يونيو 25, 2019
  • يونيو 25, 2019
يناير 16, 2019

الموسيقى ومأساة الفرد في “مأزق تشايكوفسكي” لشوقي برنوصي عماد قيدة ـ تونس

By 0 516 Views

في كثير من الحالات يكون عنوان الرواية هوالمفتاح الرئيسي لفهمها…

نستهل هذا المراجعة لرواية مأزق تشايكوفسكي، وهي الأولى لكاتبها صدرت في تونس سنة 2018 عن دار سوتيميديا، بمحاولة سريعة للنفاذ إلى عالم الرواية انطلاقا من عنوانها، إذ يذكرنا هذا الأخير بتقليد أدبي اتبعه بعض الروائيين في اختيار عناوين أعمالهم، حيث تتضمن هذه العناوين أسماء لمشاهير ولأسماء علم من مختلف الميادين، أوشخصيات خيالية شهيرة، وهوخيار يُعتبر إلى حد ما ناجحا بالنظر إلى قدرة هذا النوع من العناوين على شد انتباه القرّاء واستثارة فضولهم وبالتالي سرعة انتشار هذه الأعمال والأرقام التي تحققها في السوق. وعلى سبيل المثال لا الحصر نستطيع ذكر رواية “قبلات نيتشه” للانس أولسن و”كافكا على الشاطئ” للياباني موراكامي، وثلاثية الروائي والمحلل النفسي الأمريكي إيرفين د.يالوم بعنوان “علاج شوبنهاور” و”عندما بكى نيتشه” و”مشكلة سبينوزا”، وفي الرواية العربية نذكر “دون كيشوت في الجزائر” لواسيني الأعرج، و”فرانكشتاين في بغداد” لأحمد السعداوي، والكثير غيرها.

في روايات د. يالوم، ينسج لنا الكاتب عالما متخيّلا عن شخوص يعانون من مشكلات اجتماعية أووجودية تجعلهم يبحثون عن توازنهم النفسي المفقود بشتى الطرق، حيث نجح الكاتب في إقحام تكوينه الفلسفي وخبرته الطويلة في مجال التحليل النفسي. ففي “علاج شوبنهاور” مثلا يقوم طبيب نفساني يدعى جوليوس هارتزفيلد بتقييم مسيرته المهنية الطويلة فيعثر على أحد مرضاه، “فيليب” وهوالذي استعان سابقا بحصصه العلاجية للشفاء من شبقه الجنسي المفرط، وهوما فشل الطبيب فيه، ونجح فيليب لاحقا في الشفاء منه بعد الاطلاع على موروث الفلسفة التشاؤمية ل”أرثر شوبنهاور. ولعل الكاتب في تلك الرواية ينتحل شخصية الطبيب “جوليوس”، من أجل أن يرغبنا نحن القراء، من خلال حبكة فنية روائية شيقة، في الإقبال على قراءة آثار شوبنهاور الطريفة والتي تعتبر مدرسة لجيل كبير من الفلاسفة والمفكرين اللاحقين ومن أهمهم نيتشه وفرويد وسيوران وغيرهم.

فهل يطمح الروائي التونسي الشاب شوقي برنوصي إلى التعريف بعبقري الموسيقى السيمفونية الكلاسيكية بيوتر تشايكوفسكي من خلال عمله الروائي البكر هذا، أم أن لاختياره هذا العنوان أسباباً ودوافع أخرى؟ الإجابة نعرفها خلال رحلة قصيرة وشيّقة متكوّنة من 179 صفحة.

للعمل الروائي ثلاث أعمدة أوعناصر يتم من خلالها تناوله بالنقد والتقييم، هذه العناصر هي الموضوع (ماذا يقول العمل)، والأسلوب (كيف يقوله)، والواسطة أي اللغة. ففي أي واحد من هذه العناصر الثلاث سيكون بإمكاننا أن نسمع ونستشفّ نوتات موسيقى تشايكوفسكي، هل سيحضر المؤلف الموسيقي الأسطوري في مضمون الرواية، أم من خلال تركيبةٍ وأسلوبٍ ينهل من تقنيات التأليف الموسيقي، كما فعل ميلان كونديرا في معظم أعماله، أم ستكون موسيقية الرواية كامنة في شاعرية اللغة التي كتبت بها وغنائيتها؟

الموضوع:

تتناول الرواية أحد المواضيع الحساسة والراهنة في العالم العربي والعالم وهوموضوع المثلية الجنسية، بالإضافة إلى عدد من المواضيع الاجتماعية القديمة الجديدة الأخرى التي لا تقل أهميّة عن الثيمة الرئيسية، كالعلاقات الاجتماعية وهشاشة مؤسسة الزواج واستلاب الفرد واضطهاد القوانين الوضعية والدينية والعرفية له.

