المرأة في رواية "بجعات برية" للصينية يونغ تشانغ

المرأة في رواية "بجعات برية" للصينية يونغ تشانغ

تعد الروائية، يونغ تشانغ، من الكاتبات النادرات اللائي شَّرحن وعرّين واقع بلادهن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، عبر توثيق دقيق لمرحلة مهمة من تاريخه.
لقد وضعت هذه بصمتها على تاريخ الصين المعاصر، الممتد من بداية القرن العشرين إلى الثلث الأخير منه؛ حيث انطلقت في عملها الأدبي التوثيقي من موقع حقيقي لبلدها، فقد عاصرت أهم الأحداث التي مرت بها بلادها في مرحلة انتقالية عمودية؛ من واقع اجتماعي سياسي، إلى أخر مغاير له بالكامل، تجعلنا نشعر بأننا أمام مرآة عاكسة حقيقية لما حدث -ويحدث- في بلد عملاق مثل الصين.
في هذا هذه الرواية الضخمة، التي تمتد على مساحة ستمئة وخمس وثلاثين صفحة، رسمت واقع المرأة؛ حياتها، استلابها، قهرها…، بلغة بسيطة وسهلة، ومن دون أي تزويق للكلمات أو الأحداث.
ولدت يونغ من أبوين يُعَدّان من قادة الحزب الشيوعي، في أقليم سيشوان في الصين، عام 1952، وانتمت إلى الحرس الأحمر في بداية يفاعتها. عملت في” فلاحة الأرض، وطبيبة مشاءة حافية، وعاملة فولاذ وصلب، ثم طالبة تدرس اللغة الإنكليزية؛ إلى أن غدت مساعدة أستاذ في جامعة سيشوان. أكملت دراستها في جامعة “يورك” في المملكة المتحدة، ونالت درجة الدكتوراه في اللسانيات”.
بجعات برية رواية صادمة، تخدش نرجسية الذات الواعية، وتهز وجدانها وحياتها؛ إذ تحفز المرء على اكتشاف سوداوية الواقع، من خلال الرصد والإسقاط؛ لتتحول الكلمات إلى إبر مدببة، تنغرز في جسد وروح القارئ، وتحاصر أنفاسه من كل جانب، فتجعله يدخل حالة دوار وتساؤل صادم ومفتوح:
ـــ هل يعقل أن يستطيع الواقع أن يُخرج من ذاته كل هذا القيء والخراب والتفسخ
تتعامل يونغ مع حقائق الواقع بسهولة ويسر، من خلال معرفة مسبقة، وبتجرد وتجريد عاليين، بمعزل عن عواطفها ومشاعرها الشخصية. تكتفي برصد الواقع، وتتركه يخرج -بموضوعية- تعكس ما فعلته الحياة في الذات والمجتمع من تشوهات كبيرة.
نظام الجواري كان معمولًا به في الصين، قبل اندلاع الثورة، في بلد يعج بالفوضى والاضطراب السياسي، وغياب “الأمن والأمان، واعتباطية العدالة، والقسوة المتماسكة والمتقلبة، على حد سواء”.
عندما نقرأ مثل هذا النص، نشعر أن القراءة، كالكتابة تمنح النفس الإنسانية فائضًا من الثقة والعجز، في آن واحد، وشعورًا بالاضطراب واليأس والانفعال الزائد، أحيانًا كثيرة، عندما يقبض الكاتب على حيوات مجتمع ما، ويعريه أمامنا عبر الكتابة والمعرفة؛ عندئذ يقبض على الدهشة والإثارة المنفلتة من عقالها، ونذهب معه من الخيال إلى الخيال، عبر السؤال الساخر والمؤلم:
كيف يمكن لفتاة أن تعيش حياتها دون اسم؟ أو أن تبقى مجرد رقم، كما جاء في النص؟ أو يُحجَر على قدميها طوال سنوات طفولتها ومراهقتها؛ إلى حين بلوغها، فـ “تربط منذ نعومة أظفارها بقطعة قماش أبيض، طولها عشرين قدمًا، باستثناء الأصبع الكبير، ثم يوضع حجر كبير فوقه لسحق قوس القدمين، من أجل أن تصبح مثيرة للرجال عندما تكبر، وتدوم هذه العملية سنوات طويلة، تشعر الفتاة خلالها بألم فائض، وعندما يُرخى الرباط موقتًا في أثناء الليل، كان يمكن للمرء أن يرى طبقة من لحم متعفن، تنبعث منه رائحة كريهة”
إن المدخل إلى عملية ترتيب الزواج كان يتم عبر فحص القدمين؛ فكلما كانت صغيرة، كلما كانت مدعاة للاعتداد والفخر، وفرصة لا تتفوت للزواج. ويعد الحب عارًا وعيبًا، يجلب الخزي على العائلة. وعملية الزواج تُعقد وفق مواصفات لها علاقة بالتراتبية الاجتماعية والمكانة؛ وهي واجب اجتماعي من أجل استمرار السلالة.
أسر صينية كثيرة ترى في زواج أبنتهم فرصة لتحسين رتبتهم الاجتماعية، خاصة إذا كان الزوج ميسورًا، في واقع شديد الاحترام للمقامات الاجتماعية، كطبقة العسكر أو الشرطة أو الموظفين في الحكومة. ويعد الزواج صفقة رابحة، تباع فيها الفتاة – في عمر صغير- دون أن تُسأل، فالأب من يقرر، وباسم الزواج تتحول البنت إلى جارية في منزل أو قصر الزوج.
