نوفمبر 17, 2018
  • نوفمبر 17, 2018
  • Home
  • أخبار
  • “برّ دبي” لزياد عبدالله: بانوراما للأحلام والمصائر المتشابكة
أكتوبر 30, 2018

“برّ دبي” لزياد عبدالله: بانوراما للأحلام والمصائر المتشابكة

By 0 49 Views

صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط بإيطاليا، الطبعة الثانية لرواية “برّ دبي” للكاتب السوري زياد عبدالله. الرواية صدرت طبعتها الأولى في دمشق عن دار المدى عام 2008، واعتبرها الكثير من النقاد الرواية الأولى التي تقتحم عوالم حياة المهاجرين في الخليج العربي وفي قلب لؤلؤة مدنِه الأشهر دبي، بل يذهب الناقد محمد فرحات إلى أنها رواية مؤسِّسة في هذا المجال فيقول: «يمكن إدراج رواية “برّ دبي” في الأعمال الفنّيّة التأسيسية عن حياة الجاليات في دبي ومُدُن الخليج عموماً، إذ يحفر الكاتب في شخصيات مغتربة، من دون الاتّكاء على مقارنة مع السّكّان الأصليّين، فنحن هنا أمام عنصرَيْن اثنَيْن: المغترب والمكان.

رواية زياد عبد الله عن عيش الاختلاط في دبي، فأبطالها وبطلاتها من أصول متنوّعة، وفي درجات عدّة من السّلّم الاجتماعي المتحرّك للمدينة الإماراتية الكوسموبوليتية، من صاحب الشركة والموظّف الى العامل المبتدئ».

أما الناقد الفلسطيني الراحل بشار إبراهيم فيؤكد وبوضوح أنها المحاولة العربية الأولى في كتابة سيرة المدينة/الإمارة دبي، مُضيفاً: «هذه الرواية جاءت نتاج مختبر إبداعي فريد: (شعر + سينما = رواية)».

و”برّ دبي” تقتحمُ قصةَ كل شخصيةٍ في لحظة ذروتها، وتقتحم كذلك العوالم المتوارية خلف الأبراج الزجاجية، مستبعدةً كل ما يعيق التصعيد الدرامي للأحداث، وملغيةً كل ما لا ينبع من الشخصيات وهي على المفترقات. عامل الوجبات السريعة يوسف الرشيد يبدأ من هجران نورا له وهاتفها الموصد في وجهه. الصحافية هدى مرتضى تضيء كل وساوسها من البداية متداخلة مع تحقيقاتها الصحافية والحوادث التي تغطيها. المدير المالي حسن المطوي يغرق في نزيف زوجته ولا يجد نجاته إلا بمساعدة سيده. المدير الإبداعي يوسف المشهداني يقرر العزلة فيعلو صخب حياته ويداهمه كل ما هرب منه. ومن ثم تستعاد حياة كل شخصية ودوافعها بموازاة تواتر الأحداث والوقائع.

ستلتقي الشخصيات في النهاية، وتتشابك مصائرها، وقد أوحت بدايةً بأنها تمضي في خطوط سردية تجعل من قصصها منفصلة عن بعضها البعض، وما أن تتلاقى حتى تتكامل خريطة الرواية وتتضح بنيتها التي تحاكي دبي وطرقاتها السريعة المتداخلة وقد أفضت ووصلت إلى خاتمة ليست إلا بداية جديدة.

روايةٌ تمضي عميقاً في أحشاء مدينةٍ تُملي بنية سردية تتناغم وطبيعتها، تقتحم العوالم السفلية وتنبش ما يتوارى خلف الأبراج والزجاج، بعيداً عن الأضواء. هي بلا شكّ بانوراما توثيقية، لكنَّها تنتصر للحكايات والشخصيات والمصائر، بوفاءٍ إنساني وابداعي خالص.

جاء الكتاب في 184 صفحة من القطع الوسط.

