سبتمبر 23, 2019
  • سبتمبر 23, 2019
  • Home
  • قراءات
  • “تناقضات مدينة في رواية “أوتيل تركي
فبراير 11, 2016

“تناقضات مدينة في رواية “أوتيل تركي جيلالي عمراني*

By 0 217 Views

يعود الكاتب الجزائري الشاب رفيق جلول(1986) بروايته الأولى “أوتيل تركي” بعدما عرفه القارئ الجزائري كشاعر، نشر تجربته الأولى الموسومة بـ” يشتهيني عطر المطر” في السنة الفارطة. هرب رفيق جلول بنصه الأول إلى الأردن عقب رفضها من دور نشر جزائرية، ربما لجرأة الرواية في مقاربة موضوع الجنس”جنس المحارم بشكل خاص” بشفافية وبتلقائية.
“أوتيل تركي” نشر دار ورد الأردنية سنة2016، 83ص من الحجم المتوسط، قاربت الراهن الجزائري ما بعد الارهاب الذي دام قرابة عشريتين دمويتين و ما خلفته من جراح عميقة، و من تشظي في الذاكرة و اللغة والعلاقات الاجتماعية، و هو تطرف لا يقل دموية و عنفا عما جرى في العشريتين السابقتين.
الرواية لافتة للنظر في موضوعها و كذا في صياغتها المختزلة جدا وجاءت في “الصوغ الأدنى الذي يتجلى في استعمال لغة مقتصدة، و تجنب الوصف المطنب”1 لأحداث جسام، ومرعبة، كاغتصاب البنت حنان من طرف والدها السكير، أو الهول الذي عاشته ليلى الكوبرلي في سوريا ثم في الجزائر من زواج و طلاق و عبث يومي يتقاذفها القدر من فندق لآخر من عنف لآخر. ربما هو خيار الروائي رفيق جلول في محاولة للتجريب.
يضع الروائي رفيق جلول القارئ منذ الصفحة8 في عتبة كلاسيكية، مدعيا أن الرواية لا علاقة لها بالواقع مستثنيا بعض الشخوص المعروفة. من تكون هذه الشخصيات؟ هل هو السارد الرئيس” بومدين يسعد” المتدثر بمانطو والده أو شخصية سمعون اليهودي؟ أو كلها مع تصرف في الأحداث داخل اللعبة السردية؟
استطاع الروائي أن يسرد ذاك العنف الممارس ضد شخصيات عادية، وضد المجتمع برمته، و يسرد تلك الحكايات المتشظية و المؤذية بلغة شفافة وحادة أحيانا في أقل عدد ممكن من الصفحات83، مقسمة إلى اثنين و عشرين فصلا قصيرا، تتولى الشخصيات سرد حياتها وحكاياتها بضمير المتكلم، هي حكايات مدينة كبيرة اسمها وهران “المدينة الصاخبة ليلا والمتدينة في عزّ النهار، ترقد على بارتها وكاباريهاتها”ص10، فحضور مدينة كوهران في نص روائي يحيل بالضرورة إلى تلك الحرية التي تمنحها لك في ممارسة طقوسك اليومية من ملذات و عواطف إلى حد الارتواء”ان النصوص التي تتصل بفضاء المدن الكبيرة، خاصة، تجعل حضور الجنس متصاديا مع العناصر الدعائية”2
يبدأ الروائي بومدين سرد التفاصيل بإعادة بناء حياة مجتمع مسحوق، هو الشخصية التي هيمنت على السّرد في الفصول التاليةّ0، 1و2،3،5،8،16،21،22 باعتباره الروائي الذي يكتب حكاية ليلى التي اختفت فجأة، منذ الفصل الأول يحاول الراوي/بومدين خداع المتلقي بسرد حكاية حبيبته ستيلا النعمان ص14، إلى أن يأخذه إلى إشكالية البطل و وضعه في مجتمع منافق، منغلق رغم ادعائه الحرية و الحداثة. ثم شخصية ليلى الكوبرلي السورية التي تهرب من بلدها بعد الحرب الأهلية، تسرد الفصول التالية: 7و9،12 و15،17،19، وهي امتداد بشكل أو بآخر لما تعيشه كل المدن العربية المتخلفة رغم محاولات الراوي في فصول أخرى تجميل وجه ليلى واصفا إياها بالمتحررة التي تفصح عن رغباتها الجنسية بلا مقدمات أو خجل من تدخينها أمام الجميع عكس الجزائريات وارتبط التدخين بالعاهرات فقط ص17. وهذا حكم عام ربما فيه نوع من المبالغة.
الشخصية الثالثة “الهواري سمعون” الذي يتولى سرد حياة أسرته المعدمة و مصائر أخوته بداية من مقتل الأخ فتحي إلى هجرة رشيد أخيرا دخوله السجن و تبرئة المذنب الشيخ الستيني الذي اغتصب فتاة في فندق، فالهواري بكرمه و نخوته وجد نفسه في السجن، هذا المصير في نهاية الأمر هو إدانة للمجتمع الذي يتغنى بالعدالة المكفولة قانونا و منتهكة جهارا.

رواية “أوتيل تركي” تلج دهاليز مدينة كبيرة هي وهران “المدينة الغريبة التي تشتهيها و تشتهيك بعريها و جلبابها، بسروال الجينز المحصور” و أحيائها القصديرية و مقاهيها وباراتها وعاهراتها أيضا وفنادقها، كأوتيل تركي الذي يستقطب معظم شخصيات الرواية بحثا عن الدفء وممارسة الممنوع بتواطؤ آخرين من أجل لقمة العيش أو انتقاما للحرمان الذي يعيشونه، فالرواية حاولت الولوج إلى الأزقة الخلفية للمدينة/المجتمع، لتعرية الواقع الأليم، المفبرك بخطابات ايديولجية مفضوحة بممارسات أعيان القوم، في حكايات تبدو بسيطة لكنها عميقة في الأساس، بلغة وظيفية و شاعرية أحيانا، تتخللها اللغة الدارجة أو الهجينة التي يستعملها الشعب الجزائري في تعاملاتهم اليومية بداية من العنوان “أوتيل” بدل فندق، المارشي، البار، الليسي بدل الثانوية، برادي بلاج…الخ
الرواية بلا شك هي إضافة للمدونة الروائية الجزائرية الجديدة بجرأتها في مقاربة ثيمات حساسة جدا، تعتبر طابو إلى وقت قريب، فهي تنتمي إلى تيار الواقعية النقدية، رغم بعض الهنات القليلة وهذا أمر طبيعي في أول تجربة للروائي، بالتأكيد سيتجاوزها في أعمال إبداعية لاحقة.
ــــــــــــــــــــــــــ

1-د/محمد برادة:الرواية العربية ورهان التجديد
2-المصدر نفسه
*كاتب من الجزائر