الرئيسية / قراءات / “بوركيني” لمايا الحاج.. عن الرمز العار في كلية الفنون محمد حمدان

“بوركيني” لمايا الحاج.. عن الرمز العار في كلية الفنون محمد حمدان

مايا الحاج هي كاتبة وناقدة لبنانية تكتب بشكل دوري في صحيفة الحياة اللبنانية. وهذه هي أولى أعمالها الروائية. وقد صدرت عام 2014. واختيرت ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد عن فئة الكاتب الشاب لنفس العام.
تتحدث هذه الرواية القصيرة -174 صفحة- عن الصراع النفسي لامرأة محجبة. وهنا، نتذكر روايات الخيال العلمي حيث يوجد البطل الخارق فيضطر الكاتب لخلق شرير خارق كي يتولد صراع شبه متكافئ يجعل ذروة الحبكة مشوقة. وهذا ما كان في هذه الرواية؛ فالبطلة –التي لا اسم لها- قد جمعت من التناقضات في ذاتها ما يجعلها أرضاً خصبة لصراع نفسي لا مثيل له ما بين فلسفة الحجاب وثقافة الجسد. وتذكرنا هذه الرواية بشكلها النهائي المتمثل بقلة الأحداث وكثرة حديث النفس والتي يكشف عنها عنوانها المتمثل باعترافات محجبة بروايات أخرى؛ منها الجحيم لباربوس حيث يغلب حديث النفس على الأحداث القليلة في الرواية.. مما يجعلها رواية وجودية بامتياز.
تنقسم الرواية إلى سبعة فصول عنونت بأماكن وجود البطلة. وبدأت الرواية بتعريف نفسي إلى البطلة في عرينها “المحترف” فهي رسامة.. تختص برسم الأجساد الأنثوية شبه العارية إلى العارية. وهي امرأة شابة مثقفة جميلة.. ومن المهم التركيز على خلفية المشهد المتركزة في جسد الأنثى، سواء المتجسد بالبطلة ذاتها والوضعية التي كانت عليها.. إلى اللوحات التي تملأ المحترف من حولها. فهذا هو محور الرواية بأكملها.. جسد المرأة. ثم تتطور الأمور في نهاية المشهد بوضعها للمنديل على رأسها لتكشف لنا الكاتبة عن كون بطلتها محجبة ولأول مرة. وهنا نلاحظ نقطة أخرى مهمة، أن الرواية بدأت مع بطلة فنانة، شابة، مثقفة، كأي امرأة أخرى في الدنيا.. لها خطيب.. ومهنة تحبها.. وفي آخر المشهد يتضح لنا فردية هذه الشخصية بكونها محجبة. وفي ذلك إشارة صريحة على أن المحجبة هي مجرد امرأة أخرى.. إنسان كأي إنسان آخر.. له اختياراته والتي قد يحدث أن يكون الحجاب أحدها.
يتطور الأمر في الفصل الثاني، في لقائها مع خطيبها في المقهى حيث يكون الحدث الذي يزلزل حياة هذه الفتاة، والتي تحوي في داخلها تناقضاً مهولاً من الأساس؛ فهي الفنانة المتحررة الأفكار والتي قد نشأت في عائلة متحررة لأم ترتدي التنانير القصيرة كأي امرأة أخرى في مجتمعها.. وأب يعرف بنزواته النسائية.. وتذكر البطلة ذلك الركن الموجود في البيت حيث يكمن البار الممتلئ عن بكرة أبيه بمختلف أصناف الكحوليات.. وقد حرصت الأم على تنمية مواهب بناتها الثلاث.. فلكل واحدة منهن موهبة.. كما لبطلتنا موهبة الرسم.. ولم تكن تدري كم هي فريدة ابنتها هذه بالذات. فبمجرد أن بلغت تلك السن التي تبدأ مظاهر الأنوثة فيها بالظهور حتى رفضت ارتداء ثياب السباحة.. وبالتالي رفضت السباحة مطلقاً في المسابح المختلطة. هي التي قد تعرفت إلى الصلاة لأول مرة من جدتها في عمر الـخمس سنين. ولم تجد أي فرد آخر في عائلتها ليدعمها في قرارها اللاحق بالحجاب. هي دون شك شخصية متمردة، وحبها