من الرواية:

دم – كتشاب

خرج جرس الحريق من منام يوسف الرشيد في تمام السادسة وعشرة دقائق من صباح السابع عشر من آب، وامتزج برنين المنبه وهو يقرعه ليستيقظ، وينفض الحلم الذي رآها فيه عاريةً وممددة على أرض غرفتها، وقد فُرِشت بصور فوتوغرافية لم يتعرف على واحدة منها.

لم ينجح بمعاودة النوم. بقي مستيقظاً يستجمع الحلم، يستعيد ذلك الطفل الذي كان يأكل بذر اليقطين الأبيض ويرمي بقشوره على نورا العارية، إلى أن غمرها تماماً، وراحت تنتفض تحت كومة القشور من دون أن يظهر منها أي شيء.

خمدت فجأةً! انطلق جرس الحريق، واتبع بطرقات قوية على الباب.

عاد المنبه إلى رنينه في السادسة والنصف، ما استدعى منه النهوض مباشرة، تحديداً بعد توقف باسل عن الشخير في سرير على يساره، ومعاودته بحدة أكبر، ليتبع ذلك صراخ جون العجيب في سرير على يمينه:

– فق.. فق..

قافات فلبينية التقطها باسل ليتقلب ويلتصق بالجدار، ويتوقف عن الشخير تماماً.

لم ينتظر يوسف من يشغل الحمام ليخرج، فكونه شاغراً أمر له من الرفاهية الكثير في شقة يشغلها ستة أشخاص. ارتدى ثيابه أولاً وربطة العنق المعقودة سلفاً، ومن ثم جوربيه اللذين كانا يستغرقان منه الوقت الأكبر، لضياعهما غالباً أو عثوره على فردةٍ من دون الأخرى، واضعاً حداً لهذا المأزق اليومي من خلال شرائه عشرة أزواج جوارب باللون والمقاس والرائحة نفسها، مجنّباً نفسه تقديم أي تنازلات على صعيد طقوس التغوّط الصباحي، وما يمنحه إياه من شرودٍ، يترافق مع سيجارته الأولى، بحيث خرج منه هذا الصباح، بأن «فق» التي صرخ بها جون، هي «Fuck».. لكن بلكنة فلبينية، وأنه تبقّع تماماً بنورا، منذ أن قالت له:

– من مثلك القدر إلى جانبه.

تساءل: أي قدر هذا الذي تتحدث عنه؟ ما غطّى على رائحة التوابل الحارقة التي خلّفها بابو بعد مغادرته الحمام، والتي خالطت فرشاته وشفرته، والمعجون الذي ما أن استقر على ذقنه حتى غابت رائحته، لينتبه إلى أنه كان على مقربة الاختناق لولا خروجه في تمام السابعة إلا خمس دقائق من الحمام إلى الباب مباشرة، ومن ثم انتظاره ثلاث دقائق الباص الذي ابتلعه ونجّاه أيضاً من رطوبة جمّدت الهواء، ودفعت بحبات عرق تكاثفت على سائر جسده.

داهمته برودة المكيّف وأغنية السائق الهندية، وثرثرة أقرب للصراخ، وضحكات اندلعت بمجرد جلوسه في مقعده وحيداً.

نقر برابس على كتفه بإصبعه الغليظة، لا ليس كتفه! بل العظمة الناتئة بين الكتف والذراع، أي في المنطقة التي لطالما كانت المفتاح الذي يضيء فيه غيظاً كافياً لارتكاب جريمة!

– غوود مورنينغ جوزيف.. اتس كاونتر داي..

– يوسف.. يوسف.. نت جوزيف.

منحته الطريق سيلاً متدافعاً نحو نورا المحتشدة في جسده، وتأوهاتها الأشبه بصراخ حاد تدفنه في وسادة لا تتركها أسنانها إلا لتنغرز فيه. كانت مساماته وخلاياه تستعيدها بحذافيرها، وقد خلص منذ مدة إلى أنها هي وحدها من كان يبحث عنها في بارات بر دبي، بعد أن كان عالقاً في فنادق البراحة، وعاهرات الخمسين درهماً، الجاهزات في غرفهن لمن يخطو إلى داخلها.

– لواحد ع السريع.

