أكتوبر 23, 2018
  • أكتوبر 23, 2018
يناير 19, 2016

تحليل رواية “ديسكولاند” للروائي “أسعد الجبوري” حسين سرمك حسن

By 1415 2397 Views

 (هل كان الأبطال على الدوام موضع شبهات، ولا يتحرّرون من اللعنات التي تلاحقهم إلا بالتضحية الشاملة ؟
هذا ما فعله الكثيرون . وكأن لا جواب مقنعا لنفي تلك التهم والافتراءات عنهم ، إلا بتدمير أنفسهم ، والإنتقال بها من عدم الحياة إلى بطولة العدم ! )
# (الكائن البشري ليس غير موظف يعمل في خدمة ذكرياته على الدوام )
(إن مجموعات بشرية تحب العزلة، وتفضل معاشرة الكلاب على الإختلاط بالشعوب الأخرى ، حريّ بها هذا المجد : تعيش في غابات نباح . فالحضارة مثل المخلوق الحي ، متى ما شعر بتخمة الإستعلاء ، يكون قد أجهز على نفسه بمصير مغلق أو غامض )
# (أجل يا آدم. فالعنصرية تراث من طراز معقّد. وهي ضربة قاضية لماهية الإنسان.
الشرق الذي هربت من عبودياته المختلفة، لتلتجيء للغرب الديموقراطي المفتوح، سيستعيدك ذات يوم، مادمت ترفض عبودية الغرب لك. لذلك ترى الإثنين – الغرب والشرق أقصد – يدفعان بك إلى الحفرة. فحيث ترفض استعبادية الغرب، يضغط عليك الفرنجة، لتعود إلى مواقعك الأولى عبداً لأنظمة ما تزال مُستعبدة من قبلهم. وتاليا لتكون منضبطا داخل السرب. إنها ينابيع الاستبداد القديمة. ولكن تذكر أن من يبتسم لك في هذه البلاد، إنما يشتم سلالتك في أفضل تقدير أو احتمال).

أسعد الجبوري
رواية “ديسكولاند”

(Take me up up up and away
Where the music is my fantasy
Take me up up up and away
Where fantasy turns reality
oh captain and take my hand
and lead me to the discoland
so i can do all the things ive been longing to do
ohh, let me hear you sing now
hey.. ohhhh
hey hey hey….
hey.. ohhhh
hey.. ohhhh
discoland
You got me
You need me
Just you take good care of me
and loosing
Its happening
I want everyone to be free and easy..)
Happy Hardcore – Discoland Lyrics
Album

تمهيـــد :
———-
إن الموضوعة التي يعالجها الشاعر والروائي العراقي “أسعد الجبوري” في روايته الأخيرة “ديسكولاند” هي موضوعة متفرّدة لا أعتقد – وبقدر متابعتي للإنتاج السردي العراقي والعربي – أن كاتبا آخر غيره قد عالجها بهذه السعة والدقة والشمول. فقد تصدى اسعد لمعضلة هائلة، لعل أول علامات صعوبتها المضنية، هي أنها أقرب للأطروحات الفلسفية والفكرية منها إلى الأطروحات الاجتماعية والنفسية، التي تكون أكثر يسرا على الروائي عند التعاطي معها سرديا ، فالفن ليس من مسؤوليته التنظير الفكري والتأطير الفلسفي للمعضلات الوجودية، بالرغم من أنه يغوص في أعماقها، وقد يستبق المختصين في كشف إرهاصاتها والتقاط نواها الأولية ؛ واجب الفن هو أن يلتفت جماليا إلى أوجه الشقاء البشري – وهو أكثر بكثير من نعيمه وأولى منه – لـ “يصوّره” بأكثر الصور نفاذا مؤلما وقاسيا في النفس البشرية، وليهز عن هذا الطريق أسس التفكير ومقومات العقل . فدستويفسكي – مثلا – لم يطرح في روايته الجريمة والعقاب على سبيل المثال افتراضات نظرية تمهيدية حول العدالة وصراع الخير والشر، ثم يأتي بحادثة قتل بطلها راسكولينيكوف للمرابية اليهودية من أجل تحقيق “مشروعه” في تخليص سونيا – كأنموذج فردي واحد مسحوق – من مهانتها وفقرها بعد امتلاك المال ، بل طرح الحادثة الجرمية الدامية وضمنها المعطيات الفكرية المريرة والشائكة التي يؤمن بها، والتي شوّشت ذهنه وأربكت حياته هو أولا قبل المتلقي . وقد حاول أسعد الجبوري جاهدا في روايته “ديسكولاند” هذه، أن يمرّر رؤاه الفكرية حول محنة عالمية مريرة لم تأخذ حظّها الوافي من البحث العلمي والإستقصاء النفسي والتناول السردي عالميا بشكل عام، وفي الحياة الغربية، وهي المعنية بها أساسا بشكل خاص . وحين يمضي القاريء مع وقائع الرواية الكثيرة المتراكبة ذات الإيقاع اللاهث، فإنه قد يشعر بأن المعضلة بعيدة نوعا ما عن الهموم والإنشغالات اليومية الوجودية والنفسية والاجتماعية، وحتى السياسية، التي يتقلب على جمرها منذ مئات السنين. فقد يتصور هذا القاريء ذو النوايا البريئة أن محنة “العنصرية – racism ” قد انطوت صفحتها بدرجة كبيرة جدا في القرن الحادي والعشرين، الذي دخلنا بخطوات قلقة ومرعوبة عقده الثاني. وفي الغرب – وعلى مستوى المرجعيات السياسية والبحثية المؤدلجة بشكل خاص– يبدو أن العقل يعيش حالة من “الإنكار – denial” و”المقاومة – resistance”، وهما آليتان دفاعيتان نفسيتان يلجأ إليهما الإنسان لاشعوريا لتخفيف حدة الشعور بالقلق المرتبط بالإحساس بالإثم في المواقف الفكرية والسلوكية التي تثيرهما. إن العقل الغربي يعيش في ما أسماه المفكر العراقي الراحل “علي الوردي” بـ “القوقعة البشرية”، وهو مصطلح اجترحه كمرادف لمصطلح (الإطار الفكري)، الذي يحيط بعقل الفرد ووجوده، ويحدد مسارات إدراكه وأحكامه. وهذه القوقعة تكون في أوج قوتها في سنوات الطفولة المبكرة. وكلما كبر الإنسان وزادت تجاربه ضعفت فيه هذه (النظرة القوقعية) ولكنها لا تموت أبدا. ويصعب على الإنسان التخلص من قوقعته مهما حاول، فهي تكتنفه بصورة لاشعورية، وتخلق نوعا من (الغربال اللاشعوري) يغربل الأقوال التي تُقال عن شخص فلا يدعها تصل إليه على حقيقتها. ويتساوى في هذه القوقعة في النوع العامة والمثقفون ورجال الدين وقادة السياسة والزعماء والفلاسفة ولكنهم يختلفون من ناحية درجتها. فـ (الظاهر أن الفلاسفة لا يختلفون عن العامة في هذا. مزية الفلاسفة أنهم يتكلمون فلا يرد أحد عليهم مخافة أن يتهمه الناس بالغباوة أو الغفلة أو الجهل. ولهذا ملأ الفلاسفة القدماء كتبهم بالسخافات وصدق بها الناس. ولو جمعنا الفلاسفة في صعيد واحد، وقلنا لهم اتفقوا على رأي صحيح نصلح به الناس ، لتجادلوا وتخاصموا .. ولظن كل منهم أنه أتى بالرأي الصواب) (2).
ومن الواضح أن هذه القوقعة المحيطة بالعقل الغربي جمعيا وفرديا، تتصلب طبقاتها، وتتشابك أذرعها الأخطبوطية يوما بعد يوم إلى الحد الذي تشوّش فيه النظرة العلمية، بل تعمي البصيرة قبل البصر في التعامل مع المعضلات، التي تحاصر المصير البشري في المجتمع الإنساني. وقد أوصلت هذه القوقعة الغرب، حكومات ومجتمعات، إلى انتقائية مرضيّة عجيبة. تصوّر أن الغرب قد اعترض على الحكومة العراقية لأنها رسمت صورة السفاح (جورج بوش الأب)، قاتل الأطفال حسب وصف الجواهري الكبير في قصيدته المعروفة، على مدخل فندق الرشيد بحيث يدوسه من يدخل إلى الفندق، وعدّوا هذه الخطوة مضادة للديموقراطية ولحقوق الإنسان (قتل هذا المجرم 400 طفل عراقي في محرقة العامرية)، في حين أنهم يعدّون رسم صورة النبي محمد (ص) على هيئة خنزير من قبل رسام دانماركي من باب الحرية الشخصية، وشجبوا ردود فعل المسلمين الساخطة التي كانت “غذائية”، لم تتجاوز مقاطعة الجبنة الدنماركية!!
وقد حاول أسعد الجبوري، بجرأة ومهارة فنية عالية، وعزم سردي لا يلين، وعبر (356) صفحة من الوقائع المريرة المتلاحقة الصاخبة ، تمزيق البراقع عن “قوقعة” العنصرية التي باتت تخنق المجتمعات الغربية، وترسم سلوكياتها بتعسف، وبما يلحق أفدح الأضرار بالمجتمعات الأخرى، برغم أن الجميع هناك لا يقوى على الإعتراف بها.

وحيداً في صقيع الديسكولاند :
——————————
تبدأ الرواية بعرض الحال الموجع لـ “مالك” المهاجر من بلاد ما بين النهرين إلى بلاد الصقيع الإسكندنافي، والمستقر حاليا في بلاد “الديسكولاند” عاملا في حوض بناء السفن لعشرة أيام كان من المنتظر – وكنتيجة متوقعة – أن يتكيّف مع متطلبات المجتمع الجديد مقاوما جفاف الإغتراب وموجات الموت المبكر كما يقول، إلا أنه لم يستطع تحقيق ذلك . لقد عاش نهبا لمشاعر الإغتراب عن ذاته وعن محيطه ، وعالقا في مصيدة دوامة اجترار الأفكار والذكريات السود التي تنبثق من جوف الإحساس بالعزلة الخانقة :
(… ذلك ما حدث معي طوال سنوات الإغتراب ، فقد بت أشعر بأن وجودي الشخصي ليس إلا كومة عظام معلقة على ظلام متحجر، مما دفعني لخوض المعارك تلو المعارك مع رأسي لمحو تلك الصورة ، خاصة في اللحظات التي أرفع فيها صفائح الحديد لوضعها على سطوح الرافعات الضخمة. كانت فكرة تحوّل المرء إلى مخلوق من مواد صلبة ، هو ما كان يفتتني ويرعبني في آن واحد – ص 10 ) .
في الوقت الذي رفض فيه وجوده الكلي ، روحا وعقلا، تقبّل المكان الجديد وكأنه جرثومة مميتة، فإنه لم يستطع خلع ذكريات المكان القديم. وهذا الصراع هو الطريق المستقيمة نحو الكارثة بالنسبة لأي مهاجر. وإذ استولى هذا الصراع على عقل مالك ووجوده بأكمله، فإن النتاج الطبيعي هو الغرق في خضم ذكريات وتأملات متلاطمة يكون تمظهرها الاساسي هو “الشرود” الدائم والثابت، الذي لفت إليه أنظار المشرفين على العمل برغم نشاطه وطموحه. ولهذا السبب استدعاه الآن مدير حوض بناء السفن (السيّد فرانك) إلى مكتبه. وفي محاولة لتخليصه من “مرض” الشرود هذا، طلب منه المدير أن يتحدث إليه عن طفولته، فهي مصدر تيار الذكريات والأفكار التي تتضارب في ذهنه وتمنعه من التركيز على المتغيرات المحيطة به. وفي استدعائه لطفولته يستذكر مالك الكيفية التي نُفخت فيها طقوس ولادته، لتمنحه وجودا اصطناعيا متنفجا، مخلوعا من حضن أمه الحاني، ومرميا في أحضان ذكورية خشنة وقاسية، حيث تُمنع عليه الرضاعة من ثدي أمه المنعم وتُفرض عليه الرضاعة من النوق مباشرة ليصبح أكثر جلدا على الآلام وأكثر تحملا لمشاق الحياة. وبدلا من أن توزع الحلوى على الناس فرحا بولادته، وزعت البنادق والأعتدة لتشتعل سماء المدينة بأضواء الرصاص. وعوضا عن نحر الخراف، قُطعت رقاب الأعداء من أسرى القبائل وسجنائها ممن كانوا محتجزين في قلعة جدّه (ص 15). لقد خُلع من حضن الأمومة (الأنوثة المسالمة والعادلة والمتصالحة مع ذاتها ومع الطبيعة- humanbeing among nature) الفردوسي وألقي في حضن جدّه (الذكورة المعادية والمنحازة والمتصارعة ضد ذاتها وضد الطبيعة- humanbeing against nature ) في محاولة مستميتة لنفخ ذاته بمقومات ذكورة اصطناعية افتقدت أهم ركائزها متمثلة في النمو الطبيعي الراكز في فردوس الأمومة أولا. والطفل الذي لا تدرّبه يد الأمومة (الأم هي المعلم الأول وجوديا وفلسفيا) أولا على الحب، لن يصبح قادرا على محبة نفسه، ولا على التناغم مع مشاعر الآخرين. ولهذا عاش مالك، وهو يشعر بعزلة قاتلة، وهو وسط أهله وقومه وعلى تربة وطنه، حالما – بفعل الحرمان – بالبحر كرمز مكافيء للرحم الأمومي المفقود ومنذ سنوات طفولته الأولى، عابرا إليه – لأن بيئته صحراوية جرداء – من زرقة، والزرقة لون الأمومة، عالم إرهاصاته الداخلية ، عالم مائي يذكّر بالرحم الأمومي الحاني :
(شعرت بالوحدة. أجل يا سيّد فرانك، لم أحس بتعاطف مخلوق واحد مع طفولتي. لكن، وعلى الرغم من أن جدّي لا يملك من البحار بحرا، وهو ما كان ينقصه بالفعل، إلا أنني استطعت تخيّل البحر للمرة الأولى… لا أعرف كيف قفز ذلك المشهد الأزرق الشاسع لدماغي آنذاك. فقد تخيّلت السفن بيوتا مشيّدة تمشي على سطح المياه.. قد يكون السراب الصحراوي هو الذي أوحى لي بتلك الصورة – ص 15) .
هنا تتقطع أنفاس المدير ويسقط منهارابرغم أنه لم يسمع سوى جزء بسيط من طفولة مالك المفقودة، وتنقله سيارة إسعاف إلى المشفى. ومن هنا- وعلى امتداد مسار الرواية الطويل- قد يقع القاريء في مصيدة تصوّر سطحي ومباشر مفاده أن حادثة انهيار المدير واحتباس أنفاسه هي حركة ساخرة مبالغ فيها من أجل إضفاء روح فكهة على مناخ الرواية. لكن ما سنراه يشي بخلاف ذلك. وسيثبت التحليل أن ما سنحيا في خضمّه هو ليس من نوع الكوميديا السوداء إلا بالقدر الذي توقعنا في شباكه مقاوماتنا ونزوع عقلنا التبريري (الإنسان ليس كائنا منطقيا بل تبريريا- not rational but rationalized humanbeing ). نحن نقف مع أسعد على عتبة (أقصى الواقع) والتي سنواجه بعدها (الجنون) ممنطقا ومعقلنا كما سنكشف ذلك.
يهرب مالك من مكتب المدير وهو مغيّب الوعي بفعل الخمرة، والخمرة واحدة من سبل ترميم الواقع النفسي الممزق للمهاجر غير المتكيّف. ومالك في حالة هجرة (دائمة) منذ أن اكتوى بنيران الهجرة المريرة الأولى من حضن الأمومة (الأنوثة) إلى حضن الذكورة. وضمن “مرض” السفر الدائم في الزمان أو المكان أو كليهما، والذي يترتب على صدمة الإنخلاع من الحضن الأمومي، تأتي دوامة “السفر” في “بحر” الذاكرة العارم والخطير. لا تمر لحظة على مالك دون أن “يسافر” تائها في محيط ذاكرته الهائج ، فمن تصوّر نفسه كلوح سومري أصابه الإضطراب في لحظة غامضة من الزمن، فجاء محمولا إلى حوض بناء السفن الإسكندنافي الصقيعي، إلى التفكير بتشييء ذاته إلى كمنجة أو آلة تنطق.. فتصوّر نفسه صاحب جيش جرار منهك.. وغيرها من الهواجس والصور المتلاطمة التي تعبر عن القلق من اهتزاز صورة الذات وعدم ثباتها؛ هذا القلق الذي جسّدته الصورة التي رسمها وعيه المشوش ببلاغة عبر التساؤل:
(كيف لنطفة شرقية مثلي أن تغادر رحمها الطبيعي، فتصبح قشّة في هذا التيه المخيف الموحش؟ – ص 6) .
ولم يكن بحثه عن فردوس رحمي جديد- بحريّ هذه المرة- معوضا بكفاية عن حرمانات حياته القاسية الماضية، فقد جاء صقيعيا ليمثل الطرف القصي من المتصل – continuum البيئي، صقيع مقابل صحراء؛ صقيع يجمد أوصال الروح قبل أطراف الجسد؛ صقيع حتى العمال من المواطنين الأصليين يرفضون العمل فيه في حين يُنسب العمال المهاجرون- ومالك منهم- للعمل فيه كخطوة أولى في التمييز في العالم الجديد. عالم لم يكن له فيه من خلٍّ غير المصطبة الحجرية في وحدة مروّعة لم يخدشها سوى حضور رجل ضخم جاء ليجلس إلى جواره على المصطبة. كان مالك يتوقع أن هذا الرجل سوف يخفف وحشته القاتمة، لكنه مد يده لمداعبة عضوه التناسلي!! (وسنرى أهمية هذه الإشارة الجنسية التي تبدو مُقحمة لاحقا).
