أغسطس 25, 2019
  • أغسطس 25, 2019
  • Home
  • قراءات
  • “امرأة في برلين” للكاتبة المجهولة – مارتا هيرليس: رواية التصالح مع الذات وثنائية الحرب/ الاغتصاب
يوليو 23, 2017

“امرأة في برلين” للكاتبة المجهولة – مارتا هيرليس: رواية التصالح مع الذات وثنائية الحرب/ الاغتصاب رزان نعيم المغربي *

By 0 770 Views

منذ 2011 وأنا أتتبّع أثر الأعمال الأدبية التى تدورحول الحروب وآثارها في مختلف مناطق العالم.
آخر الأعمال التى قرأتها يوميات كتبتها صحفية ألمانية، ونشرت وترجمت بعدة لغات تحت اسم – مجهولة ومع ذلك طاردتها لعنة الألمان فحينما طبعت باللغة الألمانية في عام 1959، وكانت الكاتبة تقيم في سويسرا، دون ذكر اسمها، مرة أخرى. ثم وبسبب الانتقادات السلبية التي تعرّض لها الكتاب في ألمانيا والاتهامات التي وجهت للكاتبة بأنها أهانت شرف النساء الألمانيات، رفضت نشر الكتاب بإصدارات جديدة في حياتها. صدر الكتاب بطبعة ثانية باللغة الألمانية عام 2003، وبلا اسم أيضاً.
اليوميات التى تحوّلت إلى عمل سينمائي عام عام 2008 بعد أن تجاوزت ألمانيا فكرة العار، وبدأ التصالح مع تلك الفترة، التي دونت فيها اليوميات وهي مدة 8 أسابيع عام 1945. حينما دخل الجنود الروس الى برلين ويقال إنّ عدد حالات الاغتصاب في المانيا وصلت الى4 ملايين، وكان انتقام جنود روسيا وجنود بريطانيا من هتلر وقع من نصيب النساء تم إذلال الرجال الألمان بحالات الاغتصاب التى لم تنجُ منها امرأة في مدينة دخل إليها الاحتلال.
تبدأ اليوميات بذكر حياة الملجأ هناك يختبئ الجميع يحملون ما تيسر لهم من أكل بسيط وملابس ثمينة، وكانت التفاصيل عن تلك المخابئ التى تقع تحت كل بناية سكنية تدونها الكاتبة على ضوء الشمع الشحيح، وتتشابك العلاقات الإنسانية هناك وقبيل دخول الجنود الروس، ومن خلال السرد الأقرب إلى التقريري نقرأ عن انقطاع كل الخدمات وعدم تشغيل المخابزوطوابير لجلب المياه بدلاء وطوابير من أجل الخبز وأخرى من أجل معونات شحيحة توزع عليهم، وكيفية تقاسم اللقمة بين الجيران كله يجري على إيقاع سقوط القذائف وإصابة البيوت والمدنيين، فجأة ينتصر الروس يعم الهدوء، إلا أنه في ذلك البرزخ تسقط عليهم قذائف الألمان، في مقاومة أخيرة لمواجهة جنود الاحتلال الروسي والضحايا هم من سكان الملاجئ الألمان بالطبع.
تبدأ مرحلة أخرى تتحدث عن بدء النهب الحقيقي للبيوت من قبل الجنود والاغتصاب، معظم الرجال في الجبهات ومن تبقى منهم أما رجل كبير في السن او جريح أو عاجز أو أصحاب المهن، تقوم النساء بإخفاء الفتيات الشابات في أماكن لايمكن ان تخطر على بال أحد، أما المتزوجات والعازبات الاكبر سنا لم تنجُ منهن واحدة، بما فيهن كاتبة اليوميات الصحفية، التي سبق لها أن زارت روسيا وتعلمت اللغة الروسية، كما درست في فرنسا وتجيد الى جانب الالمانية الفرنسية والروسية ، لغتها الروسية ساعدتها في الاحتيال والتخطيط لفكرة الحماية من الاغتصاب العشوائي.
ولأنها أصبحت تتعرّض في كل لحظة لجندي يغتصبها فكرت في حيلة وهي إغراء ضابط وقائد، ليكون عشيقها تقبلت فكرة أن يغتصبها شخص واحد، يحميها من اغتصاب جماعي بل يقوم بحمايتها وتأمين الطعام لها ولجارتها الأرملة التي تقيم في بيتها مؤقتاً.
كانت الصحافية مارتا تحكي بدقة وتفاصيل مدهشة ما تمر به تلك الشخصيات في مرحلة الحرب العالمية الثانية، ولكن من دون نحيب أو صراخ، بل كتبت وكأنها ناجية من حرب، وكثيراً ما نرى مقاطع كاملة تتحدث فيها عن لحظات سعيدة حينما يتوفر الماء وتغسل شراشف سريرها ولايأتي الضابط لينام عليه ..
اليوميات صوّرت جبن أهل برلين في مواجهة بعضهم وفي علاقاتهم مع الروس وخضوعهم الذليل لهم، فكانت بعض الأحيان تقوم بزيارة ضواحي برلين لتفقد صديقات لها وتصف تلك اللحظة بأن اللقاء يكون عناق حار بينما كانت العلاقة سابقا بينهما مجرد مصافحة عادية ثم يطرح السؤال: كم مرة؟ لتجيب الاخرى بعدد مرات الاغتصاب التى تعرضت لها.
الاغتصاب هو القدر كما يظهر للجميع، وفي لحظة الحديث عنه يهرب الأزواج ويخفون وجوههم من كثرة الشعوربالذل.
بعد أن انتهيت من الكتاب فهمت أكثرتلك النظرة البائسة حينما أتحدث مع شخص هولندي عن الحرب وغالبا يكون ردهم أنهم سمعوا من آبائهم الكثير من قصص الحرب ويشعرون بالأسى من أجل ما تمربه بلداننا الآن.
لفت نظري في الرواية ارتباط حالات الانتحار الجماعي في تلك الفترة، أولئك الذين لم يستطيعوا تقبل فكرة الاغتصاب قرّروا الانتحار.
الحرب في كلّ مكان من العالم تترك بصمة سيئة تشوه الأرواح وتنتج ثقافة تسود لفترة من الزمن طباعها العنف والكراهية، وربما كتابة اليوميات هي الأكثر صدقاً من الروايات ومن التاريخ الذي يكتبه المنتصر ومع ذلك تبقى شجاعة لمن يستطيع تدوينها بدقة وموضوعية دون انحياز كما فعلت مارتا ولهذا دفعت الثمن ولم يفرج عن هويتها إلا بعد وفاتها .

ـــــــــــــــــــــــ
* كاتبة وروائية ليبية مقيمة في هولندا
* صدر الكتاب عن منشورات المتوسّط بترجمة ميادة خليل.
الرواية نت