كما كان يقول له باسل عرنيس، أو معلم باسل، المتخصص بهذا النوع من العاهرات، والحافظ لتلك المنطقة من دبي القديمة، شبراً شبراً، مستعيناً بلغة روسية تعلمها في موسكو لسنتين، وعاد بها مستغنياً عن أية شهادة أخرى.

يصل الباص مركز «سيتي سنتر» للتسوق، يصطدم مجدداً بغياب نورا وهاتفها الموصد في وجهه، منذ أخبرته أنها مسافرة إلى جزيرة «كيش» أي «تشينج فيزا»، رحلة لا تتجاوز اليوم الواحد، تلامس الطائرة المطار، تنتظر وصول «الفيزا» الجديدة ثم تعود بنفس الطائرة.

نزل من الباص بخطواته المتثاقلة، تصاعد قلقه، ما دفعه إلى سيجارة ثانية ضاعفت جفاف حلقه. عاود الاتصال بنورا:

– «إن الرقم الذي طلبته مغلق، أو خارج نطاق الخدمة حالياً، يرجى الاتصال فيما بعد».

يوم «الكاونتر» استثنائي في مطاعم الوجبات السريعة، وأولى خطواته نحو ما جاء من أجله، أي أن يكون مديراً لأحد الأفرع («ستور مانجر» بلغة مطعمه)، الأمر الذي يحتاج ما بين السنة إلى ثلاث سنوات، قابلة للتمديد، في تدرج وضع خصيصاً لإبطاء الحصول على هذا المسمى، إلا إنه اليوم يكون قد تخلّص من المراحل الأولية التي كانت تطحنه، في مكان يؤمن أن على المدير المرور بكل المراحل، وأن يبدأ عاملاً عادياً («كرو» بلغة مطعمه) يخضع لعدد كبير من الامتحانات، تأذن لدى اجتيازها بالانتقال إلى المرحلة التالية.

وهكذا فإن هذا اليوم يوم ولادته من جديد، الأمر الذي تأكد منه بمجرد وقوفه خلف «الكاونتر»، حيث كان كل ما عليه القيام به هنا: إلقاء التحية أولاً على الزبون، أخذ الطلب وشكره، سؤاله المبلغ، ومن ثم ينادي بالوجبة المطلوبة، ويقدمها إلى الزبون، مع الشكر مرة أخرى، وعبارة «عد مجدداً» («كم أغين» بلغة مطعمه).

إيقاع مغاير تماماً لأيامه السابقة، متناغم مع خط بيع ثابت، يتعرض لأوقات ذروة تقارب الجنون و«سعار البرغر»، الذي كان يستشعره في الخطوط الخلفية لـ «الكاونتر» بطريقة مختلفة، حين كان غارقاً في تاريخ وأمجاد البطاطا المقلية، والعمل على المشواة («الغريل» بلغة مطعمه)، مع مروره على تقنيات الجلي («الباكسينغ» بلغة مطعمه)، وتنقية الزيت («الفلتر» بلغة مطعمه)، وليكون كل ذلك لا شيء أمام ما أمضاه في المرحاض، حين كان حارساً أميناً على البول والخراء، لا يمنح للقذارة أية فرصة، ينظّفها فور مفارقة الزبائن المراحيض، وابتسامة عريضة لا تفارق وجهه. يبدل المناشف فور انتهائها، الصابون السائل، المناديل الورقية. مياه متدفقة، ضراط، وأصوات ترافق فضلات البشر من كافة الأعراق والجنسيات.

كان الشرود حيلته الوحيدة حينها لتمرير الثماني ساعات الجهنمية، يسترق النظر إلى الوجوه التي تنجح أحياناً في تذكيره بوجوه تشبهها ويعرفها، ليتعقبها ويعيدها إلى ذاكرته في عملية فرز لحيواتها وعلى شيء من محاكمتها، واستعادة أخطائها هنا وصوابها هناك، وما تحرضه من ذكريات، إذ يكفي أن يجد تعبيراً على وجه أحدهم ليتذكر كيف قفز عن سور المدرسة للمرة الأولى، واستقر أمام رجل عجوز شعر بأن حجم دهشته به كان كفيلاً بقتله.