هكذا تتراكم الخيبات الواحدة فوق الأخرى، وعبر عشر سنوات متلاحقات من رحلات “السفر” الدائم المضنية في المكان. ومن هذه الرحلات الفعلية- وليست المتخيلة في أكثرها- هي رحلته مع “جينفرس” التي التقاها مصادفة فقادته في رحلة إلى أقصى الصقيع حيث تعارف جسداهما، هو القادم من الصحراء وهي الراكزة في الصقيع، لتكون نتيجة هذا التعارف، الحامي جنسيا، والمتناشز معرفيا كما تدل على ذلك تفصيلات الحوار بينه وبينها، وهما يستعدان لممارسة الجنس، طفلا خديجا أسماه أبوه “المثنى” تيمنا بثنائية فصيلتين من الجينات التي اتحدت ذات يوم تحت تأثير طغيان من الشهوات المشتركة (ص 31)، كما كان مالك يرى، لكن عاصفة الحب بين الأبوين مالك وجينفرس سرعان ما همدت لتنتهي العلاقة بالإنفصال، وليحيى المثنى وحيدا، ليس بسبب اتفصال والديه عن بعضهما ثم موت أبيه، وهو في السادسة عشر من عمره حسب، بل لأنه واجه مقتا اجتماعيا متصاعدا من السكان الأصليين أوصله إلى عزلة بايولوجية ونفسية مؤلمة. كان الآخرون يسمونه “الخنزير الأسود” ويحملون أمّه وزر تلويث الدم الصافي في اختلاط غير شرعي مع فصيلة دم الشخص الطارىء الغريب (أي مالك). ولم تفلح كل محاولاته الهروبية في تخفيف هجمة العنصرية التي حاصرته من كل جانب. ومن الغريب أن حاله ينطبق على حالة أبيه التي وصفناها سابقا، حتى في التعبيرات اللغوية التي تصور آلام عزلته فقد (تحولت منازل الغرباء إلى ما يشبه أكوام قش تطفو على أسطح مياه لوّثها الطمي الإجتماعي والإنهيارات الكبرى لأحقاد بلغت ذروتها بطوفان العنصرية – ص 32).
إن وجوده، هو نفسه، وجود القشّة التي تتلاعب بها أمواج بحر التيه المتلاطمة. بل يصل التطابق حتى المماهاة – identification الكاملة في الإنفعالات النفسية حيث عاد الإبن إلى المعاناة من رحلة “السفر” المزمنة في المكان! مثلما عانى منها الأب الذي أوصى إبنه بخلاصة تجربته الإغترابية بقوله :
(لو بحثت عن العدالة الشاملة على الارض يا مثنى، فلن تجدها إلا نسخة مستهلكة لعالم أحرق صورتك حتى قبل أن تولد أو يرى ملامحك من قبل. فالأرض التي تحت قدميك الآن، يا بني، ستكون مستنقعا آسنا، تتصاعد منه رائحة العزلة. فالإندماج، وعندما يصبح قبرا مثاليا، فما عليك إلا مغادرة المناطق المشيّدة على أساس محو الآخرين. تذكّر ذلك يا ولدي، ولا يأخذك هوس الإرتباط بتيه جديد – ص 33).
وبالرغم من أن كل الشواهد المحيطة بالمثنى تؤكد صحة وصيّة أبيه، وآخرها طرده من قسم الإلكترون في كلية العلوم التي تخصص فيها، بسبب محاصرة الآخرين له من أساتذة وطلاب، كانوا يتهمونه صراحة، بأنه يريد إتقان هذا العلم، ليس لخدمة الديسكولاند التي يعيش على أرضها، ولكن لنقل هذه الخبرات إلى بلاده التي ينتمي إليها بروحه وبدمه:
(شرقكم ضدّنا دائما – ص 34)
… إلا أن المثنى كان في رحلة “سفر” متذبذبة تؤرجحه بين قناعتين متضادتين ..
# وقفة : إنه واقع وليس استشرافا :
———————————–
ما وضعه اسعد الجبوري على لسان بطله مالك، وعلى لسان الراوي المستتر، من أن طوفان العنصرية سيكتسح، أو انه اكتسح فعليا، ارض الديسكولاند التي تؤمن بالديموقراطية والحرية والمساواة، ليست فذلكة سردية أو تخييلا حكائيا، ولا هو استشراف قد يضعه البعض في موضع “النبوءة”. إنه نتاج قراءة حقيقية لمتغيرات واقع “الديسكولاند” التي عايشها الكاتب فعليا، كما أن التحليل الدقيق للفلسفة المادية، التي حكمت العقل الأوربي وحركة مجتمعاته منذ عصر التنوير حتى يومنا هذا، تشير بما لا يقبل اللبس إلى أن الخاتمة الطبيعية للفلسفة الغربية هذه في مرحلتيها الحداثية وما بعد الحداثية ليست العنصرية حسب بل الإبادة (إبادة الآخر) أيضا. وصحيح أن الكاتب قد اختار زمناً مستقبليا يمتد من يوم الأربعاء من سبتمبر من عام 2021 إلى صيف عام 2056 لوقائع وأحداث “سوف تجري” على أرض الديسكولاند، لكن كل المعطيات التاريخية والفلسفية والاجتماعية القديمة والراهنة تشير إلى أن هذه الوقائع قد “جرت” منذ قرون وعقود. (وقد بيّن كاتب مدخل العنصريّة في دائرة المعارف البريطانية أنه ليس من المصادفة أن العنصريّة ازدهرت في وقت حدوث الموجة الثانية الكبيرة من التوسّع الاستعماري الأوروبي والزحف على أفريقية (حوالي 1870 م)- وهو وقت ظهور الصهيونية وبداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين.
وقد بيّن المفكر النازي ألفرد روزنبرج- في أثناء محاكمته في نورمبرج- أن العنصرية جزء أصيل من الحضارة الغربية الحديثة، وأكّد لقضاته أن هناك علاقة عضوية بين العنصرية والاستعمار. وقد أشار إلى أنه عثر على لفظة سوبرمان في كتاب عن حياة اللورد كتشنر، وهو الرجل الذي قهر العالم، كما أكد أنه صادف عبارة العنصر السيّد في مؤلفات عالم الأجناس الأميركي ماديسون جرانت والعلّامة الفرنسي جورج دي لابوج، وأضاف قائلا: (إن هذا النوع من الأنثروبولوجيا العنصرية ليس سوى اكتشاف بيولوجي جاء في ختام الأبحاث التي دامت 400 عام) أي منذ عصر النهضة في الغرب وبداية مشروع التحديث. ومعنى هذا أن العنصرية ليست مرتبطة بالإستعمار وإنما بالرؤية المعرفية العلمانية والإمبريالية وبمشروع الإنسان الغربي التحديثي. وقد كان روزنبرج محقا في أقواله، فالمركزية التي منحها الإنسان الغربي لنفسه منذ عصر نهضته باعتباره كائنا ماديا متفوقا على الآخرين، وكيف تصاعد هذا الإتجاه حتى وصل الذروة في القرن التاسع عشر حين أصبحت العنصرية أحد الأطر المرجعية الرئيسية للإنسان الغربي. وظهر علماء مثل جورج دي لابوج الذي أشار إليه روزنبرج، الذي انطلق من نظرية المجتمع ككيان عضوي، وأكد أن الجنس الإنساني لا يختلف عن الجنس الحيواني، أي أن كليهما ينتمي إلى عالم الطبيعة. ولذا دعا إلى أخلاقيات جديدة مبنية على الإنتخاب الطبيعي وعلى الصراع الدائم والبقاء للأصلح بدلا من الأخلاق المسيحية. وانطلاقا من كل هذه المفاهيم المحورية في الحضارة العلمانية، فهذه هي فلسفة داروين ونيتشه ووليام جيمس، طرح دي لابورج تصوره لتفوق الجنس الآري باعتباره الجنس الأرقى الأقدر على الصراع وذبح الآخرين. ولم يكن دي لابورج وحده ضالعا في مثل هذه الأفكار، إذ كان يشاركه فيها جو بينو وهيبوليت تين وجوستاف لوبون وإدموند درومون. وقد روج لهذه الأفكار في ألمانيا أوتو أمون وأرنست هايكل وإدموند فينيننجر (المفكر الألماني اليهودي الذي تأثر به هتلر) وهوستون تشامبرلين (الإنجليزي الأصل). أما في إنجلترا فقد كان هناك و.ف. إدواردز وتوماس أرنولد (والد الشاعر والمفكر المشهور ماثيو أرنولد) وجيمس هنت مؤسس جمعية لندن الأنثروبولوجية الذي ذهب إلى أن الطريقة الوحيدة لجعل علم الأنثروبولوجيا أكثر حيادية هو تحريره من القيم الأخلاقية الإنسانية مثل نظرية الحقوق الداعية إلى تساوي البشر. وكان من أهم المفكرين روبرت نوكس الذي أثرت أفكاره في داروين صاحب نظرية التطور الذي كان من اليسير على دعاة العنصرية أن يتبنوا منظورها اللاأخلاقي كما فعل نيتشه – ص 184 و185 و186 ) (3).
# عودة : قيامة ديناصورات العنصرية :
—————————————
وهاتان القناعتان المتضادتان اللتان يتأرجح بينهما “المثنى” بألم، تستأثران بالكثير من المحفزات؛ منها ما هو داخلي تؤججه ذكريات ورسائل أمه لأبيه مالك، ومنها ما هو خارجي كالذي مثلته الإمرأة التي جلست بجواره في الباص وزرعت في ذهنه عبارات “رسولية” منصفة :
(أصبحنا أشبه بالمصابيح العمياء. فلا تعط لذلك اهتماما. التاريخ ذات يوم، سيضحك منا كثيرا. هل تعرف بأن أوروبا مليئة بفرنجة يحسون بالغربة في بلادهم أكثر من الأجانب. وبفرنجة ملحدون ودمويون وعرقيون، وبفرنجة فلاسفة لا يودون رؤية التعفن وهو يلتهم هذه الأرض التي نسكن عليها، والتي باتت شبه مستهلكة بالتمام – ص 36 ).
لكن عبارات الإمرأة الملاك هذه ما هي إلا قطرة بيضاء وسط لجّة طوفان اسود كان يتمطى لاكتساح البلاد بأكملها. فقد تصاعد نشاط الجماعات اليمينية المناهضة لوجود الأجانب في البلاد، وفي مقدمتها اليد المسلحة الضاربة، “عصابة الثيران الفولاذية”، التي قامت بقتل عشرة أطفال في إحدى رياض الأطفال كلهم من الديسكولانديين، فألبت الرأي العام ضد الأجانب، وأشعلت فتيل برميل البارود، لتبدأ قوانين الفصل العنصري، مترافقة مع حملات قتل الأجانب، الذين امتلأت المستشفيات بجرحاهم وقتلاهم، ومنهم المثنى الذي هاجمه مجهولان برش نوع من الغاز على عينيه. لقد قامت “قيامة ديناصورات العنصرية”- لاحظ أن عنوان الرواية التي سيكلف بكتابتها “السومري” لاحقا هو “قيامة الديناصور”!- كما وصفها المثنى، الذي تجمع الجرحى في غرفته الآن بصفته مدير “نادي الأجانب” الذي كان يدعو إلى التعقّل والتسامح وامتصاص العدوان وعدم إعطاء الديسكولانديين العنصريين الفرصة لمزيد من العدوان، في حين كانت أغلبية من تحلقوا حول سريره تطالب بالرد العنيف المقابل (ما ينقصنا هي المواجهة وليس الغفران – ص 42)، وتستعرض العديد من حوادث التقتيل والإغتصاب.
يتصاعد النقاش في غرفة المثنى لإيجاد حلول منها، مثلا، عودة المهاجرين إلى بلدانهم، فيرد واحد بالقول أن الكثير من المهاجرين لا يستطيعون العودة بسبب الظروف السياسية القمعية في بلدانهم الأصلية. ويكمل آخر برأي أكثر نضجا، وهو أن المهاجرين يؤدون في الواقع واجبا إنسانيا هنا بمواجهة العنصريين الديسكولانديين لأن رياح العنصرية إن انتصرت هنا، فإنها ستجتاح كل شيء، وكل مكان . يعلق المثنى على هذا الرأي قائلا:
(لا أعتقد بأن لدى الأوروبيين فائضا بشريا، ليكون ثمنا لهلوسات عصابات دموية مسعورة مازال هتلر يقودها من قبره. لقد شن النازي الأول حروبه القديمة بأسلحة تقليدية. أما هؤلاء، وإذا ما سيطروا على بلد أوروبي صغير المساحة وقليل السكان مثل ديسكولاند مثلا، فسيسيطرون على أسلحة متطورة وحديثة، يكون ثقلها التدميري شاملا، أسلحة لم تكن معروفة لدى هتلر أو السوفيت أو الإنكليز سابقا.
ولا ننسى استعداد دولة عظمى لدعم هؤلاء، بهدف زعزعة استقرار أوروبا. فهي تريد لبلد ما من بلدان أوروبا بأن يكون سكينا في الخاصرة الأوروبية. لذلك فقد تمكن هذه العصابات من لعب مثل ذلك الدور التأديبي مستقبلا – ص 44 ) .
ومن المهم التوقف على ما يبثه الكاتب على لسان شخوصه من إشارات صريحة إلى العصابات النازية وشيوع مفهومي العنصرية والنازية (مرتبطة بهتلر تأريخيا بطبيعة الحال) في الديسكولاند خصوصا، وفي العالم الغربي عموما. فقد يتصور المتلقي، أن هذه الإشارات متحاملة، أو أنها لا تمتلك مبرراتها على صعيد الحياة الواقعية التي نرقبها في العالم الغربي، والتي تعيشها المجتمعات الغربية في حركتها الراهنة التي تحكمها مفاهيم الديموقراطية والحريات الشخصية. ومن المهم إحالة ذهن القاريء إلى حقيقة مغيّبة وخطيرة تتمثل في أن ما رسخه الغرب في أذهاننا، هو أن النازية هي نتاج “ألماني” نهض به هتلر قبل وبعد تسلمه للسلطة، وأشعل حربا عالمية مدمرة لتمرير أفكاره المركزية المتمثلة في النقاء العنصري والبقاء للأصلح وعبء الإنسان الأبيض وضرورة تعقيم واجتثاث الأعراق “المنحطة” و”الملوثة” و”المتخلفة” كاليهود والزنوج والعرب والغجر .. إلخ. يجب التنبه إلى أن النازية هي نتاج طبيعي للفلسفة المادية التي حكمت العقل الغربي منذ عصر الأنوار والتي بدأت بتمجيد مركزية الإنسان، لتمر وتتصاعد بإعلان موت الإله، ولتنتهي الآن بإعلان موت الإنسان.
يذهب المثنى إلى شقة عشيقته السابقة “فيبيكا” لاستعمال الهاتف بعد أن عُطّلت جميع هواتف الأجانب تحت حالة الطواريء التي فُرضت على البلاد بعد اغتيال ملكها بتدبير من الحركات والعصابات النازية والعنصرية التي سرعان ما ألصقت التهمة بالأجانب. وبدأت الحملة الدموية “الوطنية” المسلحة لاجتثاث الأجانب من البلاد. وفي شقة فيبيكا يحاول المثنى سبر نوايا صديقته في هذا الظرف العصيب. يحاول امتحان التاريخ والجغرافيا في مساحة غرفة، وفي سرعة تشبه سرعة البرق (ص 54)، حسب التعبير الموفق للكاتب، الذي يورد هذا الحوار البليغ بينهما:
(فيبيكا: أنتم مجموعة تواريخ نختصرها بعبارة واحدة : الجثة التي لابدّ لرائحتها من الإختفاء. قد لا يليق بي أن أتلفظ بهذه النفاية .. ولكن ماذا نفعل ؟ أصبحت أفواهنا أشبه بالبراميل التي لا يتكدس فيها غير الهراء المتعفن الذي سيخنقنا ذات يوم قادم ؟
المثنى: نحن لا نخاف من هذه الإندفاعات ولا نريد حلا مؤقتا لنزع الفتيل، لأن الضرورة تقتضي من الطرفين حلا حضاريا. بعد ذلك، يمكن التوجه نحو المقبرة للمشاركة في مراسم دفن الصراع. الآن نرى العكس، فهنا من يسعى إلى النفخ في جثّة الديناصور العنصري العرقي الفاشي النازي، بهدف تحريك الدم في عروقه وإعادته للعمل على الأرض.
…………….
المثنى: مازال جنوب العالم يلملم شظايا أطراف جسده المبعثرة. ويعجز عن الدفاع عن كيانه. أنتم تحاولون وضعه خارج الخندق. تريدونه مكشوفا في العراء، علما بأنه ليس بذلك المارد الأسطوري الذي يحمل على ظهره كل ما استطاعت التكنولوجيا أن تنتجه من أسلحة وتقنيات. إنه لا يملك شيئا من ذاك القبيل. فعلام تهويل ذلك بحق السماء؟
فيبيكا: ما نخشاه نحن ليس ماردا من مردة التسليح التكنولوجي، بل من المارد الديني المضاد الذي بدأ يتشكل في الرحم الأوروبي ويتمدد في مختلف الخلايا.
نحن خرجنا على الكنيسة. تركناها متاحف وأطلالا مهجورة كما ترى. لقد قتلنا الربّ واسترحنا، بعبارة أدق: ضيّعناه منذ زمن بعيد، ولا نمتلك الرغبة بعودته من جديد. أنتم تصرّون على أن نعيده مرة أخرى إلى دياره، ونحن نرفض ونحاول المقاومة.