للفردانية قد يكون السبب الحقيقي لحجابها.. ولربما لو كانت في عائلة محافظة.. لظهر تمردها على شكل رفض الحجاب ! هذا التناقض الصارخ والذي وصل ذروته حين درست الفنون وامتهنت رسم أجساد النساء –سواها- يتجلى فيه تعبير صريح بأنها تحاول كشف أنوثة، تخفيها هي، في أجساد سواها ! ومن البديهي جداً هنا أن تفجر رؤيتها لحبيبة خطيبها السابقة في المقهى لأول مرة وعلى تلك الشاكلة التي رأتها فيها تلك البراكين التي تغلي من الأساس في روحها التي اعتادت الازدواج ! كيف لا، وهي ترى رد فعل خطيبها –الأحمق- بنظراته اللاهبة لحبيبته السابقة والتي تظهر لهم شبه عارية.. وهنا أقتبس:
أدقق فيها أيضاً. أراها تبدل طريقة جلوسها. فتقرب جسدها إلى الأمام وتلصق صدرها بحافة الطاولة. نهداها المكشوفان يتدليان على الطاولة كحبتي فاكهة استوائيتين ليسلبا ما تبقى من عقلي… لا، لا… ماذا يحدث لي؟ أيعقل أن أغار من نهدين أملك مثلهما، وفوقهما موهبة كبيرة.. لكن الواقع يؤكد أن هذا الجسد الذي أملكه ولا أملك حق التصرف به، بات سر نجاح أي امرأة. فكيف لحياتي أن تزدهر من دونه ؟ المجتمع الحديث تمكن من أن يحول الجسد الأنثوي إلى مجرد “غرض” لا دور له سوى الاستهلاك. جسد المرأة أضحى اليوم مكاناً لصراع الخطابات المتناقضة، وحوله تدور النزاعات الكبرى. ففي إحدى الملصقات التي درستها في مادة “فن الصورة”، وجدت أمامي صورة رائعة يعلو صدرها العاري فم بشفتين حمراوين، بينما يحلّ مكان رأسها مكواة. صورة تعبر عن جسد شديد الأنوثة والإروسية، وإنما برأس لا يساوي أكثر من جهاز منزلي بسيط كالمكواة. وقد أرادت الفنانة البريطانية ليندر كيرسيلينغ من خلال هذا الملصق الجريء أن تحارب “تشييء” المرأة، وحصرها في إطار جسدها المرغوب جنسياً في المجالات كلها. وأثار هذا الملصق جدلاً في الصف حول الجسد في حياة المرأة، وبعدما عبرتُ عن رأيي، توجهت أستاذتي إليّ بسؤال ظل صداه يتردد في رأسي طويلاً: “أليس الحجاب هو أيضاً تشييئاً للمرأة ؟ ألا يجعلها أداةً للفتنة التي يجب سترها تحصيناً لنفس الرجل وعينه ؟” انتهى الاقتباس.
الرواية مليئة بالأسئلة التي لا تجيبها فوراً.. بل قد تجيب عليها في أماكن لاحقة.. أو لا تجيب عنها إطلاقاً. لا أظن أن أحداً يستطيع لوم البطلة على تفكيرها الفصامي.. نظراً لخلفيتها فهي ليست متمكنة تماماً من فلسفة الحجاب. إنها بين – بين. إنها ذات طبيعة متمردة قبل كل شيء.. وحجابها ليس إلا تتويجاً لحياة متمردة اختارتها لنفسها. هي مؤمنة دون شك. وهي تعيش في سلام نفسي مع ذلك.. ولربما تشعر بالفصام اتجاه حجابها ولكنها لم تشعر بفداحة ما هي فيه إلا بحادثة المقهى. خاصة وأن حبيبة خطيبها السابقة ليست مجرد حبيبة.. إنها متحررة للغاية.. لدرجة أنها ساكنت خطيبها -مساكنة الأزواج- لمدة عامين كاملين قبل أن تتركه لتتزوج رجلاً ثرياً. وهنا، يتبادر لنا السؤال البديهي: كيف لامرأة محجبة أن ترتبط برجل كهذا؟ هل من الطبيعي أن يرتبط رجل متحرر بهذه الطريقة بامرأة محجبة؟ لربما كان ارتباطه بها نوعاً ذكورياً من التمرد أو ردة فعل معاكسة بسبب ما فعلته معه حبيبته السابقة المتحررة. فأراد أن يرتبط بامرأة محافظة قد تكون مخلصة له أكثر.