تقع معظم الأحداث، التي يتداول على روايتها البطلان مروان وزوجته فاطمة، في العاصمة تونس حيث تتشابك العلاقات والمصالح، كما تتسارع وتيرة الأيام لتفرز نمطا مجتمعيا وجوّا عامّا يختلط فيه الجمال بالرداءة والفضيلة بالفساد، ويظهر فيه الركض المضني والمتواصل وراء سعادة ضائعة وطهارة مغمورة بالدنس، أشبه بدحرجة سيزيف للحجر الذي لا يصل به إلى أي مكان.

مروان وفاطمة زوجان من الطبقة الوسطى المثقفة، التي ترزح أكثر من غيرها تحت وطأة هذا الوضع الهلامي للمجتمع التونسي ما بعد الثورة، الذي يتسم بالتشوّش والتيه واختلاط القيم وحتى انقلابها في كثير من الأحيان، ما أدّى بالمجتمع إلى الحياد عن المبادئ الكونية، وبالفرد إلى فقدان هويّته الشخصية ليصير خليطا هجينا ومتعفنا من كلّ شيء ولا شيء.

كل هذه الأفكار والتأملات التي أوردها الكاتب على لسان بطليه (سنتناول طريقة ورودها تلك في القسم المخصص للأسلوب) إنما تنمّ عن عمليّة بحث وتشخيص وتشريح للذات البشريّة في هذا المجتمع المنفجر حديثًا بدماء ديموغرافية وإيديولوجية لم يعهدها من قبل، يصعب معها التكهّن والتمييز بين ما هوبصدد إعادة تشكيل طينة الإنسان التونسي، وبين ما لا يتعدّى كونه نزوة وجوديّة سينتهي بها الأمر أن تتجاوزها الأحداث المتسارعة.

في مقابل شخصيّة مروان، هنالك شخصية زوجته فاطمة التي تجهل تماما أيّ شيء يتعلّق بميول زوجها المثليّة، كما لا تعلم كذلك أنّ زواجه منها لم يكن سوى بروتوكول قام بإبرامه مع نفسه في سبيل أن يكبح ميوله الشاذة ويحيط نفسه بفقاعة مؤسسة الزواج، ظانّا أن ذلك الحل الأنسب والأضمن لإخفاء مثليته عن المجتمع، وحتّى عن نفسه. من هذا المنطلق يتشكّل مأزق فاطمة الوجودي ، حيث تجد نفسها بين مطرقة حبها لزوجها وسندان الرّغبة في الإنجاب، وهوما يرفضه مروان بصفة قاطعة، رفضٌ يجعلها تعاني الأمرّين في البحث والتساؤل عن سبب ذلك الإصرار على حرمانها من إحساس الأمومة، قبل أن تعزم أخيرا على نيل ما تريده منتهجة في ذلك طرقا عديدة، بعضها مشروع والبعض الآخر لا يمت للأخلاق بصلة.

الأسلوب:

في هذه الرواية لعب الأسلوب الذي كتبت به الحكاية دورا جللا في إظهار الثيمات الكبرى للعمل، كما ساهم في توجيه القارئ والأخذ بيده إلى عمق مقاصد الرواية بطريقة سلسة ومدروسة.

تقع الرواية في 34 قسما يتناوب البطلان على روايتها، ثلث عددها لفاطمة وثلثان لمروان، وهوما أنتج إيقاعا داخليا شيّقا وخلق دافعا مستمرّا وغامضا للقارئ لإنهاء قراءة العمل في جلسة واحدة، وهي ميزة تذكرنا بانسيابية الأحداث عند أيقونات الرواية العربية مثل محفوظ وحنا مينة رغم أن هذه الأخيرة تصنّف ضمن المدرسة الواقعية البلزاكية.