يستعيد غرامياته الفاشلة المرتبكة، وتعثره مراراً في نطق حرف واحد أمام تلك الفتاة التي كان ينتظرها يومياً، مستنداً إلى دراجته أمام مدرستها، وكيف راح يبطئ خطواته خلفها، بدل أن يسرعها في اليوم الذي قرر مصارحتها بحبه.

يمر أمامه شريط أصدقائه في المدرسة، والجامعة التي أمضى فيها ثلاث سنوات، وجاء إلى هنا، بعيداً جداً عن صباحات مدينته الماطرة، وصوت فيروز الصادح من كافتيريا كلية الآداب الانكليزية، محاصراً بين جدران المراحيض العامة، مطبقاً على تلك الذكريات، معيداً إلى ذهنه مراراً بما يشبه الذكر، كيف منع من مشاهدة جثة والده التي تهشمت تحت حاوية المرفأ، حين هوت من الرافعة، واختارته هو دون غيره، سائلاً إياه مراراً وتكراراً كما لو أنه يسمعه:

لمن تركت زجاجات العرق، وسجائرك الثقيلة، وسهرة رأس السنة التي كنت تمضيها معنا في البيت بطقمك الكحلي الوحيد؟ ما الذي حلّ بمستودع الطحين الذي كنت مديره لعشر سنوات؟ أين هي نقابة العمال التي ناضلتَ من أجلها، حين أمضيتُ سنة كاملة ألاحق فيها التأمينات الاجتماعية؟ لمن تركتني أيها المدلل حدّ الإفساد، والقاسي حتى الجنون، القادر على أن تجعلني أحبك وأنت تصفعني، لا لسبب إلا لأن لون كأس العرق الأبيض ذكّرك بالطحين، بالمستودع، بفئرانه، بمكتبك المتآكلة أطرافه؟

– شهران، شهر، أسبوعان، أسبوع، وينتهي كل شيء!

يقول يوسف الرشيد لنفسه، بينما ثلاثة يتوزعون على المراحيض، يتبادلون الحديث بلكنة بريطانية ثاقبة، من فوق الحواجز التي تفصل بينهم، ويضحكون بالانكليزية أيضاً.

تهاجمه أسراب السنونو المترافقة مع افتتاح المدارس أبوابها أمام عام دراسي جديد، ورائحة الدفاتر وأقلام الرصاص والحبر، حين كان يأخذه والده إلى مكتبة الخزندار، ليتزود بعتاده المدرسي، ويرفض صاحب المكتبة أن يقبض قرشاً واحداً مقابله، قائلاً:

– ولو يا رفيق حسن!

تتلاشى السنونوات، وتطوى المدرسة، ما أن يلتفت إليه رجل بشارب رفيع يرتب ثنيات شماخه أمام المرآة ويضبط التقاطعات ودرجة الميلان، قائلاً له:

– السلام عليكم!

كانت حياته حينها تمر على انعكاس البورسلان ولمعانه، وعدم السماح للمياه بالتمادي وإحداث بلل فاضح. كانت أرقّ ذكرياته تصحو لتمرر الوقت، وتضع أمامه عبير، الفتاة الوحيدة التي شاء القدر أن يكلمها، ويخطف منها قبلة لم تتكرر، بعد سنة كاملة كانت موتورة باستحالة حبهما، وأحاديث كثيرة كانت تمضي إلى الزواج ومنغصات أخرى بدل الحب.

***

زياد عبدالله: كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحرّرها. صدر له، بالإضافة إلى «برّ دبي»: «كلاب المناطق المحررة» (رواية، 2017)، «الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص» (مجموعة قصصية، 2016)، «محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي» (ترجمة، 2016)، «طرق الرؤية – جون برجر» (ترجمة، 2017)، «ديناميت» (رواية، 2012)، «ملائكة الطرقات السريعة» (مجموعة شعرية، 2005)، «قبل الحبر بقليل» (مجموعة شعرية، 2000).

الرواية نت