– هذا ليس هو الجوهر. الغرب استبدل الله بأسلحة القوة، ويحاول انتزاع الجنوب من جذوره القديمة، أي بجعلهما خاضعين لترسانة شرائعه المُنتجة من الحديد والمظالم. فالله الذي مات لديكم، صيّرتموه جنرالا مسلّحا للقرصنة والسيطرة وللإخافة. لذلك يا عزيزتي، فكل الصراع يتعلق بمن يحكم العالم. صورتنا الراهنة، صورة عبيد جديرين بالطاعة وحسب، هذا إذا كنتم تحتاجونها فعلا. فالطاعة المتناهية إلى حدود محو الكيان، تثير القرف في أنفسكم، لأنها تمنع الحاكم من التلذذ بالهلع الذي ينتاب المحكوم بالموت.
– أراكَ متأكدا من هذا .
– منذ زمن بعيد. فالإنسان الشرقي هو االتلميذ الفارغ. التلميذ الذي لا ينجو من عقوبات الأساتذة الفرنجة على تخلفه ودونيته التي يريدون منه أن يحملها إلى قبره. هذه هي أغلب مدارس الغرب وأفكارها. إنها الطعام الصحي الوحيد للعقل الشرقي، أو لبقية عقول مجمعات التخلف في العالم الثالث. أليست هذه حقيقة يا فيبيكا ؟- ص 57).
وقفة :
———
(وقد أشار المؤلف المسرحي ورئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا “فاكيلاف هافل” – الذي رحل هذا الأسبوع – إلى ما أسماه “إسكاتولوجيا اللاشخصي”، وهو اتجاه نحو ظهور القوى اللاشخصية والحكم من خلال آليات ضخمة مثل المشروعات الضخمة والحكومات التي لا وجه لها، والتي تفلت من التحكم الإنساني، وتشكل تهديدا كبيرا لعالمنا الحديث. ويبيّن هافل أنه لا يوجد فارق جوهري بين شركات كبيرة مثل شل وآي. بي. إم والشركات الإشتراكية الكبرى، فكلها آلات ضخمة يتزايد غياب البعد الإنساني منها. ولذلك تصبح مسألة طابع الملكية هنا، أي ما إذا كانت فردية أم جماعية، رأسمالية أم اشتراكية، إشكالية غير ذات موضوع.
وحينما سئل هافل عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع أجاب قائلا:
(هذا الوضع له علاقة ما بأننا نعيش في أول حضارة ملحدة في التاريخ البشري. فلم يعد الناس يحترمون القيم الميتافيزيقية العليا، والتي تمثل شيئا أعلى مرتبة منهم، شيئا مفعما بالأسرار. وأنا لا أتحدث هنا بالضرورة عن إله شخصي، إذ إنني أشير إلى أي شيء مطلق ومتجاوز. هذه الإعتبارات الأساسية كانت تمثل دعامة للناس وأفقا لهم، ولكنها فُقدت الآن. وتكمن المفارقة، أننا بفقداننا إياها نفقد قبضتنا على المدنية، التي أصبحت تسير بلا أي تحكّم من جانبنا. فحينما أعلنت الإنسانية أنها حاكم العالم الأعلى، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بعده الإنساني- ص 150 ) (4).
# عودة : العنصرية تشتعل.. تساؤلات سردية :
———————————————-
بعد عملية اغتيال ملك الديسكولاند من قبل عصابات “الثيران الفولاذية” العنصرية الديسكولاندية، استولى زعيمها “جو كريس” على الحكم، فعاث في الأرض فسادا، حيث شملت إجراءاته العنفية القمعية الجميع بلا استثناء، مهاجرين ومواطنين أصليين، بالرغم من أنها كانت موجهة أصلا ضد الأجانب. وهذه سمة مركزية في الديكتاتوريات العنيفة التي لا توفّر في عنفها أحدا. وهذا ينطبق على الأنظمة والأيديولوجيات العنصرية التي تبدأ بفرز الأعراق والإثنيات “الملوّثة” وتعمل على تخليص الجسد الوطني النقي منها، لتنتهي بتمزيق هذا الجسد الوطني نفسه. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك هي النازية- وأكرر أن النازية هي النتاج الطبيعي للفلسفة الغربية المادية* – التي وصلت إلى سدة الحكم في ألمانيا وضمن شعاراتها تطهير الجسد الألماني من “الشوائب” الإثنية التي علقت به كاليهود والغجر .. لكن الديسكولانديين المخلصين أفرادا وجماعات ومنهم منظمة “الأرض للجميع” التي أسسها العم “هنترسين” وذراعها المسلّح الذي تزعّمه “طوروس” وهو مهاجر أجنبي من أصدقاء المثنى عُرف عنه التهوّر والميل الشديد للمغامرة المنفلتة والعنف الجامح. وبمساعدة (لوزانا)؛ زوجة الحاكم العسكري الجنرال (جو كريس) وعشيقة طوروس، يتم اغتيال الحاكم العسكري، وتتحرك الأحزاب والمنظمات الوطنية وبعض المنظمات العنصرية المنشقة مثل منظمة “HR” النازية برئاسة “وليم فير” الذي قتل في خضم الأحداث الأخيرة.
في النهاية، استطاع طوروس إنقاذ العائلة المالكة التي خطفتها الجماعات العنصرية المسلحة، والإستيلاء على مقاليد الحكم، لتبدأ مرحلة ديكتاتورية عنصرية مظلمة في أرض الديسكولاند؛ مرحلة كانت نواها تتململ وتنمو في تربة الديسكولاند نفسها، تحت طبقة كثيفة من الممارسات الديموقراطية، التي لم تكن قادرة على منع التيارات العنصرية من أن تنمو “ديموقراطيا”، وتقوى ويشتد عضدها حتى أنها قفزت إلى سدة السلطة، واستولت على مقاديرها. ولكن- هنا أيضا، وعند هذا الموضع من الرواية- تثور معضلة فكرية وسردية. فعلى امتداد المسار المقبل من الرواية وهو طويل سيكون مثال الطغيان والعنصرية والديكتاتورية باقسى صورها الدموية البشعة هو “طوروس”، المهاجر الأجنبي سابقا، والمواطن الديسكولاندي كما يُفترض حاليا.
فما الذي يبغيه الروائي من اختيار هذا الأنموذج؟
كان من المفروض، واتساقا مع سياق وقائع الرواية، أن يخيّم على البلاد شبح عنصرية وطغيان يمثله “جو كريس” (عصابة الثيران الفولاذية)، أو “وليم فير” (عصابة HR النازية) كنتاج طبيعي للتربية العنصرية المستترة والمعلنة، التي كان المواطن الديسكولاندي يترعرع على إفرازاتها السامة منذ نعومة أظافره. ولكن الروائي اختار مهاجرا أجنبيا، وصل أرض الديسكولاند، ومنح جنسيتها، ولكنها لم تستطع معاونته- كما كان يتوقع- على التكيف مع مقومات الحياة فيها، والذوبان في بُوتقتها الإجتماعية. لقد جاء إلى أرض الديسكولاند هاربا من جحيم بلاده، متصوّرا أنه سيظفر بمحطة الفردوس النهائية، حيث قانون الأمومة المفقود الذي لا يفرق بين الأبناء الذين سينعمون بالهناءة والأمن والسعادة. ولكن “الأخوة” المهاجرين الذين نبذهم الرحم الأمومي من مواطنهم الأصلية، قد يجدون عذرا لهذا النبذ على المستويين الشعوري واللاشعوري. فعلى المستوى الشعوري الظاهر، عانى هؤلاء “الأخوة” من القمع والإضطهاد من جانب، مثلما عانوا من شظف العيش في بلدان بعضها يطفو على بحيرات من الثروات في مفارقة عجيبة- بعضها أسطوري تعرض للسلب والنهب الغربي المباشر وغير المباشر- من جانب آخر. وعندما وصلوا “الأرض الموعودة” كانوا ينظرون إليه كرحم بديل. لكن ما صدموا به هو أنموذج مواز للنبذ والتمييز ومجافاة الأهداف المعلنة والمغوية التي اجتذبتهم. لقد أسهموا بفاعلية وحماسة- بالرغم من أنهم يؤمّنون في الوقت نفسه سبل عيشهم- في ديمومة عجلة الحياة في هذا البلد الذي هاجروا إليه وحملوا جنسيته. لم يعيشوا ككائنات طفيلية على جسد “الوطن” الجديد، تمتص دمه وخيراته. إن من حق أبناء أي وطن أن يشعروا بمنافسة “أوديبية” من “الأبناء” الوافدين الدخلاء، وأن يتحسبوا من أن يستولي االأبناء الدخلاء على فردوس الرحم الأمومي ويصادروا نعمه وظلاله الحامية والحانية ويستأثروا بها. لكنهم كانوا يرفعون شعارات ديموقراطية برّاقة تصوّر وطنهم/ الرحم الأمومي المنعم الذي ينعمون بأمانه، وكأنه جنة / ملاذ آمن تجذب الأبناء المهددين في مواضع أخرى وتغويهم باللوذ بها. ولكن ما حصل هو العكس، فقد واجه الأبناء “الدخلاء” قسوة أبوية ممزوجة برفض أمومي صادم، زرع في أعماق نفوسهم الخيبة والخذلان، وجعلهم يصابون بإحباط مضاعف. فإذا كانت الهجرة من الوطن/ الرحم الأمومي الاًصلي مبرّرة من بعض الوجوه، بفعل شراسة القمع الأبوي ودمويته (الأسباب السياسية)، أو بفعل ضياع فرص العمل وغلق أبواب المستقبل في وجه الشباب خصوصا (اسباب معيشية)، أو أن نزوعا شديدا نحو آفاق ومديات أكثر سعة وتألقا في المسيرة المهنية (أسباب مهنية وعلمية)، تسوق الفرد للهجرة، فإن الرفض الذي يواجه الابناء المهاجرين من قبل “الوطن”/ الرحم الأمومي الجديد غير مبرّر، خصوصا وأنه يرفل بشعارات جذب عن العدالة والنمو والرفاه والتسامح، تقف على النقيض من محددات الواقع السابق الذي هجروه. وهذا الرفض لم يكن في الديسكولاند حالة فردية عابرة أو موقفا شخصيا طارئا. كان موقفا جمعيا تقريبا عبّر عن روحه الروائي في فقرة (غبار النص)، التي طرح فيها الكيفية التي عرض فيها تلفزيون الديسكولاند لقاء أجراه مذيع محرّض مع ثلاث عجائز:
الأولى : لقد أكلوا طعامنا وأنهكوا أعصابنا بوجوههم المظلمة..
الثانية : يريدون تحويلنا إلى أفارقة .. تصوّري أنك لا تجدين قالب كاتو ولا شموعا ولا شمبانيا ولا هدايا في عيد ميلادك التسعين.
الثالثة : هل تقبلين أن يمشي وراء جنازتك أي خنزير من تلك الخنازير الأجنبية الوسخة؟
الأولى : لقد منعت أحدهم من تنظيف طيزي ، كيلا يلوثه بيديه – ص 51) .
كما أن مديات العنف المتصاعدة، لم يكن لها أن تتأجج بهذه الصورة المسعورة قبيل وبعد الإنقلاب العسكري، لو لم تكن هناك حاضنة اجتماعية ونفسية ترعرع في كنفها ووفرت له شروط النمو:
(لم تستطع قوى البوليس الضغط على رجال العصابات وإيقاف جنونهم وتوحشهم وانتشارهم المكثف في مختلف المدن. فقد توسّعت حلقات العنف بعد أن تورط الكثير من الديسكولانديين في الصراع. فيما تخندق الأجانب العزل في بيوتهم أو هربوا نحو الريف أو لجأوا لدوائر البوليس طلبا للحماية من هوس الإنتقام المجاني الأعمى الذي راح يستشري بجنون في البلاد – ص 51 ).
صحيح أن “الحشد – crowd “، يوفّر المظلة السيكولوجية الجمعية لتحقيق التماهي العام، ولتخفيف الشعور بالذنب بحيث تتفجّر اشد الحفزات عدوانية ودموية في النفس البشرية بيسر وانسعار. في ظل الحشد يمكن أن تحصل أفعال سادية لا يمكن تصوّرها من قتل وسحل وتمثيل (أسقط الباريسيون حجارة الباستيل بأظافرهم وقتل العراقيون العائلة المالكة ومثلوا بجثثها ببشاعة) كما حصل في الديسكولاند- على سبيل المثال – من حرق بشع لجثث الأجانب الذين احتجزتهم عصابة الثيران الفولاذية في الطاحونة. ولكن التأثير النفسي هذا، للحشد، يتاسس عادة على ركائز أولية مترسخة في البنية النفسية البشرية من جانب، وعلى “استعداد” للمجتمع المعني من جانب آخر. هذا “الإستعداد” الذي أثارت غيلانه المجموعات العنصرية. وبالرغم من ذلك لم تستطع هذه الموجة العارمة أن تكتسح كل منابع الإنسانية في النفوس، متمثلة بصورة رئيسية في جماعة الأرض للجميع وبقية القوى التي لم تستطع الإطاحة بقادة الإنقلاب العسكري العنصريين، إلا باللجوء إلى استخدام القوة (إرفع البندقية لنزع البندقية وتحقيق السلام كما قال “ماو”) التي برع في إدارتها “طوروس” المهاجر، الذي استولى على الحكم، وأصبح ملكا، بعد أن تزوج من “شيريهان” – المصرية (أجنبية شرقية ايضا!!) – أرملة الملك السابق “روبن شيفر” الذي تم اغتياله.
ومن جديد، ما الذي يبغيه الروائي من تصميم حبكة وفق هذه الصورة، التي يصبح فيها الأنموذج العملي الأول للعنصرية والطغيان في الغرب، مهاجرا شرقيا، يستولي على الحكم بصورة تقفز على الحيثيات الموضوعية والظروف المنطقية التي تحيط بمجتمع الديسكولاند البحر شمالي كجزء من المجتمع الغربي ؟.
وقبل أن نمضي في تساؤلاتنا يجب أن نضع في أذهاننا أن الواقع السردي يختلف عن الواقع الموضوعي، وقد يفارقه بدرجة كبيرة جدا في بعض الأحيان. هل يريد الروائي تصميم حالة فنّية توضح للديسكولانديين، بشكل صارخ، الكيفية التي ستدمّر فيها العنصرية حياتهم، فيما لو تسيّد على السلطة تيار عنصري في بلادهم ؟ ولكن – ومن جديد- لماذا مهاجر شرقي ؟ هل لأن الشرقيين مهيئين أصلا، وبحكم التجربة التاريخية، للنزعات العنصرية والسلوك الطغياني الدموي؟
قد يكون واحدا من الحلول التي يجترحها النقد، هو أن نبقى مع الروائي في إطار الحقيقة السردية؛ في إطار الواقع الفني المغاير وأحيانا المناقض للواقع الموضوعي “المادي” المباشر. ولكن التأني القرائي، والصبر التحليلي سوف يكشف الرؤيا الفريدة التي صممها الروائي لحكايته الشائكة.
# طوروس الطاغية “منقذاً” :
—————————–
بعد استيلاء طوروس على الحكم، تشهد البلاد أحلك مرحلة في حياتها، من قهر واضطهاد وهدر لكرامة الإنسان. فخلال ساعات عصفت المخاوف بالديسكولانديين ، وبلغت ذروتها القصوى حين شعر الرجال، الذين شاركوا في الحرب ضد العنصرية، بأن الثأر يهرول نحوهم هرولة، كي يقتص منهم، ويسحقهم باعتبارهم مذنبين قطعوا شوطا لا بأس فيه بتعذيب وقتل وإهانة الغرباء (ص 83). وهنا بدأت أوسع هجرة في تاريخ الديسكولاند إلى الخارج عبر البحر بصورة رئيسية.
ومن هذه اللحظة السردية، وقدما، نستطيع ملاحقة المستلزمات والاشتراطات الفكرية والإجرائية (سياسيا واجتماعيا ونفسيا)، لإشادة معمار الديكتاتورية المتقن والكريه، وللكيفية التي يُصنع فيها الديكتاتور الطاغية. وهذا امتياز مُضاف لأسعد.
فأولا على الطاغية أن يصور نفسه كمنقذ منتظر/ مخلّص. ولاحظ أن كل التغييرات الكبرى- والسلبي منها بشكل خاص، نصحو عليه بعد حين عادة بسبب التغييب النفسي للبصيرة البشرية الذي تحدثه اسطورة المنقذ- تقوم على تصوير الطاغية كمخلّص، بدءا من الإسكندر، ومرورا بنابليون وهتلر، وليس انتهاء ببوش الإبن. الطاغية، هو المخلص الوحيد والأوحد، وأي محاولة لمنافسته في ذلك، ستشوه صورته الإنقاذية هذه، لأن التشارك معه في أي صفة يعني أنه “بشري” عادي. أما استئثاره بها، فهو يقربه من صورة الإله، إن لم يجعله إلها فعلا . لذلك كانت أول خطوة قمعية ملحة، قام بها طوروس، هي إعدام رئيسي تحرير الصحيفتين، اللتين نشرتا منشيتات تصوّر “لوزانا”، بطلة وطنية، استطاعت بخبرتها الماكرة ودوافعها الوطنية، أن تسحق رأس الأفعى العنصرية؛ زوجها “جو كريس”.
أما الشرط الثاني، فهو نزع، وحتى سحق القداسات القديمة، وتأسيس قداسات “مدنّسة”، سيعتاد عليها الجمهور الواسع لتصبح “مقدسات” خالصة جديدة. وفي مقدمة ذلك الإستئثار بـ “الأم” أو رموزها ومكافئاتها. من هذا القبيل قيام طوروس بالزواج من الملكة شيريهان أرملة الملك السابق (الأم السابقة). الآن أصبح طوروس أبا رمزيا حتى لو كان مكروها. وبالمناسبة فإن شحنات كره الأب هي الوجه المستتر للعملة الأوديبية في الموقف من الأب.
