أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
مارس 4, 2019

باريس في مذكرات ألبير كامو أليس كابلن/ ترجمة: حمزة زكي

By 0 359 Views

هناك أسطورة تأبى إلا أن تثبت أن كاتبا مغمورا كان قاب قوسين من الشهرة، إذ لا يوجد أدنى شك على أن الصفحات المبعثرة على مكتبه ستصنع معجزة ما، بعد أن تكون أول إصدار روائي له، و بذلك ينال تأشيرة عبوره إلى عالم المجد. من مارس إلى مايو سنة 1940 كان ألبير كامو هو ذلك الرجل، انتهى من مسوّدة كتابه الذي عنونه بـ” الغريب”. كانت المدينة وقتئذٍ هادئة على نحو مخيف، إذ حلّ عليها إحساس بفزع، كان ذلك بعيدة أسابيع معدودة من غزو الألمان لها. منذ سنة 1940 شهدت باريس تغيراً على نحو هائل، لكن لا زال بإمكان المرء أن تقتفى أثر كامو عبر أمكنتها و طروقاتها التي وضعتها القلة القليلة من المختصين، على خريطة الأدب و الاقتراب لإلقاء نظرة عن كثب من لحظة إبداعٍ فني فريد.

انتهى كامو من المسودة الأولى لروايته وحيدا في غرفةٍ بفندق دو بويرير في ضاحية مونمارتر حيث كان يقيم، و هو الذي يقع على شارع رفيغنان فوق واحدة من تلال باريس الشاهقة التي كان هوائها النقي مجديا في تخفيف من وطأة مرض السل المزمن الذي كان يعانه الكاتب الناشئ. بإمكان المرء ان يستشعر لوهلة، أن ذلك المكان هو أكثر الأماكن المنظرانية التي يمكن أن تجود به باريس، توجد هاك مصاطب وكراسي مثبتة وأدراج وعلى جانبٍ من الساحة المبلطة كليا توجد هناك نافورة تتوسط المشهد بشكلها الجميل، أما الفندق الصغير فهو يقع قابلة مبنى Bateau-Lavoir التاريخي، أو ما سمي بمنحلة الفنانين. يبدو المبنى من شكله الخارجي الممتد كسفينة كبيرة. و على مثن تلك السفينة الحداثية رسم الفنان بابلو بيكاسو لوحته Les Demoiselles d’Avignon in سنة 1907. بعد الحرب العالمية الأولى انطفأت أمجاد Bateau-Lavoir. ولكن في مارس 1940 حين أتى كامو و عاش تحت ضلاله، عاودت هيبة المكان البوهيمية النصوع من جديد. غير أن مونتمارتر سنة 1940 كانت لاتزال تبدو عمليا كقرية معزولة أو كضاحية حيث بمقدوري الكاتب أو الفنان أن يتدبر عيشه فيها من لا شيء تقريبا، لأن المورد يكاد يكون معدوما هناك.

كانت الفترة التي أمضاها كامو في مونتمارتر تعيسة جداً، إلا أن تعاسته لم تمنعه من أن يكون حيوياً. بالنسبة لشاب مرهق، يتوجب عليه يوميا استقالة قطار الانفاق من مكان عمل في جريدة باريس سوار اليومية التي تقع على ناصية شارع دو لوفري في مركز المدينة إلى محطة أبيسيس في الشمال، وبعدها عليه تحمل الانحشار في مصعد مكتظ بالمغدرين ليصعد من جوف خط القطار إلى السطح، ويتسلق تلة تعصف بها الرياح في جو مارس الذي يجعل كل شي زلق. هذا المشوار كله ليعود الى البيت، ذلك الأمر الذي يجعله يمتلء شعوراً بالغربة. في مقدمةٍ ليومياته الأولى يبدو أنه رسى على عنوان الأنسب لروايته حيث جاء فيها: “ماذا تعني هذه اليقظة المفاجئة، في هذه الغرفة المظلمة، ولما كل شي يبدو غريبا بالنسبة لي، كل شيء، دون أن يكون هناك شخص واحد ينتمي إلي، ولا مكان يمكن أن يداوي هذا الشرخ في قلبي. ماذا أصنع هنا، ما الغرض من كل هذه الابتسامات التي تعلو الوجوه و الإشارات المبددة؟ هل أنا لا انتمي إلى هنا ولا لأي مكانٍ أخر. و العالم كله لم يعود سوى منظرٌ مبهم حيث لا يمكن لقلبي أن يستند على شيء.” و بعدها استطرد كامو وأضف عبارة جوهرية فقال “الغريب، هو من استطاع معرفة ما تعنيه هذه الكلمة.”