بطبيعة الحال، الأمر مختلف تماماً مع البطلة. إنها امرأة.. وككل امرأة تحلم برجل تحبه. ولأنها شخصية فريدة كانت الفرادة لا تخلو في الشيء الذي جذبها فيه. إن امرأة عذراء غير ذات تجارب مع الرجال لربما يجذبها رجل فيه شيء من ”الأنثوية“.. وقد وجدت ذلك في أصابع خطيبها الناعمة كأصابع النساء رغم مظهره الذكوري العام والذي يتصف عموماً بالوسيم. وهو بالإضافة إلى ذلك لا يعدم ملكة الكلام فهو محامٍ ناجح وذائع الصيت. اذن، فقد اكتملت التعويذة التي أصابت بطلتنا بالحب. رجل وسيم، ناجح، والأهم من كل شيء.. إن له أصابع أنثى !
الشكل، الجسد، هو كل شيء تقريباً في حياة البطلة. ولقد شعرت بطعنة عنيفة لأنوثتها بسبب ما حدث في المقهى.. ومن البديهي أن تجد حلاً جسدياً لاستعادة ثقتها بنفسها، جسدها، وأنوثتها.. ألا وهو الاتصال الجسدي بخطيبها. وليس أمامها وهي الفتاة المحافظة إلا بتقديم موعد الزواج.. أو بالأخرى “كتب الكتاب” لكي يصبح حلالها.. وتتمكن من الوصال بطريقة لا تتعب فيه ضميرها. ورغم رفضه لذلك إلا أنني أعتقد أنه كان سعيداً ولا بد بما حدث بعد كتب كتابهما حين زارها بعد ذلك في المحترف. وقد يفكر المرء بأن رجلاً حقيراً قد يكون قد اتفق مع حبيبته السابقة عن عمد فقط لينال مثل هذه المكافأة من مثل هذه المرأة المحافظة جداً. فقد كان أقصى ما ناله منها قبل ذلك هو قبلة على أصبعها الذي ألبسها خاتم الخطوبة وذلك على امتداد فترة خطوبتهما؛ ثلاث سنوات كاملة. لقد كانت حقاً تعتقد أنها قادرة أن تنسيه كل ما كان بينه وبين حبيبته السابقة من خلال الوصال الجسدي. وهو اعتقاد تقليدي من امرأة طعنت في أنوثتها. نعم، لقد أعطته كل شيء أخيراً وتكرر الأمر لأربعة أيام.. ثم اعتذر في اليوم الخامس بداعي الانشغال على أن يحضر يومها الموعود؛ معرض لوحاتها الأول.
وفي يوم المعرض، كانت المفاجأة مرة أخرى.. لقد جاء متأخراً وقبل لحظات فقط من حضور حبيبته السابقة للمعرض ! هل هي صدفة ؟ هي لا تظن ذلك. هي التي يمثل لها كل شيء. وهي التي متبتلة في حجابها.. ولم تكن لتفكر أو تأخذ أمر نزع الحجاب محمل الجد قبل موقف المقهى.. وهي التي بدأت في اظهار “غرة” من حجابها والتي قد استبشر أهلها خيراً أنها قد تكون مؤشراً على نزع وشيك لذلك الحجاب. الحجاب، ذلك الرمز لهوية اختاروا ألا يظهروها.. ذلك الرمز العار في كلية الفنون حيث حاول أساتذتها دون استثناء ثنيها عن قرارها وجعلها تنزع الحجاب. ذلك الرمز العار في وسطها الثقافي حيث عارضها كل أصدقائها بالإضافة إلى عائلتها. ومن الجدير بالذكر هنا، أن الكاتبة محجبة كذلك.. ولا بد من أنها هنا وفي حديثنا عن المجتمع الثقافي والتي هي منغمسة فيه دون شك تتحدث عن تجربة خاصة. ما يهم هنا، هو أنها وبعد تلك الصدمة الأخيرة.. قامت بإعادة تلك الغرة إلى مكانها أسفل حجابها ثم خرجت لتسلّم خطيبها خاتم الخطوبة دون كلمات. لنشهد بعد ذلك رمزاً للذكورة الطاغية التي لم تسمح لها بالكلام.. ولا القرار ولم يبرر لها شيئاً عدا أنه أخذها من يدها الباكية إلى ما لا تدري أين !