ثم أن عهد المنقذ يجب أن يتعمد بأضحية ذات مضامين وإيحاءات أسطورية – يتساوى في ذلك، ويا لغرابة النفس البشرية، دور المنقذ في وجهيه الإيجابي والسلبي !- .. يتعمد بدم .. ولا أخطر من مهابة الدم والقلق الذي يثيره في نفوس الأبناء. وإذا كانت ثورة الأبناء المباركة الأولى ضد الأب – وحسب أطروحة معلم فيينا- قد تعمدت بدم الأخير الأمر، الذي خلق شعورا مستديما بالذنب في نفوسهم حتى يومنا هذا، فإن تصدّي الإبن لدور الأب الطاغية، الذي سيثير حسد الأبناء/ الأخوة الآخرين، لابدّ أن يتعمد بدم بعض الأخوة/ الأبناء، لردع أكثرية الأبناءالباقية. وهذا من الإجراءات الدموية الأولى التي قام بها طوروس، حيث جعل وسائل الإعلام، تعلن أن الملكة قد أعادت العمل بعقوبة الإعدام، وأن أول حكم سيُنفّذ، هو إعدام الشابين الأجنبيين اللذين قاما بقتل سبعة من المواطنين الديسكولانديين الأصليين ابتهاجا بالعرس الملكي. إن من المهم جدا أن يُثبت الأب الطاغية، أن عدوانه وشراسته، لن توفر أحدا؛ لا مواطنا أصليا ممن أذلّوه كمهاجر، ولا مواطنا أجنبيا من أخوته المهاجرين. هكذا سيكون الجميع تحت مطرقة الرعب، كمشروع متوقع للتصفية والموت. لابدّ أن يكون المخلّص في وجهيه قرينا للموت لا للحياة. فكونه قرينا للحياة سيشوش صورته وتجعلها ذات مضمون أمومي (أنثوي خصبي)، في حين أن اقتران حضوره بالموت سيحدّد صورته كتمظهر أبوي (ذكوري خاصي).
ولعل من أخطر الإجراءات التي يقوم بها الطاغية، هي أن يعرض “عقاب” الأخوة / الأبناء السابقين على الابناء الآخرين .. على عموم الشعب كما يُسمى . (لم تنم عين واحدة في البلد. كان المواطنون يتطلعون إلى الساعة التي يشهدون فيها قامات أولئك الجناة من الأجانب، وهي تخر أرضا كالشمع الملتهب. لم تر الناس عملية إعدام واحدة في البلاد على مدار سنوات تاريخهم، لذا جاءت العائلات بأطفالها لرؤية ذلك الفيلم الخرافي الأكثر متعة من أفلام كارتون توم وجيري أو أفلام الأكشن. تدفقت الحشود البشرية وكأنها تريد رؤية يوم القيامة – ص 87 ).
حصل هذا مثلا في المدرج الروماني القديم .. وفي عهد روبسبير في فرنسا الثورة التي كن قادتها يفتخرون بأن إصدار حكم الإعدام وتنفيذه لم يكن يستغرق أكثر من خمس دقائق.. وفي إعدامات الرفاق في المرحلة الستالينية.. وفي إعدام القيادات البعثية في عام 1979.. ومع الخمير روج .. إلخ. إن عرض العقاب أمام أعين “الأبناء”، ليس لكي يشهدوا بأنفسهم، على جزاء من يحاول خرق محددات السلطة الأبوية، ولكن لكي يروا بأم أعينهم جزاءهم هم أنفسهم، فيما لو سوّلت لهم أنفسهم خرق المحظور الأبوي القامع مستقبلا. ولهذا كان النظام العراقي السابق، مثلا، يكلف “الرفاق” بتنفيذ إعدام “الرفاق”، رفاقهم، بأنفسهم وبأسلحتهم الشخصية التي سيحتفظون بها في بيوتهم علامة تذكير وحضور لبطش الطاغية، وكرمز لتهييج الشعور بالذنب، الذي سيستولي على ضمائرهم بهذا القدر أو ذاك. ناهيك عن عملية تفريغ ضغوط غريزة العدوان اللائبة عادة، عميقا في النفوس في منسرب “تأديبي”، بدلا من تفجّرها في ممارسات، قد تمس مويجاتها الصغيرة جرف السلطة الأبوية. في العراق تدافعت العائلات لمشاهدة إعدامات أعضاء شبكات التجسس ومعها قدور الدولمة والرز والحلويات !!.
وكانت هذه المناسبة، فرصة لإظهار سمة مهمة من سمات الأخ الأكبر – يذكّرنا هذا الوصف بـ “الأخ الأكبر” في رواية جورج أورويل النبوئية “1984” – الأب الطاغية المقبل، وتتمثل في قدرته، التي لا تردد فيها، على تنفيذ العقاب بنفسه، وكأن يد الأب لابدّ أن تكون “حمراء” ابتداء، وأن تكون يد “الإثم” الاستباقي. ولعل هذا ما حدا بطوروس، إلى أن لا ينتظر إنزال القصاص بالشابين بصورة قانونية، كما هو متوقع، بل استل مسدسه الشخصي – وهو مكافيء لقضيبه رمزيّا – وأردى به أحدهما أمام أنظار الجمهور. ثم طلب من الملكة أن تطلق النار على المتهم الثاني..
نسيان (1) :
————
أخبرنا الكاتب على الصفحة 85 ، بأن اثنين من الأجانب، قتلا خمسة شباب وفتاتين من سكان البلاد في لحظة ثمل شديد .. ثم أكد ذلك على الصفحة 87 بأن عقوبة الإعدام أعيدت وأن محكمة ميدانية شكلت لمقاضاة مرتكبي الحادث الإجرامي الذي أودى بحياة سبعة من السكان الأصليين (وهما رجلان أجنبيان كما قال).. ولكن على الصفحة 88، قال بأن طوروس أطلق النار على أحد المتهمين وأمر زوجته الملكة بإطلاق النار على شخص آخر. فيما تمت حفلة عقاب الآخرين بأيدي الرماة الآخرين !!) .
سياسة التأثيم العام :
——————-
… إن توريط الملكة والآخرين بتنفيذ عمليات الإعدام، ومشاهدتها بأنفسهم، له وجه آخر، فهو جزء من عملية “التأثيم” العام الذي يجعل الجميع مذنبين، تأثيم يحيل الأبناء – المشارك كمنفذ للعدوان، والمتفرج، بل حتى الصامت احتجاجا – كلهم في حالة دائمة وقلقة من الشعور بالذنب الذي يتطلب التكفير والتخفف الذي يدفع – ويا لعجب آليات النفس البشرية – إن لم تتوفر منافذه المناسبة، إلى المزيد من الإيغال في العدوان، الذي يتبعه تضاعف الإحساس بالإثم، الذي يتطلب بدوره التكفير .. وهكذا تدخل شعوب كاملة في حلقة مفرغة لا نهاية لها، قد تستمر عقودا طويلة ، تشهد مسيرة لا تنتهي من العذابات والخسائر والتصفيات. إن نزوع الطاغية إلى إشاعة روح الوجدان الآثم، وتلويث ضمائر الجميع، عبّر عنه طوروس في ردّه على الملكة، بعد أن أمرها بقتل المتهم الثاني، فاعترضت بأن هذا مخطط لتوريطها وزجّها داخل الشرك، حيث قال:
(بالضبط . كي لا تكون هناك يد نظيفة مقابل يد قذرة – ص 88 ).
الطاغية والقدرة الكلية الطفلية :
—————————–
وفي كل فعل يجد عقل الطاغية – وهذه من مميزات العقل البشري المتأصلة – مبررا “منطقيا” لما يقوم به من أفعال وحشية. كان طوروس يتكيء على مخزون عميق لا ينضب من المبررات والأمثلة التي قدمتها له التجربة الديسكولاندية نفسها. فالتحيّز والتمييز والقهر، الذي عامل به مجتمع الديسكولاند، المهاجرين الغرباء، صار دليلا لتمرير الثأر والشعور بالحيف الذي قُمع طويلا في النفوس. لقد كان الغرب – وبـ “عمى نفسي- psychological blindness” سببته القوة المنفلتة والشعور بـ “القدرة الكلّية أو المطلقة – omnipotence”، وهي في حقيقتها من ميزات التفكير الطفلي، والتي في ديمومتها في الحياة الراشدة، تعكس اضطرابا عقليا ذهانيا – راجع تحليلنا لشخصية الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن- سنتوقف عنده لاحقا استنادا إلى أطروحات الروائي الدقيقة ومفهومه الفريد عن “الجنون”–
السور العظيم :
—————
وضمن آليات تعويض الشعور بالنقص الضاربة جذوره في الأعماق الطفلية الهشّة، يعمد الطاغية إلى “البناء” .. بناء يأتي في العادة في هيأة شواهد “ضخمة” و “طويلة” و”مدببة” و”مركبة”. ومن المؤكد أن واحدا من أهداف حملات البناء هذه، هو إشغال الجمهور الواسع إلى الحد الذي لا تتوفر لديه أي فرصة لالتقاط أنفاسه. ومثل ذلك يُقال أيضا عن المناسبات والأعياد الوطنية التي تتضاعف في عهود الطغيان. ولم يترك طوروس حدثا شخصيا إلا وخصص له يوما احتفاليا في حياة شعب الديسكولاند. حتى العملية الانتحارية الفاشلة، التي نفذها ضده مصلّح العجلات “فرانك جون” الذي كان زملاؤه من الراقدين في مشفى المجانين يشكون في كونه يعمل لصالح مخابرات الدولة، جعل لها يوما وطنيا، هو “يوم العملية الانتحارية” الذي جاء ضمن ضمن سلسلة أيام وأعياد وطنية لا تنتهي. وقد يكون إصرار الطغاة على تكثير الأعياد والمناسبات، والإحتفاء بها بضجيج الأبواق والطبول هو للتأكد من أنهم “أحياء”، فالطغاة هم كائنات الموت، كائنات “نيكروفيلية – necrophilic” تهتم بالحديد والأسمنت والحجر أكثر من الإنسان بكثير. ولهذا كانت أعظم الشواهد المعمارية عبر التاريخ مرتبطة بأسماء الطغاة ومن منجزاتهم الفريدة. وهذا ما تمثل أيضا في إصرار طوروس على بناء السور العظيم، الذي يعزل الديسكولاند عن البلدان المحيطة بها. ليمنع عنها الأوبئة والضوضاء، ويحميها من تسلل الغرباء واللصوص، كما كانت دعاية الدولة تشيع عن أهداف بنائه. لكن بناء هذا السور العظيم الذي يشبه سور الصين قد جُنّد له الشعب بأكمله في عمل مرهق ومتواصل جعل بعضهم يفقد عقله ويُصاب بالجنون كما هو حال المواطن “هاري” الذي لم يكن يمارس الجنس مع زوجته “تاستا” ليلة الأحد كي يدّخر قواه من أجل بناء الوطن. لقد جُنّد الجميع بلا استثناء في حملات “سخرة” دائمة، ولم يستثن من ذلك حتى المعاقين الذين بدأت أرواحهم تزهق وأخذت أعدادهم بالزوال (ص 167)، الأمر الذي يذكرنا بالإجراءات التي اتبعها النازيون للقضاء على المعاقين في ألمانيا (تمّ قتل سبعين ألف معاق) لأنهم يأكلون ولا ينتجون. ولم يذكر لنا التاريخ السياسي نظاما طغيانيا واحدا لم يقم بعزل شعبه عن الحياة وعن الشعوب الأخرى، ويضرب ستارا حديديا حوله، ويحجزه في قفص حديدي أو في “علبة حديدية” آمنة لا تستطيع الجراثيم الخارجية النفاذ إليها، و”ربّ حضارة تصنعها الكلاب خير من أجانب لا يصلحون حتى للعواء” كما يقول أسعد. إن الشعوب التي تخضع لقبضة الطغاة الديكتاتوريين المتطاولة، تُصاب بوباء “هذائي” من الناحية النفسية؛ وباء يجعل الجميع يشك في الجميع. ويسري سرطان التشكيك ليس بين الناس الذين لا تجمعهم سوى الروابط المهنية أو الجغرافية ولكن حتى بين أبناء العائلة الواحدة. فقد (أصدر الملك أوامر سرّية لتشديد هيمنة قبضة الأجهزة المخابراتية على البلاد. فمنع انتقال المواطنين بين المدن بدون إذن حكومي مسبق. كما حرّم على المواطن أن يستضيف مواطنا آخر دون إبلاغ دوائر البوليس. هذا بالإضافة إلى قيام الحكومة بتوزيع استمارات خاصة على السكان، لتسجيل أسماء أبنائهم أوأقاربهم من الفارين والهاربين إلى الخارج. بل وأصبح على المواطن أن يقدم تقريرا اسبوعيا عن ظروف وتحركات ونشاطات جاره الآخر. وكذلك فرض تطبيق تلك الإجراءات لتشمل طلاب المدارس والجامعات تحت شعار صريح وواضح: “إذا لم تكن شرطيا للدولة، فأنت جندي في صفوف الأعداء”- ص 185 ).
.. ويمتد هذا الإنهواس الهذائي الشكوكي ليشمل الطاغية نفسه. وفي الحقيقة هو يبدأ منه أولا، بفعل تركيبته النفسية وسلوكه الخياني. ولا يوفّر الطاغية أقرب الناس إليه. كان طوروس يشك في زوجاته، وهن كثيرات قتل ثماني عشر منهن، وفي مقدمتهن “شيرين” أرملة الملك السابق. لقد اتهمها فورا بالتآمر عليه وأنها قتلت طفلها (ولي عهده). كما قام بقتل ولديه من زوجته “سورين كلار” الأميرين “تراكس” و “بلاتو”. ودائما يطيح الطاغية بأقرب مساعديه بصورة متكررة بسبب شعوره بالتهديد الدائم .. وتشيع مصطلحات التآمر والإنقلاب والطابور الخامس والخيانة .. إلخ في خطابات وأحاديث الطاغية .. ثم تمتد العدوى لتشمل هواجس وأحاديث أفراد قيادته وحتى زوجاته.

كلّما صار الغرب أكثر حداثة صار أكثر عنفاً :
——————————————-
أقول كان الغرب بسياساته الإذلالية للشعوب، يقوم من حيث يدري أو لا يدري بعملية “تدريب” لقطاعات واسعة من هذه الشعوب، على سياسات القهر والعدوان والثارات بصورة مباشرة وغير مباشرة. إن “الحداثة” التي رافقت عملية الإستعمار ومرحلة الإمبريالية، دشّنت مرحلة القهر في العلاقات البشرية معتمدة على التأويلات “العقلية” العنصرية حول مركزية الرجل الأبيض، التي حلّت محل مركزية الإله، الذي أعلنت الفلسفة الغربية موته، كان ضحيتها إنسان الهامش : إنسان الجنوب أو الشرق. أما “ما بعد الحداثة” التي رافقت النظام العالمي الجديد والتي أعلنت مركزية المادة/ الطبيعة، التي حلت محل الإنسان، الذي أعلنت الفسفة الغربية موته أيضا، فقد كان ضحيتها الآن، ومن جديد، إنسان هذا الهامش : جنوبيا أو شرقيا أو مهاجرا. والفرق هو أن الاساليب صارت أكثر علمية وتطورا، وبالتالي اكثر تدميرا وإشاعة للخراب. فالظاهرة الملفتة لانتباه الفلاسفة والباحثين هي أن الغرب يصبح اكثر وحشية وعنفا كلما صار أكثر حداثة وتطورا. تصوّر أن الدولة الأعظم والأكثر رقيا ماديا في التاريخ، وهي الولايات المتحدة، هي الدولة الأولى في التاريخ التي أدينت كدولة إرهابية – بهذا المصطلح المحدّد – في التاريخ السياسي، وبقرار من الأمم المتحدة. لنستمع إلى شاهد من أهلها كما يُقال ؛ شاهد ثقة شهادته غير مجرّحة هو المؤرخ والمفكر الأميركي “نعوم تشومسكي”. يقول تشومسكي :
( وبما أن الولايات المتحدة في هذه الحالة، كانت تهاجم بلدا [= نيكاراغوا]، وليس شعب ذلك البلد فحسب [ كما كان في السلفادور، وغواتيمالا، وهندوراس]، كان ذلك البلد قادرا على إتباع وسائل الاستعانة المتاحة للدول. فكان رد فعلها بالطريقة التي من المفروض أن تتبعها أية دولة ملتزمة بالقانون في الرد على الإرهاب الدولي الجماعي: أي اللجوء إلى المؤسسات الدولية. فأول ما فعلته نيكارغوا، هو الذهاب إلى المحكمة الدولية التي أدانت الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي (بسبب استخدامها اللاشرعي للقوة)، ولانتهاكها المعاهدات. فأمرت الولايات المتحدة أن تنهي الجرائم وتدفع تعويضات كبيرة – ص 63 ) (5) . فماذا كان ردّ فعل الولايات المتحدة، أم الديمقراطية في العالم، والمدافعة عن حقوق الإنسان؟ هل انصاعت لقرار المحكمة الدولية كما يُفترض بأي دولة متحضرة؟ الجواب هو: كلا . والأنكى من ذلك هو أنها اندفعت بطريقة حيوانية هوجاء إلى تصعيد الحرب، ولكن على من؟ على الأهداف المدنية .. الموت .. الموت .. القتل .. القتل .. الدم .. الدم .. الدم .. هذا هو شعار الولايات المتحدة الدائم وعبر تاريخها المشؤوم، فانظر ماذا قامت به هذه الدولة الشيطانية كما فعلت لاحقا مع العراق عام 1991، وحسب تشومسكي أيضا: ( وكان ردّ فعل الولايات المتحدة تصعيد الحرب ( بتأييد من الحزبين !! ) فأعطت لأول مرة أوامر رسمية بمهاجمة ما يُسمى بـ “الأهداف اللينة” – مثل المستوصفات الصحية ، والتعاونيات الزراعية ، وما إلى ذلك . وتابعت الهجوم إلى أن صوّت الشعب في النهاية لمرشح الولايات المتحدة الأمريكية رئيسا للبلاد، فتوقف الرعب في العام 1990 – ص 63 ) (6).