في اللغة الفرنسية كما في اللغة الإنجليزية، تحمل كلمة stranger أو un étranger دلالات كثيرة كشخص من بلدٍ أجنبي أو الدخيل أو الغريب الأطوار أو عابر سبيل غير مألوف للأنظار. وفي المقدمة التالية لمذكراته وصف كامو اليأس الذي دائما ما مكّنه من كتابة أفضل ما في جعبته من نصوص. كتب يقول : “الغريب، أكد لي أن كل شيء غريب حقا. الآن كل شيء يبدو واضح المعالم، المسألة هي فقط انتظار فائض عن الضرورة. أما العمل فهو ليس إلا طريقة لبلوغ كلٍ من الصمت و الإبداع. و كل ما عدا ذلك، مهما كان ما يحدث فهو غير ذي أهمية. ”

لقد كان في حالة ذهنية كالتي تُوقد فتيل الكثير من الكتاب، وحاصرته كلٌ من العزلة و اليأس في مدينة جديدة فقال: “لما معرفة كيفية البقاء وحيداً لسنة في غرفة حقيرة بباريس تكسب المرء معرفة أكثر من حضور مئة صالون ثقافي و تجربة أربعين سنة من الحياة البارسية؟ “كانت لديه غرفة فارغة معتمة في نزل، و طاولة ليكتب عليها، و عمل يعود عليه بأجره ثلاثة ألف فرانك شهرياً مقابل خمس ساعة من العمل اليومي. كل شيء منظم على نحو غير مألوفٍ بالنسبة له. عمله في جريدة باريس- سوار لم يكن بعملٍ مهم: فقد كان مكلفا بتصميم الصفحة رقم أربعة للجريدة، يقوم بتنظم مكونات المقالات في الأعمدة و الواجهة. لذا سواء اشتغل نهارا أو ليلا، فإنه كان يملك متسع من الوقت للعودة إلى النزل في مونتمارتر واستأنف الكتابة حيث توقف.

من على طاولته في النزل تأمل أصناف الحياة، منها العادية الخالية من كل ما هو مثير للاهتمام و المأساوية التي لا تطاق. في فترة توجده في مونتمارتر قامت امرأة تسكن الطابق العلوي لغرفته برمي نفسها من النافذة، إلى الفناء الخلفي. وكان كامو حاضر ليُسنح له تدوين أخر كلماتها و هي في شهقاتها الأخيرة كتب أنها قالت: “و أخيرا”. وقد كتب عن الأشجار المخضبة بالسواد وعن السماء الرمدية و عن اليمام ذي اللون الأزرق السماوي و عن رؤية باريس من فوق إحدى السطوح، كتب: “إنها ضباب مخيف تحت المطر”. كما كتب أيضا عن الكاثوليكية وكيف أنها هيمنت على الفن و المزاج العام. وكتب عن السوق المركزي ” les halles ” وصفاً نظرته الى الباعة وعمال التوصيل وهم يحتسون خل التفاح في قهوتهم الصباحية عبر زجاج النافذة. و شارع دي لوفغ الذي يقود من البيت إلى مقر جريدة باريس سوار و هو ممتد على شكل حاجزٍ حدودي على طول السوق الذي قال عنه إميل زولا ذات مرة أنه ” أحشاء باريس. “المرور بـ les halles في طريقه إلى العمل يومياً كان يذكر كامو بالأكواخ التي تركها خلفه في الحي الذي كان يسكنه العمال الجزائريون حيث ترعرع.

أثناء الانزواء وحيداً في النزل ما بين مارس و ماي سنة 1940، أنهى مخطوطه الأول لرواية الغريب: كانت مؤلفه من حوالي ثلاثين ألف كلمة؛ فيها اصطحب راويه مورسو خليلته إلى الشاطئ؛ وذهبا لمشاهدة فيلم من إخراج فرنالديل وكتب رسالة إلى جاره رايموند؛ شخص سادي ذو طباع قاسية وقتل عربيا على الشاطئ، كان متعبا و محكوماً عليه بالموت. يكتب من داخل السجن، بينما ينتظر وقت صدور حكم تنفيذ الاعدام في حقه، في غضون هذا كله استوعب مورسو ” اللامبالاة الهش للعالم ” . عندما كان كامو يبلور شخصية بطله رسم الشواطئ و الشمس سماء الجزائر المسببة للعماء، و كل الأماكن التي تركها ورائه – و لكنه استعان أيضا بشعور عدم قدرته على التلائم مع المكان والقطعية مع باريس خاصة، المدينة التي تبدو ممتلئة و فارغة في الآن ذاته، والمكان الذي قال عنه “بيدو أن لقلبي أن يتكئ على اللا شيء هنا”.

الرواية نت