ما الذي حصل هنا بالضبط ؟ إنها نهاية مفتوحة قابلة للتأويل.. وفي طبيعة الحال، أجزم أن النقاد سيحبون هذه الرواية لكثرة ما هو خاضع للتأويل خاصة مع هذا الموضوع المثير للجدل. تلك الإزدواجية المذهلة بين الجسد والحجاب. لكن، ما الذي حدث هنا؟ عن نفسي، أميل أن تناقضها الداخلي قادها لخيار سيئ. فالأمر غير متعلق بجسدها هي. الأمر متعلق به هو. هو الذي بالكاد نعرف عنه ما يخولنا للحكم على تصرفاته.. لكن، ومما عرفنا عنه من النص.. فإن الأمر لا يبشر بخير لبطلتنا أبداً. فهو المحامي المتكلم.. لن يعدم الحيلة في الحصول على ما يريد من أي امرأة شاء.. وما حدث معه سابقاً قد يجعل منه يطلب الثأر في مكان آخر.. ومن امرأة محافظة ربما. أما الحب ؟ فلربما كان بامكاني تصديق حبه لها.. لولا سلوكه في المقهى.. وفي المعرض. هل هذا كافٍ ؟ بالطبع لا. لكنه اجتهاد محض لا أكثر. فرغم كوني رجل، أقر بأني لا أستطيع تصديق تبتل رجل متحرر بهذه الطريقة فقط من أجل الحب. خاصة بوجود دليل هو والد البطلة ذاتها الذي تزوج والدتها الجميلة عن حب أيضاً. والدتها تلك الامرأة المتحررة.. والتي بكل تأكيد لم تبخل على زوجها بجسدها الجميل مطلقاً. فلمَ يكون هذا المحامي المتكلم استثناءً مثلاً ؟ إننا في أحايين كثيرة.. نعيد حكايات آبائنا وأمهاتنا معنا.. مهما حاولنا غير ذلك.
حسناً، ماذا عن الحجاب؟ إن البطلة لم تنزع الحجاب في نهاية الأمر. وقد يكون هذا أمراً بديهياً. وهنا، لا بد لي من أنوه من أن الرواية الجيدة هي تلك التي تبدأ من الواقع ولكنها لا تنتهي إليه كما قال بارغاس، وفي ذات الوقت.. إن الرواية الجيدة هي تلك التي تبدو أبعد ما يكون عن الالتزام.. وهنا يكمن الفارق ما بين هذه الرواية ورواية في قلبي أنثى عبرية على سبيل المثال.. ورغم كون هذه الرواية تعتمد بشكل مباشر على حديث النفس. وهي فقيرة الأحداث بشكل مخيف، فهي تحمل في سردها رهاناً كبيراً.. فإن لم يكن القاريء مهتماً بموضوع الرواية سيشعر حتماً بالملل ويفرّ هارباً. ولربما قصر حجمها قد يساعدها في التغلب على ذلك. لكن ذلك لا يمنع أنه رهان كبير من الكاتبة. ما يميز هذه الرواية هي أنها تبدو غير ملتزمة. فقد ناقشت فلسفة الحجاب والجسد بشكل موضوعي إلى حد بعيد.. وهي لم تحاول تجريم السفور ولا الحجاب. كل ما هنالك أنها وضعت كلا الفلسفتين أمامنا.. فلا ننسى مشهد رقص صديقتها في ذلك الحفل الكوبي والذي لا أخال له هدفاً آخر سوى عرض مشهد رقصها المثير.. بلباسها المكشوف ونظرات الرجال من حولها تأكلها وهنا لا بد لي من أن أقتبس:
أنا أرسم الجسد أثناء بحثي عن الحقيقة، أما هي فترقص بجسدها لأنها وجدت الحقيقة. حقيقة أن الجسد هو وحده الحقيقة المطلقة، وأن كل ما عداه وهم. حقيقة أنه في الأصل كان الجسد، وكل ما عداه كان تراباً. تتحرك وكأنها تعلن للعالم أن الإنسان يولد بولادة جسده، ويموت بموته. رقصها يقول هذا كله، وأكثر. أتأمل وجه حبيبها. أراه يلتهمها بعينيه. يفكر بجسدها، بكل جزء من أجزاء هذا الجسد المتعرق المثير. أخاله يريد أن يصرخ أمام كل هؤلاء الرجال أن هذه المرأة الجميلة هي لي، الكتفان المتحررتان هما لي، والنهدان المتبرعمان تحت الفستان الأزرق اللاصق هما لي، والظهر الأسمر المبلل بمائها هو أيضاً لي. الرجال الآخرون يحسدون الرجل الذي هي له. ولا أعرف إن كان خطيبي، الذي لم يرَ أكثر من وجهي ويديّ، يحسد الشاب الذي يجلس أمامه. لا أريد أن أنظر في عينيه. أخاف أن أرى لمعتهما. أخاف أن أره وهو يشتهي امرأة غيري، أنا المرأة التي لا تشتهي في الدنيا رجلاً سواه. هذا الخوف هو أكثر ما يعذبني. انتهى الاقتباس.