أمّا روايتنا هذه، فعلى عكس المدارس التقليدية ،استخدم فيها الكاتب أساليب وتقنيات حديثة تُعتبر مفخّخة، لما فيها من مخاطرة جسيمة لإضاعة خيط الاسترسال وانسيابية الأحداث التي تضمنها الطريقة الكلاسيكية للقص، وقد نجح البرنوصي إلى حد كبير في هذه المعادلة.

من أهم التقنيات التي اعتمد عليها نذكر طريقة المونولوغ الداخلي للشخصيات وتيار الوعي، وهي تقنيات كان لا بد منها عند البطلين مروان وفاطمة من أجل نقل الكم الهائل من المشاعر والأفكار والتأملات المتزاحمة داخل ذهنيهما، وقدت ميّز الانتقال بين السّرد ومقاطع المونولوغ الداخلي بسلاسة ومنطقية تكاد تكون مثالية، كما يظهر لنا مثلا في بداية القسم الثالث من الرواية الذي عنوانه بحيرة البجع :

“تدفّق المسافرون إلى العربة. يرصّف بعضهم حقائبه استعدادا للجلوس، وكنت أرصّف حقيبة أفكاري. فكّرت في فيض شجاعة اجتاحتني ليلة البارحة. اتخذت قراري بسرعة. ما سأقدم عليه استثنائي. إنه يشبه انتقالا من بوب مارلي إلى الفيس بريسلي، من السينما الصامتة إلى أختها الناطقة … ”

من الأساليب الأخرى الطاغية في هذا العمل، نجد تقنية الفلاشباك، التي استعان بها الكاتب للعودة بالزمن إلى الوراء لتسليط الضوء والغوص في لحظات حاسمة من فترة الطفولة والمراهقة لدى الشخصيتين والتي ساهمت ربما في تشكيل نواة الأزمة الوجودية عندهما وما رسب منها في لاوعي كل منهما، فمثلا عندما يتحدث مروان عن أصل نفوره من التدخين ونفوره بالتالي من زوجته التي التصقت بها تلك العادة يقول متذكّرا:

“لم أدخن في حياتي قط وتقرفني رائحة السجائر. الابتعاد عن السيجارة عمل بطولي وإن كان أصل هذه البطولة خوف. نشأت قناعات كثيرة من خوف. الخوف قاطرة. مثل سيجارة تجرك شيئا فشيئا إلى المحرقة. أجهزت على رغبتي في التدخين في مهدها، خوفا من كفّ والدي الغليظة. كرهت السجائر، لكن ليس بسبب الخوف فقط.”

أما شخصية فاطمة فنجد قسما كاملا معنونا ب” إبنة الخامسة عشر” يسلط فيه الضوء على رواسب فترة المراهقة التي عاشتها الشخصية والتي ما تنفك تطفومن جديد في حياتها لتخلق نشازا متواصلا وخللا عصيّا يصعب معه التعامل مع شواغل المرأة الناضجة التي صارت، ومن بداية هذا القسم:

“تنام فيّ منذ سنوات ابنة الخامسة عشر. يجب أن أفلتها وأفيقها من سباتها العميق. لم يعد يناسبها ثوب الثلاثين وعليها أن تغادر قفص المرأة البالغة. سأحزن لوغادرتني، من السهل أن أكون حزينة. الحزن سلاحي الأكثر بدائيّة.”

تزخر الرواية كذلك بعدد من التقنيات الأخرى التي لجأ لها الكاتب ، ونرى أنّه وفّق في اختيارها، إذ لم يكن وجودها مسقطا على العمل بطريقة متكلّفة أومن باب استعراض القوّة، وإنما تم تطويعها لخدمة مضمون الرواية. ومن هذه التقنيات نذكر عمليّة القطع القسري للقصّ التي تتكرّر في أكثر من موضع في الكتاب، بالإضافة إلى تضمين الرؤى وأحلام اليقظة التي لعبت بدورها دورا كبيرا في سبر أغوار العالم السفلي للشخوص، ومصادر قلقها ومخاوفها.

اللّغة:

استعان البرنوصي في هذا العمل بلغة بسيطة وعبارات منتقاة بعناية وجمل قصيرة تذهب مباشرة إلى المعنى المراد لها، وحتّى في أكثر المواضع شعريّة وتكثيفا في الرواية، نجد هذه اللغة البسيطة والرّصينة قادرة عن جدارة على التعبير بشكل مثالي على سيل الاعترافات ومشاعر التي يبوح بها أي من الشخصيتين.

