهّاد، وهدأت فورة التلاقح بين الشرق والغرب التي نسجها الشعر والأدب بالألسن العديدة، حينما تنامت الكراهية مدفوعة بالمصالح الآنية وقد وكزتها بإلحاح الرغبة الجامحة في استغلال خيرات الآخر. الآخر البعيد والقريب!
منذ الجملة الأولى، اندفعت برفقة هواجس الرواية الفنية، هواجس فلسفية كان دافعها النفسي يجعلها عبئا كبيرا عليّ كواحد ولج العالم الروائي للمرة الأولى، ويظل سؤاله الأول مضمرا، ولسان حاله يقول:
هل عليّ قول كل شيء ووصفه وعدم نسيان أي شيء!
ككل بادئ في رحلة الكتابة الروائية، التي يخالها ناضجة مكتملة متعالية، يلوح التحدي في أول الطريق، وتنمو الرغبة –غير الواعية ربما-في عملية التكثيف وانتقاء الكلمات إلى درجة الغلو. كما تتضح هوية النص شيئا فشيئا وتكبر المسؤولية الفنية، وتكون ملكة حيازة ناصية اللغة وأدواتها عنصرا آخر من عناصر النص التي تساهم في رسم هويته، وإضفاء شخصية عليه، ليصبح نصا قابلا للتلقي من جوانبه الفنية والتشويقية، بعيدا عن إطاره التاريخي والواقعي.
يعود السؤال الأول في الانبعاث من جديد مع سير النص (قصة وحكاية وخطابا): هل قدّمت إجابة عن الاشكالية الأولى؟ مع كل تقدّم في الحدث والزمان والمكان تراءى لي أن الإشكالية تلك، ستتواصل في سيرها الأبدي يدفعها البحث عن إبرة في كومة قش، ولا جواب لدينا عن ذلك الإشكال إلا بالمزيد من النصوص والألواح والأسئلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتب وروائي جزائريّ.

الرواية نت