ويسعى الأب -عبر الزواج- إلى حماية وضعه، باعتماده على رجل قوي؛ ليحقق فرصة لحياة هانئة، في ظل رجال أقوياء، كان يُطلَق عليهم لقب أسياد الحرب، في الربع الأول من القرن العشرين، وفي بلد يعج بالصراعات الداخلية والمحسوبيات والولاءات المتقلبة والزعامات، ومحاولاتهم الاستفادة القصوى من الفراغ السياسي، في مكان لا وجود فيه لدولة مركزية، أو مرجع وطني. وكل واحد من أسياد الحرب له فصيله المسلح وعصابته، من أجل الاستحواذ على السلطة والمال والجاه والمكانة، في منطقة محددة أو إقليم محدد.
إن سقوط إمبراطورية المانشو؛ نتيجة تآكل الدولة بتقادم الزمن، وعدم قدرتها على إعادة إنتاج نفسها في المعادلة الإقليمية والداخلية، في تلك المنطقة من العالم، أفسح المجال لليابان القوية؛ كي تقتحم المجال الصيني، وتحتل منشوريا، في نهاية القرن التاسع عشر، وإخماد ثورة الملّاكين الوطنيين، وتدخل ثمانية جيوش خارجية، وتنشر الفوضى وحالة الضياع في عموم هذا البلد؛ ما تسبب في انهيار المؤسسات القديمة والتقليدية، وترك حالة من الفراغ في القوة والسلطة والسيطرة والأخلاق؛ فلا أخلاق دون قوة قابضة على السلطة، لها مؤسسات ترعاها أو تشد من إزرها.
إن المقاربة التي تقدمها لنا يونغ تشانغ عن الواقع عميقة جدًا، تكاد أن تعكس وتطابق بين القول وما يجري على أرض الواقع. ندخل معها -عبر الكلمات والسطور- في دهشة ما بعدها دهشة، وفي أحيان كثيرة في صدام، يجعلنا نفقد توازننا النفسي، ونشعر بأنها تقتحم ذاكراتنا العربية، وما يحدث فيها اليوم من تطابق، دون أن تشير إشارة مباشرة إلينا.
ندخل في مقارنة قاسية بيننا وبينهم. نُصدَم بمدى التشابه في التخلف والانتماء إلى العلاقات الأبوية الفوقية، ونتعرف -من خلالها- على الصين القريبة والصراعات التي كانت قائمة في داخلها، قبل أن يُسقط الزعيم الوطني، صن يات صن، إمبراطورية المانشو، ويعلن الجمهورية عام 1913، مؤسسًا حزب الكومنتانغ القومي الذي أفرز زعيمًا أخر، اسمه شيان كاي شيك.
تنطلق الروائية في اسقاطاتها الفنية على الواقع الاجتماعي الاقتصادي السياسي الصيني، من خلال عائلتها، وما جرى لها من آلام ومحن، وتأثير ذلك على حياتها ومستقبلها ومستقبل الناس في وطنها. في كل حقبة سياسية يتغير شكل التراتبية الاجتماعية؛ فتتغير العادات والتقاليد والأخلاق ونفوس الناس وحيواتهم؛ ففي فترة المانشو -كما ترصدها المؤلفة- تختلف هذه التراتبية اختلافًا كليًا، على الرغم من ترسبات كثيرة، عن التراتبية بعد قيام الجهورية، أو في أثناء دخول الدولة في صراع مسلح مع اليابان، أو في أثناء قيام الحرب العالمية الثانية، أو بعد قيام الثورة، بقيادة ماو تسي تونغ.
ونتعرف -من خلال الرواية- على البعد الديني في المجتمع، وعدد الأديان والمعابد، وحدود ومدن وأنهار وجبال ووديان الصين، وعلاقات الناس، ومنظومة القيم والجمال والبشاعة.
إن الإبداع ليس له حدود، سواء أكان تأمليًا، أم رصدًا أمينًا للمكان والأحوال، أم عبر السيرة الذاتية والوطنية، أم باستخدام مفاهيم وأفكار، ومقارنتها بين السابق واللاحق، وربطهما ببعضهما بعضًا.
الثورة التي قادها ماو تسي تونغ خلخلت البنية الاجتماعية التقليدية، بيد أنه كرس نظام الاستبداد، ولم يخرج عنه، ربما أعطى امتيازات كبيرة للمرأة، بتحريرها من القيود القديمة، لكنه لم يخرج من رداء العلاقات الأبوية البطريركية، بل كرس نفسه أبًا وربًّا على الدولة والمجتمع، وإمبراطورًا جديدًا برداء أحمر.
“بجعات برية” رواية مملوءة بالآلام والقهر، تضعنا أمام أسئلة لا شفاء منها، أسئلة إشكالية عميقة:
كيف يُصنع واقع المقهورين؟ وكيف يمكن تجاوزه، وتجاوز خيباته، وما السبيل إلى ذلك؟

من صفحة الروائي على الفيسبوك