هذه هي فلسفة الجسد، إنه الحياة كلها ولا شيء يكون بعد موته.. وفي ذلك إشارة صريحة إلى أنه لا حساب، لا إله، لا شيء. وهذا بديهي مع صديقتها هذه اللا دينية. وفي ذات الوقت. نجدها مباشرة بعد هذا الوصف تقول عن رقصها أن فيه تصوف ما.. إنها برقصها تتطهر من درن الدنيا. ويذكرني هذا بإشارة سابقة لها عن صديقتها أنها تأثرت بها فأصبحت تنظر إلى السماء فيما يشبه الصلاة فتشعر بالراحة. لكن، أيمكن ذلك حقاً ؟ أن أكرر طقوساً ما دون إيمان حقيقي بها.. فأشعر بالراحة ؟ ألا يشبه ذلك دعاءنا غير المستجاب ؟ حين نعكف ندعو الله بكذا وكذا مراراً وتكراراً ونحن المؤمنون فلا يستجاب لنا بشيء ؟ إذن، كيف لغير المؤمن وبمجرد تقليد لطقس ديني ما.. يشعره ذلك بالراحة ؟ هل يمكنني مثلاً أن أشعر بالراحة لو دخلتُ كنيسة فأكلتُ الخبز المقدس وشربتُ النبيذ ؟ بدا ذلك لي مفارقة غريبة. لكنه يتفق مع المنطق الفصامي للبطلة دون شك.
من جهة أخرى، يمكن للمرء أن يفكر بهذه الرواية بطريقة أخرى.. ماذا لو كتبت من وجهة نظر رجل محافظ ؟ ألا يمكن للرجل مثلاً أن يكتب عن معاناته وحرمانه من الجنس الآخر مثلاً ؟ فالمحجبة لا تتبتل أو تحتجب ورجلها فاسق أو زير نساء.. بالطبع هناك حالات كذلك حقاً.. ولكن، هل يمكننا تعميم ذلك حقاً ؟ هل كل الرجال الذين ترتبط بهن المحجاب كخطيب البطلة مثلاً ؟ لا أظن ذلك. ولا كل المحجبات كالبطلة أيضاً. ما بين أيدينا هنا، هو حالة فريدة.. صممت لتضع بين أيدينا أقصى أنواع الصراع النفسي بسبب ازدواجية الحجاب والجسد.
باختصار، هي رواية مثيرة للجدل دون شك. وهي تجربة مثيرة حقاً للاهتمام رغم ذلك الرهان الذي تحدثت عنه فيما سبق. عدا عن ذلك. هي تجربة فريدة بحق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد حمدان: كاتب أردني. ولد في الكويت، وتلقى تعليمه الثانوي في الأردن عام 1998 ليدرس بعدها الصيدلة في جامعة فيلادلفيا. له في الرواية:
“ •سمات بشرية لا نفتخر بها”، 2012
“ •عن ظهر قلب”، 2016

شاهد أيضاً

صورة المرأة في “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي * د.أحمد بوغربي *

– تقديم الرواية: تتقدم رواية “ذاكرة الجسد”، في شكل خطاب يكتبه الراوي “خالد” إلى البطلة …