في الحوار، اتسمت اللغة المستعملة بالتنوّع الحذر، وذلك من خلال العمل على لغة وسطى بين الفصحى والدارجة. ويعتبر هذا النهج خيارا ليس بالسّهل باعتبار قلّة قليلة من الروائيين التونسيين قد نجحوا في هذه المعادلة، على عكس الرواية المصرية مثلا التي أصبح فيها ذلك التقليد متأصّلا بدئا من طه حسين والعقّاد وبقيّة المؤسسين مرورا بادوارد الخراط ومعاصريه وحتى اليوم.

في هذه الرواية نجد كذلك استعمالا مكثفا للعبارات الإنجليزية المعرّبة من قبيل “ريموت كونترول، كليشيه، فانتازم، كرة البايزبول…” وهومنحى يعتبر جديدا بدأنا نلاحظه عند جبل الروائيين التونسيين الشبان الذين يميلون إلى الثقافة والحضارة الانجلوسكسونية ويسعون بذلك إلى التخلّص من عقودٍ من التأثر والتبعية للثقافة الفرنكوفونية.

وعلى العموم فإن مهرجان اللغة هذا في رواية مأزق تشايكوفسكي قد جاء ليعبّر عن ذلك الخليط المجتمعي الهجين،والنسق المجنون للأحداث في البلاد والعاصمة بشكل خاص، لذلك كانت اللغة تارة نخبويّة راقية، وتارة هابطة وسوقية إلى حد البذاءة أحيانا.

لكن أين تشايكوفسكي ؟
“وقفت في ذهول، حاملا هاتفي. عاودت قراءة الرسالة مرّات. ضاق جسدي بي. منعت خروج صرخة من أسفل حنجرتي رغم أنها كانت حاجتي الوحيدة للتنفيس عن شعور اعتراني. كان الأمر خليطا من الغضب والحقد والخوف والشفقة والحنان الأبوي، على أيّ زرّ ضغطت يا فاطمة ؟”

هكذا ينهي الكاتب على لسان بطله مروان الرواية. أمّا نحن فنجد أنفسنا مدفوعين لطرح سؤال أكثر إلحاحا بعد انتهائنا من القراءة: أين تشايكوفسكي من كل هذا؟

على العكس من الأمثلة التي ذكرناها في مقدمتنا، فإن هذه الرواية لا تحتوي على أي إشارة لحياة المؤلف الروسي بيوتر تشايكوفسكي، وليس لأثره الموسيقي الضخم أي حضور مباشر في الأحداث، باستثناء القسم المعنون “بحيرة البجع” وهي إحدى أشهر معزوفات الباليه التي كتبها المؤلف الكبير، ومواظبة البطل على الاستماع لها.

يحرّضنا هذا النوع من الروايات على خلق علاقة تفاعليّة إيجابية مع الأدب، بدلا من العلاقة السلبية السائدة التي لا يتعدى فيها دور القارئ كونه متلقّيا، وذلك من خلال جعله، ما أن ينهي القراءة، يسعى لربط الخيوط ببعضها وفك شفرات العمل الذي أمامه.

تكمن رمزية تشايكوفسكي في هذا العمل في رحلة القطار التي تبدأ بها الرواية وتنتهي بنهايتها في محطة المنستير أين يفترض بالبطل أن يلتقي بصديقه/عشيقه، حيث يأخذنا ذلك إلى سنة 1893 والظروف الغامضة لوفاة تشايكوفسكي الذي استقل القطار إلى مدينة سان بترسبورغ ولم يعد من هناك، حيث تم الترويج أن وفاته كانت بسبب الكوليرا، بينما يميل أغلب المؤرخين إلى احتمال إجبار القيصر له على الأقدام على الانتحار بسبب مثليته الجنسية.

هو قطار استقله تشايكوفسكي لم يأخذه سوى إلى المجهول والعدم، وهو ما لم يختلف عنه مروان كثيرا، إذ ما كاد ينزل في المحطة التي كان يضنها محطة خلاصه النهائي من حياة أرغم نفسه طويلا على التأقلم اليائس داخلها، وما لبثت رائحة الحرّية تدغدغ أنفه لوهلة، حتّى أتت رسالة فاطمة لتهبط عليه كالصّاعقة وتدخله في تيه أشد مما كان عليه، ربّما كان يفضّل عليها الانتحار أوالموت بالكوليرا كما حصل مع موسيقاره المفضل.

الرواية نت