طوروس العنصري نتاج عنصرية الديسكولاند :
———————————————
لقد وفّرت تجربة طوروس المريرة في الديسكولاند، والمعاناة التي عاشها الأنموذج العنصري والطغياني، الذي يقيس عليه، ويمدّه بالقرائن التي لا توفّر له التخريجات المنطقية في وجه منتقديه حسب، بل تحقق غاية أكبر، تتمثل في تخفيف الشعور بالذنب الذي تخلقه سلوكياته الدموية عادة، من خلال كونها سلوكيات سابقة ومقتفاة الآن. إن كون فعلا مدانا ما، قد قام به فرد أو مجموعة سابقة لك، يخفف كثيرا من إحساسك بأن زمام المبادرة جاء منك بلا سابقة، لأن كل فعل جديد يثير قدرا من القلق يتناسب مع طبيعته، فكيف إذا كان فعلا دمويا مميتا؟!. لقد اعترضت الملكة بعد عودتها من “حفل” إعدام المتهمين على تصرّف طوروس بكونه يشكل خرقا للقانون وأنه سيلحق اذى بامبراطورية الغرب الديمقراطي، فكان ردّ طوروس حاضرا:
(وهل ترغبين أن نتحوّل إلى هنود حمر في أوروبا؟ – ص 89)
فلو استمرت هجمة مواطني الديسكولاند الأصليين على الغرباء، لأعاد التأريخ الذي هو عبارة عن ذيل طويل لأي خدعة في الزمان، رسم صورة تلك المجزرة التي صارت فتحا وتحضّرا.. وأقصد بها ذكرى إبادة الهنود الحمر في أميركا الشمالية. وحسب تشومسكي أيضا فإن الروّاد “الأميركان” الأوائل قد أبادوا أكثر من (100) مليون هندي أحمر (وأكرّر ليس آلافاً بل – وحسب تشومسكي أيضا – مئة مليون هندي أحمر) من مواطني أميركا الأصليين. أمّا عندما تقول الملكة شيريهان لطوروس، في ختام حديثها معه في العربة الملكية إنه لعنة عظيمة؛ لعنة لا تريد أن تكون صدى لأنينها، فإن الأخير يستل الجواب المفحم من مخزون ذاكرته التاريخية الجريحة قائلا :
(وهل ثمة أنين أبلغ مما تزخر به أساطير القراصنة يا جلالة الملكة؟ – ص 89)
وقفة :
——-
لقد كان الفعل الاستعماري هو شكل من اشكال القرصنة الفعلية .. قرصنة مدججة بأسلحة حديثة وبمبررات عنصرية وشعارات تطهيرية “متحضرة” عن الأراضي العذراء والأراضي التي بلا شعب والشعب الذي بلا أرض، وأرض صهيون الجديدة. الفارق الوحيد هو شدة الشراسة، وعلمية المكر والإبادة ، وكون سفينة القرصان لم تعد تعترض سفينة أخرى، وتسلبها، بل تحتل أوطانا كاملة وتسلب ثرواتها وتبيد شعوبها. فتلك الشعارات كانت تعني في واقع الأمر (إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الإستقرار في الأرض الخالية الجديدة. وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة، كأن تُترك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود الحمر فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماما. وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك جورج الثالث تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله. واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام 1830 م حين أصدر الرئيس جاكسون قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفا من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم (ترانسفير) في أثناء فصل الشتاء سيرا على الأقدام إلى معسكر اعتقال في أوكلاهوما. وقد مات أغلبهم في الطريق … وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أميركا الشمالية عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكيتين لتحويلهم إلى عمالة رخيصة؟ وقد تم نقل عشرة ملايين تقريبا، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفهم إما من خلال أسباب “طبيعية” بسبب الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض.
وكانت أعمال السخرة الاستعمارية في أفريقية ذاتها لا تقل قسوة. ففي كتابه رحلة إلى الكونغو (1927 م) يبيّن “أندريه جيد” كيف أن بناء السكة الحديد بين البرازيل والبزانت السوداء (مسافة طولها 140 كيلومترا) احتاجت إلى سبع عشرة ألف جثة. ويمكن أن نتذكر أيضا حفر قناة السويس بالطريقة نفسها وتحت الظروف نفسها وبالتكلفة نفسها – ص 214-216 ) (7).
# عنصرية الغرب لا تموت، وقفة على محاسن الإستعمار! :
———————————–
(هذا ما كتبته قبل عدة أشهر)
ظاهرة غريبة هذه أن يتم الاحتجاج على فيلم عربي قبل عرضه. يدينه وزير الثقافة الفرنسي (فلادريك ميتران) وتسير المظاهرات الاحتجاجية ضده قبل أن يعرض على شاشات السينما ويراه المحتجون. هذا الموقف يعبر عن التعبئة المسبقة والتعصب الاستباقي ضد المواقف التي تمس القضايا العربية. هذا ما حصل مع فيلم “خارج القانون” الجزائري للمخرج “رشيد بوشارب” الذي تقرر أن يعرض في مهرجان كان تحت حماية مشددة!! الفيلم يتحدث عن مجازر المستعمرين الفرنسيين في مدينة “سطيف” الجزائرية من خلال قصة ثلاثة أخوة جزائريين يعيشون في فرنسا وعندما تندلع الثورة الجزائرية يقررون عمل أي شيء لمساندة ودعم ثورة شعبهم المقهور. حتى وزير الخارجية الفرنسي (برنارد كوشنير)- والمؤسف أنه شاعر- أدلى بدلوه في إدانة الفيلم وهو لم يشاهده وقرأ نتفا من السيناريو نشرت في الصحف الفرنسية. علق أحد النقاد المغاربة على هذا الموقف بالقول إن فرنسا ما كانت ستعترض لو أن الفيلم يتناول المحرقة اليهودية أو مجازر الأرمن على أيدي الأتراك ولحصل على جائزة فكل شيء مسخر للسياسة ولا مكان لألعاب حرية الفكر والمعتقد. وأنا أريد توسيع الأمر وأقول إن الديمقراطية الغربية حقيقة بالنسبة للغربيين وخدعة وأكذوبة بالنسبة لنا.. مع الغربيين تحرص الديمقراطية الغربية على حقوق الكلب “إبن الكلب” الذي يتمتع بكل الحقوق في الولايات المتحدة عدا حق الانتخاب والترشيح.. ومعنا تكشر الديمقراطية الغربية عن أنيابها وتكسر عظامنا وتبارك الأسلحة النووية لاسرائيل وتحاصر العرب حتى الموت.
هل تريدون دليلا هائلا وعجيبا ويدوّخ العقل؟.. إذن خذوه.. هل تعلمون أن البرلمان الفرنسي أقر بالأغلبية في (23 / شباط / 2005) قانونا اسمه (محاسن الاستعمار أو حفظ الذاكرة) اعتبر فيه الاستعمار الفرنسي للجزائر وغيرها وما قام به من مجازر نعمة للشعوب المحتلة؟؟ كانوا يحرقون الجزائريين احياء.. يقتلون الأطفال ويغتصبون النساء.. وفي باريس مدينة الحرية وحقوق الإنسان تم إلقاء أكثر من ألف مواطن جزائري في نهر السين وهم أحياء مربوطي الأيدي ليموتوا غرقا وبطريقة ديمقراطية لأنهم احتجوا على الاستعمار الفرنسي في الثلاثينات؟؟!!.. وعلى الرغم من كل ذلك، يأتي البرلمان الفرنسي ليشرّع قانونا يقره بالأغلبية يشرح فيه محاسن الإستعمار !!
عودة : مكر الروائي الخلّاق :
—————————-
.. الآن – وهنا سيتضح جانب كبير من “مكر” أسعد المبيّت – سيكتوي شعب الديسكولاند، الذي كان يستخف بمعاناة الغرباء المهاجرين بل يضاعفها، بنيران محنة هؤلاء الغرباء نفسها التي أجبرتهم على الفرار من أوطانهم. الآن سيذوق شعب الديسكولاند – وهذا ما صمّمه الجبوري من خلال طوروس كما يبدو لي – علقم الهجرة حيث صار شعار الحياة في هذه البلاد (من يعبر البحر ، يعبر الموت فينجو).
تلك جملة ملحمية، التصقت بعقول العامة من شعب ديسكولاند. جملة نُحتت في أعماق الناس من شدّة الإرهاب على وجه الدقة. فالعبور من الظلام إلى النور، بات يمر عبر برزخ أزرق هو البحر. وهكذا تحوّلت الهجرة إلى ثورة شعبية عارمة، تحت تأثير فكرة الهجرة، لمغادرة البلاد وتركها بالسرعة القصوى. الهجرة التي أصبحت هاجسا يوميا يضغط على النفوس إلى حد الإختناق. فلول المخابرات السرية لطوروس، بدأت تنفذ مشروعها لتهجير السكان وترويعهم، بالإضافة إلى ما يحدث من مصادمات بين سكان البلاد الأصليين والأجانب. لذلك كلّه تكونت شبكات التهريب البشري في المدن والأرياف، وبخاصة في المدن الساحلية المطلة على دول الجوار – ص 91).

تراجيديا لعنة الهجرة تطول شعب الديسكولاند :
——————————————–
ومن الملاحظات الحاسمة على الفن السردي المحكم، هو أن الروائي ينبغي أن لا يطرح أفكار ورؤى وتجارب شخوصه بصورة كلامية وحوارية إلا في أضيق الحدود، لأن هذا السلوك السردي سوفي يصبح تعليميا وأحيانا وعظيا، ويصير فذلكات نظرية بالرغم من عمقها وأهميتها. لم ينج من هذه المصيدة أعظم كتاب الرواية وفي أكثر أعمالهم شهرة كما حصل – على سبيل المثال – لدستويفسكي في الجريمة والعقاب والأخوة كرامازوف، وستندال في الأحمر والأسود. مثلما لم ينج منها اسعد كذلك. ولكنه ، وبدءا من هذا القسم الثالث عشر (تراجيديا الهجرة)، صار لزاما عليه، أن (يشخصن) فكرة جديدة تمثل نقلة في مسار الرواية، حيث تحوّل مواطنو ديسكولاند الأصليين إلى “غرباء”، بدأ طوروس يذيقهم عذاب التقتيل والفتك بكل السبل، وصاروا “اجانب” في أوطان أخرى استغلتهم ابشع استغلال، حيث أصبحوا مادة لا تنضب لتجارة الرقيق (هل يريد الجبوري خلق أنموذج غربي متخيّل أو مستشرف لما عاناه غرباء الديسكولاند الحقيقيون من عذابات في الماضي ؟ هل يقوم بإعادة كتابة التاريخ ؟). كما استُغلوا أيضا من الناحية المالية في عمليات التهريب، خصوصا بعد أن غير طوروس العملة من الكرونه المعروفة إلى عملة جديدة اسمها “الشبح” فأسهم في إهارة اقتصاد البلاد.
لقد (قفزت أرقام الفارين من البلاد في زمن طوروس إلى أرقام مرعبة. فيما تراوحت الإحصاءات عن أعداد الموتى إلى مائة وخمسين ألف مواطن بسبب حوادث بناء السور العملاق. أما المحاكم العسكرية، فقد نفذت أحكام الإعدام بما يقارب الأربعين ألفا من السكان بعد أن شملتهم مختلف التهم.
هذا بالإضافة إلى أن أعداد المعتقلين قد بلغت أكثر من مائة وسبع وعشرين ألف مواطن من المحكومين بعقوبات تتراوح فتراتها من السنتين إلى العشرين سنة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. حيث يتم إرسال المحكومين للتنقيب والبحث تحت جبال الجليد عن مجموعات من سفن الفايكنغ الضائعة منذ قرون في تلك الجزر القطبية- ص 215).
وقد كانت موجة الهجرة عاتية وطوفانية. وصار مواطنوا ديسكولاند في فزع لا يصدّق، أججه طوروس بنفسه، وفي أول ظهور علني له على شاشات التلقاز الوطني، وهو يرتدي بزة عسكرية مزينة بالنجوم والأوسمة والسيوف، مع أنه لم يكن عسكريا من قبل أبدا. الطاغية .. القويّ :
——————
ولاحظ أن كل الطغاة يتجهون نحو منافسة العسكريين المحترفين على اختصاصهم .. وإزاحتهم من مواقعهم بل التصدي لقيادتهم وتصفيتهم. والخطوة الأولى في ذلك هو ارتداء الطاغية الزي العسكري حتى لو لم يكن عسكريا. إنهم يحاولون مستميتين الإمساك بكل مصادر القوة في المجتمع. ولا نستغرب إذا قلنا إن الطاغية نفسه يعاني من قلق شديد وشعور بعدم الكفاية والنقص يقض مضجعه، ويجعله يحاول التعويض أو تشكيل ضعفه عكسيّا – reaction formation، في صورة قوة مطلقة في الظاهر، حتى في المناسبات التي لا تستدعي ذلك، أو تتطلب ممارسات مسالمة مناقضة تشيع الإطمئنان في نفوس الناس. لقد ألقى طوروس خطابا موجزا عن دوره في إسقاط الإنقلاب العسكري وإنقاذ البلاد من نيران الحرب الأهلية التي حاولت العصابات العنصرية إشعالها. وختم حديثه بالدعوة إلى التعايش بين السكان ، وضمان السلام الاجتماعي الذي سيدفع بالشعب نحو التقدم الإجتماعي الذي يريده له أولا. ولكن الحادثة التي أعقبت الخطاب قلبت التأثير النفسي لهذا الخطاب رأسا على عقب، فقد قلب طوروس الطاولة التي أمامه، ثم سحب مسدسه الشخصي، وأطلق الرصاص في الأستوديو ابتهاجا بالنصر، فأصابت بعض الطلقات المخرج في حين فرّ الآخرون فزعين. إن هذه السلوكيات مخططة وينتهجها الطغاة كافة، لإثارة نوع من “التضاد الوجداني – emotional ambivalence” في نفوس الناس، تضاد بين المشاعر السلبية والإيجابية تسببها سلوكيات الطاغية المتناقضة موقفيا وفي الآن نفسه. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الطاغية عن قيم الخير يمزق كل قيمة خيرة ويشيع نقيضها، قيم الشر. وفي اللحظة التي يتحدث فيها عن الوفاء ينقلب على رفاقه . وفي الوقت الذي يرفع شعارات السلام نظريا، يشن الحروب ويروج للعنف عمليا. إن هذا السلوك الذي سيطبع سلوك الطاغية طوروس مدروس، وليس عفويا. فهو يضع المواطن في حالة صراع نفسي شديد بين السلب والإيجاب، ينتهي بلجم إرادته في أغلب الأحوال. وقد لا يصدّق القاريء الغير مسلّح بالثقافة النفسية العميقة، أن المآل النهائي لهذا الصراع هو أن المواطن المقهور يبدا بإقناع ذاته بقناعات القهر والطغيان. وقد تحدث “ونستون سمث” بطل رواية جورج أورويل “1984” عن هذه الحالة والتمزقات النفسية التي تصاحبها والصراع العقلي الممض ومضاعفاته الخطيرة :
(أنزل ونستون ذراعيه إلى جانبيه، وأعاد ملء رئتيه، ببطء، بالهواء، فيما انزلق ذهنه بعيدا في العالم المتناهي لـ “الإيمان المتناقض” . فأن تعلم ولا تعلم في الوقت ذاته، وأن تكون مدركا للمصداقية التامة فيما تعلن أكاذيبا منظمة بدقة. أن تحتفظ، في آن واحد ، باعتقادين باطلين، وتؤمن بهما معا مع علمك بأنهما متناقضان. أن تستعمل المنطق ضد المنطق، وأن تتبرأ من الفضيلة فيما تدّعي لنفسك حق المطالبة بها، أن تعتقد أن الديمقراطية مستحيلة، وأن الحزب هو حامي الديمقراطية، أن تنسى كل ما يكون نسيانه ضروريا ثم تسترجعه ثانية إلى الذاكرة في اللحظة التي تحتاجه فيها لتنساه مرة أخرى من دون إبطاء. وقبل كل شيء أن تطبق نفس العملية على العملية نفسها.
إن ذلك هو حدّة الذهن القصوى: أن تُحدث عدم الإدراك بشكل واع، ثم تصبح غير مدرك، من جديد، لفعل التنويم المغناطيسي الذي قمت به منذ لحظات .. وهكذا ، فحتى إدراك كلمة “الإيمان المتناقض” يستلزم ، بحد ذاته، استعمالا للإيمان المتناقض – ص 41 و42) (8) .
رعب هجرة الديسكولانديين يتفاقم :
———————————–
وقد فاقمت هذه السياسات المتضادة من قلق المواطنين ورعبهم، ودفعتهم إلى المزيد من موجات الهجرة (وهي في الحقيقة فرار مذعور) عبر البحر. وكان من بين من فروا (سوني) وصديقتها (لونا) اللتين ارتبطتا بعلاقة مساحقة شاذة بالنسبة لقيمنا. لقد سرقت سوني ربع مليون دولار من البنك الذي كانت تعمل فيه وتركت رسالة لزوجها “لانكسن” بأن يأخذ طفلتهما “مونو” ويلحقها إلى بيت صديقتها لونا. لكنه تأخر عن الموعد المحدد ففرت الصديقتان وحدهما.
إن سيناريو الهجرة (أو الفرار)، العراقي أو المغربي أو المصري أو التركي، يعيد نفسه الآن بتفصيلات المعاناة التي كان الديسكولانديين يستخفون بها والتي صاروا هم [= الديسكولانديين] ضحيتها الآن. فالفرار عبر البحر في الليالي المدلهمة الباردة .. وما يتبعه من تمزّقات عائلية.. والإستغلال كرقيق أو مادة جنسية.. ومخاطر الرحلات.. ورفض بلدان اللجوء.. غرق السفن بمن فيها (إحدى سفن اللاجئين العراقيين غرقت وعلى متنها 800 عراقي قرب سواحل استراليا المتحضرة والتي أسهمت في غرق سفينة أخرى والفرجة على غرق الأطفال والنساء وفي انتحار مهاجر عراقي محتجز .. إلخ.. وفي عام 2006 قامت الشرطة اليونانية برمي مهاجرين عرب في البحر المتوسط مكتوفي الأيدي وتفرجت على موتهم غرقا!!).. والتشرد والنوم في العراء أو على المصاطب. وبذكاء جعل اسعد الصراع أوروبيا داخليا هذه المرّة حيث تعاني البلدان الأوروبية من هجرات وفرار مواطني دولة أوروبية أخرى :
(تدفّق اللاجئين أصبح قضية بالنسبة للألمان الذين يحاولون منع تدفق الأجانب إلى أراضيهم. وكانت أولى محاولات كبح جماح المتسللين عبر البحر، أن قامت قواتهم البحرية باعتراض ومطاردة عشرات من قوارب تهريب اللاجئين عبر البحر، مما تسبب في غرق قاربين ووفاة أكثر من ثمانين شخصا في المياه الأقليمية. كانت الأخبار عن الهجرة واللجوء هي العناوين الكبرى التي تتصدر الصفحات الأولى لصحف ومجلات أوروبا، بعدما انتشرت المخاوف من محاولات طوروس التدخل لدى دول الجوار بعدم فتح أبواب اللجوء أو السماح للديسكولانديين بالإقامة على أراضيها. وهو ما اعتبرته الكثير من الدول بمثابة إنذار لها، وإلا تصبح من الدول المعادية للحكم – ص 96).
العنصرية تلتهم نفسها :
———————–
يحيلنا الروائي بين وقت وآخر، إلى مواقف يعلن فيها صراحة أن البلدان المحيطة ببلاد الديسكولاند، والتي من المفترض أنها متحضرة وديموقراطية مثلها، قد بدأت باستغلال محنة سكان الديسكولاند الفارين أبشع استغلال، حتى أنها حوّلت قسما منهم إلى مادة لتجارة الرقيق. وأعتقد أن في هذه المواقف إحالة إلى حقيقة أن العنصرية يمكن أن تأكل نفسها بنفسها ايضا. فالنازية التي كانت لحظة أنموذجية قصوى لتجلي الخلاصة العملية الإبادية لجوهر الفلسفة المادية الغربية العنصرية، قامت بأكل الجسد الأوروبي الذي أنتجها. يتجلى ذلك في الموقف الثأري المميت للدول الغربية في علاقتها ليس مع النظام النازي الألماني بل مع الإنسان الألماني عسكريا كان أو مدنيا. فقد كانت كل جهود الحلفاء خلال وبعد الحرب العالمية الثانية تهدف ليس إلى تدمير الإنسان الألماني واجتثاثه حسب بل القضاء على الأمة الألمانية ومسحها من الوجود!!. والسبب الأساسي في هذا الموقف التدميري المتقابل هو أن الحلفاء يشربون من معين الفلسفة المادية نفسه الذي شرب منه النازيون وكان النازيون (يدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية إنما هي ثمرة طبيعية للتشكيل الحضاري الغربي الحديث. ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة، أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب. فإرنست همنجواي ، الكاتب الأميركي ، كان يطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني. وفي عام 1940م قال تشرشل إنه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق الغابات الألمانية. وقد عبر “كليفتون فاديمان” محرر مجلة النيويوركر، وهي من أهم المجلات الأميركية إبان الحرب، عن حملة كراهية ضارية ضد الألمان، تشبه في كثير من الوجوه الحملة التي شنها الغرب ضد العرب في الستينيات والتي يشنها ضد المسلمين والإسلام في الوقت الحاضر: (إضرام الكراهية لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما ضد الألمان ككل، فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم.. فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة.. وإنما هو التعبير النهائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني. فهتلر هو تجسّد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام – ص 216 و217) (9).
(لقد قضى 793239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الإعتقال الأميركية عام 1945 م ، كما قضى 167 ألف منهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجة للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة، وفي الوقت نفسه كان يوجد 5و13 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر ، تعمّدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم لغرض إبادتهم.
وفي اليابان ، وقبل اختراع القنبلة الذرية ، كان الجنرال الأميركي كورتس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ . فخلال عشرة أيام في مارس 1945 م ، قامت الطائرات الأميركية بطلعات جوية بلغ عددها 11600، تم خلالها إغراق 32 ميلا مربعا من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل 000و150 ألأف إنسان. أما الغارات على طوكيو يوم 25 مايو 1945 م ، فتسببت في إندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحروق وهم على ارتقاع آلاف الأقدام. أدّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الاقل- ص 219 و220) (10) .
العنصريات المختلفةتتضافر :
—————————–
.. ولكن هناك حالة مقابلة مضادة وتتمثل في أن الجسد العنصري تغذي أعضاؤه بعضها بعضا، حيث نلاحظ تظافرا مستترا بين الأنظمة والفلسفات العنصرية الغربية والشرقية، على الرغم من أنها قد تظهر خلافات أيديولوجية شكلية؛ تظافر يجري بصورة غير معلنة، لأنه يتحقق من خلال السلوك “الصامت”، والذي يوصل في النهاية إلى مسخ إنسانية الإنسان الشرقي، وتحويله إلى عبد “منضبط” إلى الأبد. فالإنسان الشرقي المقهور يعاني من اشكال شتى من التمييز العنصري، ليس شرطا أن تقوم على اللون، على الرغم من أن هذا الشكل من التمييز موجود حيث – مثلا – يسمّي المواطنون العرب إخوانهم السودانيين بـ “العبيد”، اشتقاقا من العبودية بطبيعة الحال. لكن التمييزات الأخطر والأوسع تقوم على المستويات القومية والإثنية والاقتصادية والسياسية والدينية. وهي عنصرية فجّة إذا جاز الوصف. لكنه حينما يفر من جحيمها، ويلجأ إلى بلاد الديسكولاند، معتقدا أنه سيجد الملاذ الآمن، الذي يستطيع أن يتنفس هواء الحرية في فضاءاته، ويستعيد فيه شيئا من كرامته المهدورة، تواجهه عنصرية متحضّرة إذا جاز الوصف أيضا، عنصرية مفلسفة ومؤدلجة ومعلمنة. وهي لا تفح في وجهه ولا تنفث سمومها بصورة مباشرة، ولكنها تتمظهر في السلوك الصامت الماكر الذي يزرع في أعماق اللاجيء قناعة بوجود مخالب باشطة تحت القفازين الناعمين. (فعادة ما تأتي المخلوقات الغريبة القادمة من الأصقاع المختلفة، بنصف عقل مرهق تسبب فيه القمع على أراضيها، لتفقد النصف الثاني من عقلها بعدما تستوطن المنافي الجديدة – ص 339).
وقد يكون هذا واحدا من عوامل الحنين المستديم، الذي يشعر به اللاجيء نحو مسقط رأسه الأم الجحيمي، بالرغم من استقراره في الفردوس الجديد لعقود. لقد فرّ الإنسان الشرقي من أرضه القديمة بسبب النبذ الفاضح القاسي، واستقبله النبذ المستتر والمتشفي، ليعيده راضيا مذعنا بالعبودية القديمة، في ظل أنظمة هي نفسها عبدة للأنظمة الغربية. هذا ما كشفه بوضوح وزير الحواس لآدم السومري في جلسة التمهيد لكتابة رواية طوروس:
(أجل يا آدم. فالعنصرية تراث من طراز معقّد. وهي ضربة قاضية لماهية الإنسان.
الشرق الذي هربت من عبودياته المختلفة، لتلتجيء للغرب الديموقراطي المفتوح، سيستعيدك ذات يوم، مادمت ترفض عبودية الغرب لك. لذلك ترى الإثنين – الغرب والشرق أقصد – يدفعان بك إلى الحفرة. فحيث ترفض استعبادية الغرب، يضغط عليك الفرنجة، لتعود إلى مواقعك الأولى عبداً لأنظمة ما تزال مُستعبدة من قبلهم. وتاليا لتكون منضبطا داخل السرب. إنها ينابيع الاستبداد القديمة. ولكن تذكر أن من يبتسم لك في هذه البلاد، إنما يشتم سلالتك في أفضل تقدير أو احتمال – ص 315).
وهذا التناغم المربك في عمل أواليات البنيتين العنصريتين تحيلنا إلى ظاهرة أخرى في غاية الخطورة وتتعلق بسلوك المهاجرين واللاجئين إلى أرض الديسكولاند عندما يعودون ليحتلوا مواقع قيادية في بلدانهم السابقة بعد إسقاط أنظمتها الديكتاتورية بطريقة أو بأخرى. فهو سلوك ينضح بالمرارة الفائضة ضد جريمة النبذ السابقة التي لا يستطيع المنفي غفرانها. تظهر في صورة استعادة دائمة ومتكررة لتلك الجريمة التي اقترفتها البلاد (الأم) أولا، تصفية للرموز الأبوية – كبنى مادية ومعنوية – (معاقبة الأب وحتى قتله) ثانيا، الإذلال المقابل للأخوة (الابناء) الذين ظلوا مستئثرين و”متنعمين” بالحضن الأمومي ثالثا، والسعي المحموم لبناء الفردوس المتخيّل والمنتظر طويلا والذي يأتي “هجينا” مشوّها ويهدر إمكانات البلاد وثرواتها رابعا. والمنفي العائد إنما يحاول أن يرسم مسارات “رواية عائلية” جديدة على المستوى النفسي الأوديبي. فلو لم يكن ابنا لعائلة أخرى ما نبذه الأبوان “الأصليان”، وهو في عودته إنما يأتي “منقذا” ليسهم في إيقاظ الأخوة/ الأبناء “الضالّين” على حقيقة المسارات الخفية الفعلية لروايتهم العائلية. واحد من القيادين المنفيين العائدين إلى بغداد “مدينته الأم” بعد احتلالها يتحدث عن “العراقيين” بصيغة الغائب دائما.. ويذكّرهم بـ “عار” المرحلة السابقة بصورة مستمرة، ووقف –ثالثا – ضد واحدة من أهم الإجراءات التنموية والرفاهية في الحياة العراقية بالرغم من أنه أشرف على صرف أكثر من عشرين مليارا من الدولارات على هذا الحقل التنموي، وهو مبلغ يعادل ميزانية ثلاث دول معروفة في الشرق الأوسط. وأعتقد أن العامل الحاسم في هذا السلوك هو مضاعفة مرارات النبذ الشرقي بمرارات النبذ الديسكولاندي المستتر.
الطاغية … العارف :
——————–
وفي الكثير من الأحيان، يحاول الطاغية أن يعوّض بإفراط القلق النابع من كونه إبنا مارقا خرج من صفوف الابناء، وذلك بلعب دور الأب بصورة شديدة الإنتفاخ تترتب عليها تبعات مضنية ترهق مفاصل الحياة بأعبائها. فالطاغية – والكثير من الطغاة يرزحون تحت سياط التهديد بالإنخصاء المتاصل منذ الطفولة المبكرة كما أشرنا – سيسعى لإثبات قدرته الكلية “الأبوية” – وهي موروث طفلي في الجوهر كما قلنا أيضا – فتراه يتدخل في أنشطة الحياة كافة، من شؤون سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية ودينية وإبداعية وغيرها الكثير. كان ستالين مثلا يتدخل حتى في تقييم الأفلام السينمائية الروسية في قاعة قريبة من الكرملين مخصصة لهذا الغرض، ناهيك عن تدخلاته في الاقتصاد وشؤون المجتمع والجيش والتعليم والصحة والرسم والصناعة والموسيقى والأوبرا ,..و..و .. وجميع قطاعات الحياة. إنه الأب الذي وسع كل شيء علما، والذي يفهم مصالح إبنائه أكثر منهم، ومن المختصين من بينهم في تلك المجالات. وها هو طوروس يحضر حفلا لدار الأوبرا، ينتهي بقيامه بقتل المايسترو بطلقة من مسدسه الشخصي، وتعليق العازفين من أرجلهم. فهل هذه كوميديا سوداء؟
إنها واقع.. ليست كوميديا سوداء :
———————————
فقد زار خروتشوف معرضا تشكيليا لفنان روسي، يشتغل ضمن إطار المدرسة التجريدية فقال قولته الشهيرة : هذه اللوحات رُسمت بذيل حمار !! ومثل هذا التصريح، هو بمثابة طلقة، اصاب بها قلب ذاك الفنان التشكيلي المسكين وقتله.
عودة :
———
لكن الأهم هو دور الإعلام عموما، والصحافة خصوصا، في تزيين صورة الطاغية، وهو دور في غاية الخطورة. فقد خرجت صحف اليوم التالي لتحيّي في مانشيتاتها هذا السلوك الفريد لطوروس (قتل المايسترو وتعليق العازفين)، وتعدّه سلوكا “إنقاذيا” في مجال تنمية الذائقة الموسيقية وهبة لإعادة الكرامة الموسيقية المهدورة !!.
# رئيس صحيفة “اكس كيو” :
ولعل من الأمثلة المهمة على دور الصحافة خصوصا في “أسطرة” أنموذج الطاغية هو ما كتبه رئيس تحرير صحيفة “X . Q ” :
(لقد بدأنا نتنفس الحرية منذ اللحظة التي تخطت بها قدما الملك المعظّم طوروس الحدود المترهلة القديمة. فجاءنا الملاك حاملا بشارة الفتح وشعاعا نقمع به ظلامنا الذي استبد بأرواحنا طوال قرون…. فالملك طوروس ليس إلا هدية عظيمة ، خصّ بها الربّ هذه البلاد وحدها دون سائر العالم – ص 123).
# وهذه ليست كوميديا سوداء ايضا :
فـ (قد حكم ستالين بنظرية الحاكم الإله نفسها، وليس أدل على ذلك مما جاء في “البرافدا” عام 1936م:
“آه يا ستالين العظيم، آه يا زعيم الشعب، أنت الذي خلقت الإنسان، أنت الذي وزعت وخلقت البشر في الأرض، أنت الذي أعدت للقرون شبابها، أنت يا من جعل الربيع يزهر- ص 153) (11) .
ومن المهم القول إن هذه القطعة المدحية لو قُطعت شعريا فسنجدها مطابقة شكلا ومضمونا – والغريب إلى حدّ التفاصيل – القصائد السومرية القديمة التي تتغنى بمديح الآلهة (أنليل ، مردوخ … وغيرهما) (راجع مثلا ديوان الأساطير لقاسم الشواف).
(وتتجاوز الأدبيات الشيوعية ذلك فتصف حضور ستالين في الكرملين عام 1946م بالقول : “ها هو ستالين معنا هنا في الكرملين. إن حضوره يلامسنا في كل خطوة يخطوها. إننا نمشي فوق حجارة ربما يكون قد وطئها أخيرا. فلنركع على ركبنا ونقبّل هذه الآثار المقدسة- ص 153) (12) .
في الشرق ملاذ آمن للديسكولانديين المهاجرين :
———————————————–
ولأن الروائي قد صمم وقائع روايته ومساراتها بقصدية عالية، فقد جعل أبواب الدول الأوروبية المجاورة تُقفل أبوابها الحدودية في وجوه الديسكولانديين الهاربين من طغيان طوروس، فلم يجدوا من ملاذ آمن غير الشرق . وصلت سوني ولونا إلى مدينة شرقية هي “مراكش”. وهناك استوعبهم المجتمع القائم ببساطة وبلا تعقيدات أو تحاملات مثل تلك التي كان مجتمعهما الديسكولاندي يصبها على المهاجرين الذين يلجأون إليه. لقد اندفعت سوني ولونا في حياة صاخبة في مخيم الغجر الذين يخافون من أوبئة الأمكنة الثابتة، ولا يريدون الإنتماء إلا إلى تاريخ الرحيل الأبدي فهي فلسفتهم كما يبدو (ص 127) كما كان يقول المغربي (سلامة العارف) صاحب الفندق الذي سكنت فيه الإمرأتان الديسكولانديتان في ردّه على سوني، وهو يكشف لها تعلقه بالغجرية “هديلو”، التي سترتبط بها لونا لاحقا في علاقة جنسية مثلية، بعد أن تنتقل سوني إلى بيروت للعيش هناك.
.. ولم يكن هناك شيء يكدر ساعات سوني المترعة بالرقص والغناء والجنس في مخيم الغجر سوى تفكيرها بمصير صغيرتها “مونو”. كان الحزن يقطع قلبها برغم أنها لا تعلم بالمصير الأسود الذي واجهته ابنتها التي فقدها أبوها بعد فرار زوجته، وسط هيجان جموع الديسكولانديين الفارين من بطش طوروس. لقد طردها مسؤول المركب فلجأت إلى عائلة ديسكولاندية هي عائلة “هولم”، التي فرّت ايضا بها مع طفلها “سكوت”. لكن غيرة الأم “ميتا” من عناية الأب بمونو جعلها تتركها في إحدى الأسواق المزدحمة. وعبر سلسلة من التنقلات والاختطافات تستقر مونو أخيرا في احضان قبيلة غجرية !! ماذا يفعل الروائي إذا كان يجد لزاما عليه أن يوصل البنت المسكينة إلى أمها، غير أن يجعلها تُختطف من قبل امرأة غجرية تعتني بها وتنشئها في كنف الغجر؟؟!!. لكن الأم سوني انتقلت إلى بيروت الآن، فما هو الحل؟ لا يوجد من منفذ للروائي سوى أن يجعل الغجر الذين اختطفوا الإبنة مونو يصلون المغرب ومراكش تحديدا، ليشاركوا هناك في “أسبوع كرنفال الزهور” السنوي الخاص بالغجر عند منابع الواحات – لم أجد ما يشير إلى مثل هذا الأسبوع في طقوس الغجر لكن الواقع السردي يختلف عن الواقع الموضوعي كما قلت- حيث تجتمع الفرق الغجرية من مختلف البلدان المجاورة والبعيدة. ولأن لونا بقيت مرافقة لحبيبتها الغجرية “هديلو” كظلها، فقد رافقتها إلى الكرنفال، وهناك ستلتقي بمونو .. والله يحب الروائيين الذين يجمعون شمل العوائل المهاجرة المفككة.
# نسيان (2) :
—————
على الصفحة 91 أشار الروائي الى أن عمر الطفلة مونو، يوم هربت أمها سوني، هو سبع سنوات. وعلى الصفحة 192 وصف نشأتها بين الغجر بالقول : (بدأت اللغة الثانية بالتشكل والنمو السريع . فدماغ مونو أرض بيضاء .. فعلت ذلك بإرادتها خلال عامين من المنفى مما سهل عليها، بعد بلوغ التاسعة من العمر، أن تنظر إلى حياتها الجديدة بشيء من المتعة) . ولكن على الصفحة 210 يعلق الروائي على لقاء لونا بمونو فيقول: (أدركت لونا إن الأبوين [= أبوي مونو] لا يعرفان شيئا عن قصّة غيابها منذ أكثر من عام) . وفي هذا مغالطة.
# و.. ثغرة فنية :
—————–
كانت آخر مرة ورد فيها ذكر اسم (المثنى) من قبل الكاتب هي على الصفحة 72 وهو يتحدث إلى العم هنترسين في بيت الأخير، الذي وصله بعد أن تم إنقاذه من محرقة المطحنة. ولكن على الصفحة 203 يصور لنا الكاتب فيبيكا، عشيقة المثنى السابقة، وهي تلبد مع صديقها الكاتب الصيني “شاي لين” تحت أطنان من شباك الصيد القنبية، كي يهربا خارج البلاد، يقول الأخير لفيبيكا : (لم أر وجهك هكذا من قبل. حتى موت “المثنى” لم يترك عليه شيئا مما أراه من الحزن العميق) .. فنفاجأ بموت المثنى من دون أي مقدمات. كما أن موته يأتي بعد غياب عن مسرح الرواية دام (31) صفحة !!.
وفي وصفه لاختباء فيبيكا ولين، يقول إنهما لبدا تحت أطنان من شباك الصيد. وهذه مبالغة كبيرة، لأن هذا الثقل سيقتلهما. والأكثر طرافة هو أنه يجعلهما يمارسان الجنس بمتعة وحيوية تحت هذه الأطنان!. تحصل مشكلات فنية كثيرة حين يتحمس المبدع لعمله وينفعل بشخوصه، وتنسرب حفزاته الغريزية خلف استار تلك الحماسة. طبعا هذا الإعتراض يجب أن لا يمنعنا من التذكير بان اشتعال الرغبة الجنسية والمواقعة في ظل ظروف القلق والتوتر هي مسألة مقرة علميا.
و.. مشهد مستهلك :
——————–
وفي محاولة تخلّص الملكة من طغيان زوجها “الملك” طوروس، ذهبت إلى المستشفى لرؤية طفلها الميت، وهناك و (ما إن وصلت المستشفى حتى أمرت مرافقيها بالإنتظار في الممر الداخلي، لتستقل المصعد بنفسها وحيدة. وهي فكرة أرادت منها مناورة المرافقين، لتغيير مسار المصعد، كي يفضي بها إلى باب الحديقة من الجانب الآخر من المبنى. ذلك ما حصل فعلا. فقد عبثت الملكة بشكلها، بعد أن غطّت شعرها بشال أسود، وعينيها بنظارة سوداء، لتهبط من طرفه الآخر المطل على الحديقة. وتكون امرأة أخرى خارج المستشفى- ص 214 و215)
.. وهذه من المشاهد الشائعة في الأفلام المصرية، وبشكل نمطي، وكان من الممكن أن تصمم لنا قريحة أسعد مشهدا أكثر جدة وفرادة.
# ذات المرأة الديسكولاندية تتفتح في الشرق :
———————————————
لقد بدأت سوني تفهم ذاتها جسدا ونفسا، وفق اضواء جديدة وفّرتها البيئة الاجتماعية المغايرة لبيئتها القديمة. البيئة الجديدة جعلتها تتصالح مع نفسها وجسدها، بعد أن كانت تعيش اغترابا حقيقيا عنهما في مجتمعها السابق. لقد “تشيّأت” العلاقات الإنسانية مثل كل مكونات الحياة الأخرى في الديسكولاند. وهذا التشيؤ هو نتاج طبيعي للفلسفة المادية الحاكمة ومنهجها في “التسوية”؛ تسوية الإنسان بالأشياء واعتباره جزءا “طبيعيا” من الطبيعة. لقد عاشت سوني العملية المروعة التي سُحب الإنسان في مجتمعها من ذاته، ليوضع في عالم الأشياء/الطبيعة في الوقت الذي وجدت فيه أن الإنسان في المجتمعات “الجديدة” التي هاجرت إليها، وبرغم كل المساويء التي تحيط به، يُنظر إليه كـ “ثغرة” في نظام الطبيعة:
(أدركت سوني بأن الحياة التي بدأتها في “المغرب” آخذة بالإتساع بفعل ما تخلفه من آثار إيجابية لتكوين شخصية جديدة لها، تختلف كثيرا عما مضى. سحرتها الطقوس بعوالمها، بدءا من الطبيعة وانتهاء بالتشكيلات الاجتماعية والثقافية والفولكلورية في تلك البلاد. فبعد شهور ستة من إقامتها في تلك البلاد، كونت سوني لنفسها فكرة واضحة لمعنى وجودها البيولوجي. حسمت الوضع لصالح نفسها. كأن تكون امرأة أخرى تنفض الغبار عن ذاتها المحكمة، لتنهض بها فتخرج من القمقم القديم نحو المنابع التي وجدت فيها الخيال ممزوجا بالوقائع اليومية – ص 144).
لم ينبذها أحد في المجتمعات الشرقية التي لجأت إليها .. لم يستغلها رب عمل .. لم يعدها الآخرون طفيلية تريد استنزاف ثروات بلدهم أو تمزيق النسيج الاجتماعي لمجتمعهم كما فعل الديسكولانديون مع الغرباء الذين لجأوا إليهم من ضيم وبطش ولاعدالة أنظمة الجنوب.
وقد امتدت يد التغيير التراكمية في البيئة الجديدة لتشمل أفكار لونا – حبيبة سوني السابقة – أيضا، وطبيعة نظرتها إلى الحياة ومتغيراتها. ويتجلى هذا التغيير لدى الصديقتين الديسكولانديتين في الرسالتين اللتين تبادلتاهما من مكانيهما – وطني اللجوء الجديدين -: تلك (لونا) في المغرب، وهذه (سوني) في المشرق (لبنان). وكل منهما خلق (منظورا) متفرّدا في النظر إلى الحياة الجديدة وعواملها الإنسانية الفاعلة في تجربته وبنيته الإنسانية التي شكلها المجتمع السابق فكرا وسلوكا. تقول لونا في رسالتها بعد أن تؤكد رسوخ ميولها المثلية، وعشقها الملتهب لهديلو الغجرية:
(عزيزتي سوني..
….. أعرف بأن الشرق ليس قفصا جنسيا حسب، بقدر ما هو عوالم متعددة الأقفاص، كل من يغرق بمعرفته أو باكتشافه، لا يتخلص من طقوسه بسهولة. لقد أدركت أنني ابتعدت عن الموت بضع خطوات. أقصد الموت البطيء الذي كنا نمارسه في بلادنا العظيمة تلك من قبل. فالغرب هو الآخر، يا سوني، ليس ثلجا وتكنولوجيا فقط، بل للأسف، هو شيخوخة مبكرة للمشاعر والحب والمال والشهرة والروح والرفاه. لقد أدركت أن الفقراء والمعدمين هنا أكثر معرفة منا بدواخلهم وبالحياة. فعلى سبيل الافتراض، لو عشنا نحن في الغرب ظروفا مشابهة لظروفهم القاسية هنا ، بالقليل من المال والقليل من الجنس وبالقليل من الحريات وبالقليل من الطعام، لحدث الطلاق بيننا وبين الحياة منذ زمن بعيد مبكر. ألا تعتقدين بأننا أنتجنا لهم جزءا مهما من ذلك الحرمان؟
على ما يبدو يا عزيزتي سوني ، لسنا نحن إلا مسودة لتاريخ الموت المبكر. ومع ذلك، مانزال نحمل كبرياء ذلك التاريخ، ونواجه الشرق بالاحتقار والدونية وقلة الأدب، معلنين براءتنا التامة عن تحمل الجزء الأعظم من خرابه.
تذكري بأننا وصلنا إلى هنا بشكل متأخر، وهذا ما يجعلني أكثر حرصا بعدم تضييع الوقت. الشوق لبلادي يتفجر في داخلي. ولكن ليس في كل الأوقات. تذكري بأن استبداد الملك طوروس، ربما هو النقطة البيضاء الوحيدة في تاريخه الأسود. فقد هبط ذلك الديكتاتور على بلادنا كملاك يحاول اجتثاثنا من العزلة التي كنا فيها – ص 253 و254).
وفي رسالة سوني الجوابية لصديقتها لونا، يظهر منظور مغاير، يتمثل أولا في المدخل اللاجنسي الذي لا يرى أية “مركزية” من أي نوع في صالح الحياة البشرية .. لا الغرب ولا الشرق مركز مقدس تتوفر فيه كل سمات الأنموذج اليوتوبي. ولا أحد منهما خال من الفساد والعقم والانحطاط والخوف من الآخر – على الأقل هذا ما كشفته مناقشاتها مع حبيبها الجديد (بيرم) اللبناني، وخفايا علاقات ثلته (الوزير قيصر فريد وزوجته هالة قيس وعيسى المعشوق وسهاد فواز وسعيد وجدي والدكتور ممتاز الشرقي وصولانج الجوزي .. إلخ.. من تجار وإعلاميين وفنانين وفنانات ). والحل يكمن في أن يتقاسم الشرق والغرب رسم لوحة الحياة الإنسانية، وفي جمالية الحوار ما بين العناصر التي تقوم بتشكيل اللوحة من كلا الطرفين في نهاية المطاف (ص 255).
لقد أتاح المنظور الجديد لسوني، مقتربا جديدا للتعاطي مع حاجاتها الجسدية، بنزعات طبيعية مغايرة لجنسها، وبعيدا عن مصيدة الاتجاهات المثلية، التي أصرّت عليها لونا :
(لقد وجدت في بيروت ما كنت أفتقده في حياتي تماما… كل شيء في الشرق يملك حماسه الخاص. بما في ذلك الفقر واليأس والحب والطقس والعشب. فأنتِ لو قابلتِ رجلا، لأدركت بأنك تقابلين جبلا من العواطف. فالعواطف هنا تتقدم وجوه الجميع . بعبارة أوضح أنها واجهات الناس. والإنسان قليل العواطف، يكون فارسا بلا جواد أو سيف. لا تظني بأن العواطف وحدها على هذه الأرض، فهناك عقول تدرك عالمنا إدراكا خلاقا وكاملا. هنا أسمع أنين الشرق ينبعث كالحجر المطحون. لكل رجل حشرجته. وفي الكثير من الأحايين أرى آلام الناس تمشي كظلال لهم – ص 255).
لقد اتسعت نافذة الرؤية لتتجاوز الإطار الجسدي الشهواني الذي العابر والضيق الذي كانت تعيشه سابقا، وتشمل المعاني العميقة للوجود البشري من آلام وتساؤلات مؤرقة. ويظهر هذا التغيّر أيضا في حوار سوني مع قرينها النفسي الذي ظهر لها في جو الغرفة من العدم وبدأ ياستجوابها :
(-أنا شبيهك يا سوني، وأريد محاورتك عن فانتازيا الخيبة والذنوب. فما رأيك؟
-رأيي؟! ها .. تقتحم علي خلوتي وتسألني عن رأيي؟
-أأنت حيّة أيتها المرأة؟ أم أصبحت تمثال شمع جميل، تخافين الاقتراب من النار، كي لا يتبدد هيكلك؟
-النار أولى أفعال التغيير للتعبير.
-مازلت قاصرا عن معرفة التغيير. هكذا الواضح.
-لا أعرف ما يدور في خلدي. بالأمس كنت قاصرا عن معرفة أوروبا. واليوم أقع في النسق الإنشائي للتذمر، فلا صمود عندك أمام إغراء الشرق وثرثرته عن نفسه. أسمعهم يقولون “إن الله خص الشرق بقابلية الإشراق الدائم على ظلمات الآخرين”! لا أريد أن أشغل نفسي بالردود. إنها توجع الرأس. ولكن هل ثمة جناية فيما لو تركنا الشرق يخصب نفسه بقوة ما، قد لا نؤمن نحن بها؟ لنترك الأمر للحب . فهو ملقط يجمع ما بين السماء والأرض.
-أنت تحاولين أن تؤلفي من هروبك أخلاقا. لقد أعطيت ظهرك لوطنك، ودخلت مشافي الشرق طواعية، وكأن هذا المكان فردوس مقدس. ألا تجدين الغثيان يملأ نفسك من جراء هذا الوهم الراقي؟ – راجع تكملة الحوار المهم على الصفحات 257 و258و259 ).
# نسيان (3) :
—————
في رسالتها إلى سوني، قالت لونا بوضوح، وفي استهلال الرسالة، بأنها مازالت مصرة على توجهاتها المثلية برغم خذلان سوني لها :
(عزيزتي سوني ..
لا تخرج الكلمات الدافئة إلا من الجسد الدافىء. هذا ما عهدته فيك منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه في هواك. لكن حذلانك كان النتيجة المذلة المريرة. لقد أطلقت عليّ رصاصة الرحمة وهربت لعالم الرجال…. إن نظرة من (هديلو) تضخ في أعماقي بئرا من البترول. كأن كل ملامسة منها لجسدي، تُشعل تلك البئر ليستمر الحريق دون نهاية – ص 253) .
ولكن الغريب، وأمام هذا الإعتراف الصارخ، هو أن الكاتب جعل سوني تسأل لونا في ختام رسالتها :
(أسألك الآن: هل مازلت غارقة في بئر ساحرتك الغجرية “هديلو” في تلك الصحارى ؟ – ص 256 ).
المرأة الديسكولاندية لم تُستغل في الشرق جنسياً :
————————————————
.. في أثناء المدّة التي أمضتها سوني مهاجرة في مراكش .. وفي خيام الغجر .. لم تتعرض لأي استغلال أو تحرّش جنسي، بل كانت تُعامل كأنثى باحترام من قبل الرجال المحيطين بها، وكانت تختار نمط الحياة الجنسية الشخصية التي تعيشها من دون اي حواجز أو مخاوف أو “عبودية جنسية”. وكان هذا حالها أيضا في بيروت التي سافرت إليها بعد ذلك، وأمضت فيها سنوات طويلة. قارن هذا بالاستغلال الجنسي المأساوي الذي تعرض له الرجل الزنجي البائس “كورنيك”، الذي جلبته من الكاميرون عجوز ديسكولاندية اسمها “بيهين”، ابتاعته بمئة دولار فقط، لإشباع هوسها الجنسي. ولكن الحال لم يستمر أكثر من عامين، فقد فرّ الأفريقي المسكين من “نزل الموت” كما كان يسمّيه كي يتفادى الهلاك جنسيا كما قال في المحكمة. لكن المشكلة أن هذه المرأة شكلت حزبا سياسيا بين ليلة وضحاها، يرفع شعارات عنصرية ويدعو إلى رحيل الأجانب من البلاد. ثم أقامت دعوى قضائية على الرجل، ولكن المحكمة برأته، ليس لرفض هذا السلوك اللاإنساني الإستغلالي، ولكن خوفا من تدويخ المحكمة بقضايا أخرى مماثلة ترفعها النساء الديسكولانديات لمقاضاة الرجال الأجانب الذين يُجلبون من أجل غايات جنسية (ص 266-268).
# استطرادات فائضة :
———————-
في كتابه “عشر روايات خالدة” يرى سومرست موم أن قيمة بعض الأعمال الروائية، تتمثل في بعض الأحيان بعدد الصفحات التي يطويها القاريء منها، للوصول إلى ما يثير اهتمامه، أو يعيد إثارته من خلال الإرتباط بحلقات الوقائع السردية السابقة. وفي رواية اسعد الجبوري هذه، هناك – من وجهة نظري الغير متواضعة – وخصوصا في نصفها الثاني، الكثير من الصفحات، التي من الممكن أن يطويها القاريء، من دون أن يلحق تسلسل الأحداث الأصلي أو حبكة الرواية المركزية أي خلل. من ذلك القسم المعنون بـ “المطاردة الساخنة”، والذي امتد لعشر صفحات (بين الصفحتين 153 و163)، وتحدث فيه الكاتب عن الشاعر البدوي “ورد الكعبي” المتيم بلونا المثلية التي ترضعه الرضاب، وهو مدفون في التراب، وتمارس معه الجنس والحرس وقائدهم ينظرون من النافذة ويستمنون.. إلخ من تفصيلات لا تحمل ضرورات فنية أو فكرية. ثم ما هو مصيره؟ لقد هرب واختفى من الرواية إلى الأبد!! وحتى لو كان الروائي يبغي رصد تحولا حدث في حياة لونا في نظرتها إلى الحياة ودور الجنس ومعنى الحياة .. فهذه الحادثة مستفيضة وزائدة.
ومن ذلك أيضا : حكاية ابنة عم السارد “إخلاص” (ص 244-246) ، وحكايته مع ابنة عمه الثانية التي قصها آدم السومري على مدير شعبة النطق ( من ص 300 إلى ص 306)، والتي ملّ منها حتى المدير. ومنها مناقشات طوروس مع زوجاته في مواضع مختلفة.

# مقاربات مع رواية “1984” لجورج أورويل :
————————————————
لقد كان للروائي النبوئي جورج أورويل في روايته الشهيرة “1984”، الريادة في معالجة موضوعة الطغيان القائم على القمع الفائق بالأساليب العلمية المدروسة الموصلة إلى اشد درجات “الحرمان الحسّي – sensory deprivation”، الغير محسوسة، والتي تتراكم تاثيراتها الغاسلة للدماغ ومحتويات الذاكرة والمربكة لسلسلة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. هو طغيان يقوم على اساس التدخل التفصيلي المرعب في أدق جوانب حياة الإنسان اليومية. ومن المحتم أن يكون أي طغيان عنصريا، وهو ما يوصل إليه السلوك الديكتاتوري الشمولي لـ “الأخ الأكبر” الذي يحكم دولة “أوقيانيا”. ولأن رواية أسعد الجبوري تعالج بين ما تعالج موضوعة الطغيان والسلوك الديكتاتوري الشمولي، ولأن “الأسد عبارة عن مجموعة من الخراف المهضومة” حسب مقولة الأخ “بول فاليري”، بالرغم من أنني لا أوافق على هذه الأطروحة، التي لو كانت صحيحة لكان من المنطقي أن يكون الأسد خروفا ضخما !!، فإن من المتوقع أن تحصل مقاربات بين العملين – السبق فيها لأورويل طبعا – بسبب السياق من جانب، وبفعل المخزون المعرفي للكاتب أسعد الجبوري من جانب آخر :
– هناك وزارة الحقيقة لدى أورويل ، وهنا وزارة نقل الكلام ووزارة الحواس لدى اسعد.
– هناك فودكا يلتسين وهنا جن الإنتصار.
-هناك أوقيانيا مفترضة ومتخيلة معززة بواقعية بتاريخ لندن ، وهنا ديسكولاند مفترضة ومتخيلة معززة بحاضر واقعية بحر الشمال وألمانيا والمغرب .. إلخ.
– هناك يكتب ونستون سمث يومياته/ روايته، وهنا يكتب آدم السومري رواية الطاغية طوروس/ “قيامة الديناصور”
– هناك الأخ الأكبر وهنا أخ أكبر هو طوروس
– هناك ونستون سمث الذي يُغسل دماغه في السجن وهنا آدم السومري الذي “يُدرّب على الكتابة” في “الغرفة الشاقولية”.
– هناك وهنا حفلات إعدام عامة
– هناك “مباديء الكلام الحديث” وهنا “اللغة الشرسة”
– هناك حفلات شنق الأسرى وهنا حفلات إعدام المتهمين
– هناك “أَخَويّة” .. وهنا “أَخَويّة” ..
– لهجة وطبيعة الخطاب التهديدي لـ “اوبرين” ضد “ونستون سمث”، مطابقة تقريبا للهجة الخطاب الذي وجهه وزير الحواس إلى “آدم السومري”
– هناك الغرفة (101) المخيفة وهنا الهول ديزني وكلتاهما مخصتان للتعذيب
– هناك وزارة الصدق ووزارة الحب .. وهنا وزارة الكلام ووزارة الحواس.. وغيرها الكثير.
لكن أسعد الجبوري يجترح آلية مراقبة جديدة قد تحمل سمة استشرافية/ نبوئية (!!)، وتشير كل تأملاتنا لما يجري من منجزات علمية – أميركية خصوصا – مخصصة للرقابة والإتصالات، وملاحقة ما ينتجه الفن الهوليودي الباهر الذي يسبق العلم عادة في تخيّل أبشع طرق ووسائل الرقابة والقمع وغسل الدماغ وقتله وتنظيف الذاكرة ليلحقه العلم في “التنفيذ”، أن اختراع النظام الآلي الرقابي الذي تخيّله أسعد ليس أمرا مستحيلا ، بل ليس بعيدا عن التحقق زمنيا. إنها “المسلّة الالكترونية” التي صُمّمت على شكل قيثار سومري، وقد دارت الشائعات حول الهدف منها. ولكنها لم تكن أكثر من تصميم افتراضي يغطي جهازا إلكترونيا آخر، يقوم بقراءة ما في رؤوس المواطنين، وأخذ صورة عنها على غرار بصمات الأصابع، والهدف منها معرفة مشاعر المخلوقات الآدمية، وتحليلها وتخزينها على اسطوانات ممغنطة موصولة بأجهزة خاصة لتحليل ما تدّخره رؤوس العابرين من أفكا رونوايا ومشاريع. وعلى المواطن أن يزور المسلة (يُفحص في الواقع) يوم الأحد الأخير من كل شهر (ص 254).
وفي عام 1994 نشرت صحيفة العرب اللندنية تحقيقا، يشير إلى سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى اختراع وسيلة جديدة لغسل ذاكرة الأسرى، وإعادة تشكيل عقولهم، وذلك عن طريق “قنبلة صوتية”، تُفجر على الأسير في زنزانة مغلقة وخلال جلسة واحدة. وفي القاعة الشاقولية التي يلقى فيها آدم السومري لغرض “غسل دماغه السردي” تبدأ ما سمّيها اسعد بـ “تمارين الكتابة”. وكان التمرين الأول يُسمّى بـ “نزهة البراءة” حيث (المطر الأسود يتساقط، وما أن يتوقف، حتى تُلقى على المؤلف من الفتحة العليا كتل صغيرة من الإسفنج المشتعل، تعقبها قنبلة صوتية تنفجر لإطفاء ذلك الإشتعال- ص 280).
حيادية المصطلحات و “براءتها” :
———————————
.. تستخدم آلة الطغيان والإبادة فلسفة لغوية تقوم على أساس تحييد المصطلحات، واستخدام تعابير بريئة وأحيانا مناقضة لطبيعة العمليات البشعة التي تُستخدم في تطويع إرادة الإنسان وسحق شخصيته .. وأخيرا قتله. فالمصطلحات – وبتأثير الفلسفة المادية التي تحيّد العلم وتفصله عن أي قيمة مهما كانت – يجب أن تكون محايدة لا تحمل أي معنى إنساني أو عاطفة بشرية أو بعد اجتماعي أو نفسي. هذا ما حصل في اللحظة النازية التي أنتجتها الفلسفة الغربية، حيث كان النازيون يستعملون مصطلحات “باردة” ومحايدة، فهم يسمون عمليات الإبادة “الإخلاء” و”النقل” و”إعادة التوطين” و”الحل النهائي” و”التطهير”. وكانت المؤسسات التي تُشرف على الإبادة وتنفذها لها أسماء محايدة أو إيجابية مثل “جمعية نقل المرضى” و”المؤسسة الخيرية للعناية المؤسسية”. وليس عجيباً أن تستخدم الولايات المتحدة – أبشع أراضي الديسكولاند عنصرية – تسميات مثل “إعادة الأمل” و”توفير الراحة” على عمليات عسكرية هدفها تمزيق البلدان وتحطيمها. ومن المجالات التي استعيرت منها بعض التسميات هو الفن الأميركي (موسيقى وأفلام). فعملية اللكمة الجانبية (Side Winder) مأخوذة من اسم فرقة موسيقية أميركية اشتهرت بألبوم عنوانه انتقم سبع مرات. وكذلك عملية ثندر كات (Thunder Cat) وهو اسم مسلسل كرتوني أميركي، ونفس الشيء بالنسبة للعملية أوكي كورال (O.K. Corral)، فالعبارة اسم لفيلم أميركي أنتج سنة 1957. وعملية ميفيلد الثالث (Mayfield III) مأخوذة من اسم مؤلف أسطوانات أميركي من أصل أفريقي (13) .
والشيء الذي يجب أن ننبه عليه هو أن لا يظنن أحد أن اختيار هذه التسميات هو شيء عشوائي، فهناك لجنة متخصصة في البنتاغون من كبار المختصين تقوم بهذا، ولديها تقويم بالمناسبات الوطنية والدينية للشعوب، تحدد وفقها مواعيد الهجمات. هذا ما ذكره عالم النفس “بيتر واطسون” في كتابه الخطير “حرب على العقل – war on the mind “، وهو غير مترجم إلى العربية.
وفي أرض الديسكولاند، وبعد استيلاء طوروس على الحكم انتشرت التسميات المحايدة التي تربك الاستلام الدلالي لدى الفرد فهي محايدة أو حتى جميلة شكلا، ولاإنسانية بشعة مضموزناً. فتسمية “مكبس الحرير” يطلق على “تمرين كتابي” خلاصته انضغاط المواطن (آدم السومري هنا) بين بين أرضية الموقع وكتلة ساخنة من السقف حتى يصبح أشبه بالحرير الساخن.. أما “همس الملائكة” فهو “التدريب” الذي تقوم فيه (سماعات صغيرة في جدران الغرفة الشاقولية، ببث ألف ياء اللغة الشرسة، بمختلف اصوات الحيوانات، يجمع بينها إيقاع مرعب – ص 280).
# مفهوم جديد للجنون : هل العنصرية جنون؟!:
————————————————
بعد أن أحرق “لانكسن” – زوج سوني – بيته في لحظة “جنونية” سببها الإحباط الشديد الناجم عن فرار زوجته وضياع طفلته مونو، اقتيد إلى مشفى المجانين. وهناك وجد العديد من المعارضين وقد ألقى بهم طوروس في المشفى باعتبارهم مجانين أو ليجهز على قواهم العقلية بالعقاقير أو الصدمات الاختلاجية الكهربائية. ومن الشائع والموثق تاريخيا أن الكثير من الطغاة، كانوا يقومون بحجز قسم من معارضيهم في مستشفيات الأمراض العقلية، بزعم إصابتهم بالجنون. ويتساوى في ذلك طغاة الشرق والغرب. وقد تكون هذه التهمة – في احتمال غير مُفكر فيه – ناجمة عن أوالية “إسقاط – projection ” يقوم فيها الطاغية بإبعاد شبح جنونه الشخصي عن ذاته و (شخصنته) في الخارج عبر أفراد غرباء عنه. إذ ما الداعي لإلقاء هؤلاء المعارضين في مشفى للمجانين – الطب النفسي الحديث يرفض، طبعا، هذه المفردة “الجنون” لأنها وصمة ويستخدم بدلا منها مصطلح الذهان – psychosis – مادام قادرا على إفنائهم بشتى الطرق؟. إن من بين معاني فعله هو أنه أشبه برقية سحرية ذات مضمون عقلي طفلي، فطالما بقي هؤلاء “المجانين” محتجزين “بعيدا” عنه، فإنه سيكون بمنجى من لعنة الجنون. لكن الروائي يستثمر اجتماع المعارضين “المجانين” ليمرّر معضلة نفسية وفلسفية كبرى تتمثل في “معنى” الجنون ذاته. فهو يهز أركان التعريف التقليدي لهذا المصطلح الطبنفسي الراسخ منذ عقود طويلة. فوسط تندرهم المأساوي على حالهم المزري وحال بلدهم الذي آلت مقاليد السلطة فيه إلى يد طوروس الطاغية يقول “روبرت ستين” لصديقته “روني بينك” إنه لا يشك لحظة واحدة في أن طوروس قد تخرج من هذا المشفى. فترد عليه بأن الملك سوف يأتي إلى هذا المكان يوما ما ليختار مستشاريه، ولذلك فهي تهيء نفسها من أجل تلك اللحظة (ص 139). إنها طرفة (وشر البلية ما يضحك) لكنها ذات مغاز معرفية عميقة جدا. ويكمل أسعد المعضلة/التساؤل من خلال استمرار الحوار بين المعارضين “المجانين” :
(-كلا . فإذا جاء الملك إلينا ، سنقنعه برفع رتبته إلى مقام آخر، ننصبه امبراطورا علينا. أليس ذلك ما يليق به؟
سأل الكاتب “هيس ثروب” الضيف الجديد “لانكسن” وهو يتأمل في وجهه فاحصا.
-الملك طوروس يحتاج إلى قارة كي يتوسع ويتنفس بالقدر الكافي.
أجابه لانكسن مكفهرا
-لا تكن تافها. فما دمت من سكان هذه المستشفى. عليك توخي الحذر من السخرية، أفهمت ؟
ردّ عليه مصلّح العجلات “فرانك جون” وهو شبه ثائر.
-خذ حذرك يا لانكسن من هذا الوغد – وأشار إلى فرانك- فهو يعمل في سلك القذارة؛ المخابرات.
صاح به القبطان “بيرن سكوت” وهو ينهض رافعا قبضته المليئة بقنينة البيرة الفارغة، استعدادا منه لتهشيم رأس فرانك.
-على مهلك يا بيرن. فقد يسكن نصف الشعب هنا في غضون سنة من الزمن. فليس أسهل من أن يكون المرء مجنونا أو معاقا في هذه الأيام. ولكن قل لي بحق السماء: هل تقل العنصرية كمرض عن الجنون في أوروبا الحديثة ؟ – ص 139 و140 ).
إن العقل الإنساني يقف حائرا أمام أفعال طوروس العجيبة الغريبة التي تنافي كل منطق وكل عرف. لقد أصدر قوانين وقام بإجراءات لا يمكن أن تصدر إلا عن عقل “جنوني”! . وهذه المحاكمة لا تصح إلا إذا وسّعنا مفهوم الجنون ليتعدى الأطر التقليدية المستقرة. إذ كيف “نعقلن” إجراء يقضي بتخصيص كلب لكل مواطن ؟ ما معنى أن يشن جلاد حملة إيمانية (أمر طوروس “المسلم” بمنع الخمور والعودة إلى منابع المسيحية!!)؟ ما معنى أن يلقي حاكم بشخص عاقل في مشفى للمجانين كعقاب له على عقله الانتقادي؟ ما معنى أن يقوم حاكم بقتل أشخاص يمنعهم من الهروب ويدين الدول التي تؤويهم؟ ما معنى أن يقود شخص كل نواحي الحياة في بلد ما، هل كون الشخص قائدا يعني أنه يفهم في كل الاختصاصات؟ ثم ما معنى أن تعتبر عرقك أهم الأعراق، وتحتقر ونصفي الأعراق الأخرى؟
إن الحضارة الحديثة – وحسب عالم النفس الشهير ” إريك فروم ” هي حضارة ” الجنون السويّ ” حيث يقول :
سيكون من دواعي دهشتي ألّا يقدَّم إنسان علم التحكم أحاديّ التفكير صورة لسير فصام الحد الأدنى المزمن ؛ “الشكيزوفرينيا – schizophrenia ” – باستخدام المصطلح من أجل التبسيط . فهو يعيش في جوّ لا يقل إلّا كمّياً عمّا يجري في الأسر الفصامية ( المُحدثة للفصام ) .
وأعتقد أن من المعقول ان نتحدث عن ” المجتمع غير السوي ” ومشكلة ما يحدث للإنسان السوي في مثل هذا المجتمع . فإذا أنتج مجتمع من المجتمعات أكثرية تعاني من الفصام الشديد ، فإن ذلك سوف يضعضع وجوده . والشخص مكتمل الفصام يتصف بأنه قد قطع كل العلاقات بالعالم الخارجي ، إنه منسحب إلى عالمه الخاص ، وأهم سبب يجعله يُعدّ مريضا بشدة هو سبب اجتماعي ؛ فهو لا يؤدي وظيفته اجتماعياً ، ولا يستطيع أن يُعنى بنفسه كما ينبغي ، ويحتاج إلى مساعدة الآخرين بطريقة أو بأخرى …. والمجتمع ، إذا لم نتحدث عن مجتمع ضخم ومعقد ، لا يمكن أن يديره أشخاص فصاميون . ومع ذلك يمكن أن يديره على ما يُرام أشخاص يعانون من فصام الحدّ الأدنى ، وهم أشخاص قادرون تماماً على إدارة الأمور التي تُدار إذا كان المجتمع يؤدي وظيفته . وهؤلاء الناس لم يفقدوا القدرة على النظر إلى العالم ” واقعياً ” ، شريطة أن نعني بذلك تصوّر الأمور عقلياً كما هم بحاجة إلى أن يتصورهم الآخرون ليتعاملوا معهم عاطيا . وقد لا يكونون قد فقدوا كليّاً قدرتهم على خبرة الأشياء شخصيا ، أي ذاتيا ، ومن قلوبهم . ويمكن للشخص مكتمل النمو أن يرى وردة ، مثلا ، ويَخْبرُها على أنها ناشرة للدفء أو ملتهبة ( وإذا صاغ هذه الخبرة في كلمات فقد ندعوه شاعراً ) ، ولكنه يعلم كذلك أن الوردة – في مجال الواقع الفيزيائي – لا تُدفىء كما تُدفىء النار . والإنسان الحديث لا يخبُر العالم إلّا من حيث غاياته العملية . ولكن نقصه ليس أقل من نقص من يسمّى الشخص المريض الذي لا يستطيع أن يخبُر العالم ” موضوعياً ” ، ولكنه احتفظ بالمقدرة الإنسانية الأخرى عن الخبرة الشخصية ، الذاتية ، الرمزية .
وأعتقد أن ” سبينوزا ” في كتابه ” فلسفة الأخلاق ” أول من عبر عن مفهوم ” الجنون الطبيعي ” :
تستحوذ على الكثيرين من الناس العاطفة نفسها باتساق شديد . فتكون حواسّه كلّها شديدة التأثر بشيء إلى حدّ أنه يعتقد أن الشيء موجود ولو لم يكن موجودا . وإذا حدث هذا الأمر عندما يكون الشخص مستيقظاً ، يُعتقد أن الشخص مجنون .. ولكن إذا لم يفكر الشخص الجشع إلّا في المال والممتلكات ، ولم يفكر الطامح إلا في الشهرة ، فلايعتقد المرء أنهما مجنونان ، ويكون لدى المرء احتقار لهما عمو