الرئيسية / قراءات / “المذياع العاق” لجلال حيدر.. حكاية رجل أراد أن يتحرر لكن الجنون لجمه محمد عاطف بريكي *

“المذياع العاق” لجلال حيدر.. حكاية رجل أراد أن يتحرر لكن الجنون لجمه محمد عاطف بريكي *

رحلة عداء دائم هي الحياة. فقلما تجئ صباحاتها ميسورة، غضة تحمل لنا معها أزاهير السعادة و الرضا كذلك هي عوالم جلال حيدر في روايته البكر (المذياع العاق) أم تراه عالم واحد يتيم لا شريك له سوى البؤس و الألم و الحرمان. لقد جعل حيدر من بطل روايته (العلمي) بوتقة تنز منها أعتى براكين الألم وقد حفر في دواخله ليخرج لنا ما يسكن في عمق الإنسان المهمش و المقهور ما يدفع القارئ الى التعاطف معه في صراعه المرير مع الحياة إنه أنموذج راق وصاف من عيار18 لكل المقهورين والمنبوذين والمهمشين شخص منكوح من الحياة ( يكون عمرك 15 سنة، وقد ولدت في قرية، في الأوراس، أول شيء حفظته (إيخ) أو(بع)، الأولى تقال للنعاج كي تتحرك، و الثانية عندما تشاهدك تقترب لتفتح باب الزريبة…) العلمي صورة صادقة لكل إنسان أراد أن يتحرر لكن لجمه الجنون.
تتسارع الأحداث بضراوة لتصل بـ (العلمي) الى هوة عميقة مزيجها اليتم و الفقر و بؤس الحياة في محيط لا يشجع أبدا على التقدم و لو بخطوة لكن على خلاف التوقعات ينصهر العلمي مع شراسة الحياة و ينساق مع معزوفاتها المتغيرة و يمضي واقفا كحديد صهرته نيران الجحيم ليتشكل من جديد ويقاوم رغم العثرات فتبدو حياته كمتاهة.
في رواية المذياع العاق ينقل لنا جلال حيدر الشاوي المبدأ و الملامح الحياة الكاملة لـ (العلمي) الذي إختاره كبطل محوري ندور حوله الأحداث هذا في الظاهر، والحق أن وقائع الرواية من الغلاف الى الغلاف حاكها جلال حيدر ضده متآمرا لا متعاطفا لم يستطع العلمي الخروج من براثنها ومن دوائر الإفلاس التي لاحقته وما يلفت له الانتباه أن الكاتب سطر لبطل روايته مصيرا يعرفه هو فقط ثم قاده إليه مرغما لم ينفك العلمي أن يهرب منه أو يبدله بل راح إليه كشاة مهيئة للذبح وهو مصير لا بمكن للقارئ أن يتنبأ به أو يعلم تفاصيله وهو الدافع الذي سيترك القارئ يواصل قراءة الرواية بلهفة وشغف في خضم شلال سردي قوي و مبهر و ساحر صاغه جلال حيدر وبرع فيه، إنه المجهول المحبب الذي يجب على كل كتابة أدبية أن تلاحقه أبدا، فهو قدر الذات واحتمال سيرورة الوجود البشري الخلاّق وهو الممكن الذي يضمن تجدد الذات المحكوم عليها بأن تكون أو لا تكون.
لكن مهلا، فـ(العلمي) لم يكن منساقا الى مصيره بعماء كمن يساق الى حبل المشنقة بل حتى وهو في حالة الخواء الذي اعترته عقب إغتيال جده ووالده أبّا بوبكر نحرا بالسكين من طرف الإرهاب كان متماسكا كنبي يوحي إليه.. برغم الجوع والفقر وهجر الأحباب والأصدقاء له يحدث ذلك في الربع الأخير من الرواية أين تأخذ الحكاية في الانحدار في هذا الشطر بالذات يفاجئنا جلال حيدر الذي عرف كيف يحرك خيوط اللعبة الروائية و يتحكم في مصائر شخصياته كإله.. أليست الرواية خلق؟ أقول في هذا الشطر من الرواية بالذات أين تبدأ الأحداث في الإنحدار يميط جلال حيدراللثام عن وقائع غير معلنة لكن مرت سابقا على لسان بعض شخصياته كحكاية هامشية لتبدو في الأخير أنها المفتاح في فهم ما يقع للعلمي لاحقا من عثرات تضاف الى مكب الزبالة وسخا آخرلحياته المنكوحة ليزداد التوتر و القلق و تنبلج من كوة الرواية رياح النكبة وقد إستعان الروائي بتقنية (الفلاش باك) في المتن الروائي للانتقال بنا في التاريخ المنسي للمكان و الأشخاص ويفك طلاسم وقائع غير معلنة لتتحول الكتابة من كتابة عالمة الى كتابة هذيانية/ استفزازية، وقد تسلح حيدر بالمونولوج كوسيلة لإنجاز خطابه و توصيله عبر رؤية أحادية عالمة هي رؤية الراوي البطل (في الصباح عندما يذهب الظلام ليدفع ديونه، يركلني أبّا كبالون لأستفيق، أفتح الباب للغنم، و أنزل الى الحصائد أتركها تدخل أراضي الناس، الذي يشتكون لدادة لأجد الشتائم في انتظاري، لم أكن أهتم، يجب أن يكرهوني أكثر..) وترتب عن هذه المونولجية التي هيمنت على الخطاب الروائي و طبعته بطابع حكائي لذيذ يحيل الى المتن الروائي في روايات حنا مينا و يمكن للقارئ المتمرس لمس هذه الجمالية في المذياع العاق الذي يبدو أن جلال حيدر متأثر بنصوص مينا على شاكلة (نهاية رجل شجاع) و (النورس والعاصفة) حيث تجد الكلمات النابية و حكايات المواخير و الدور المظلمة ليس هذا فحسب بل حتى في اللغة السردية اللذيذة و المنسابة في لجة حكائية ساحرة حيث يتعانق فيها الأسطوري بالتاريخي بالعقيدي السياسي بالحلمي بالإشاعات والافتراءات والآكاذيب المبالغ فيها (الصبايا يأتين بأكوام الثياب لغسلها، طريات كالتمر، أبّا قدور يوم سقط من بطن أمه، حك خصيتيه وتأوه كذئب على إحدى النساء، كانت تشتعل زغاريدها قربه، و لا أعرف من أين له كل هذه الدراية بالنساء؟..)
يقول (بلانشو) “إن الذي لا يحسن القفز لا يحسن القراءة” و لذلك يتوجب على قراء (المذياع العاق )أن يكونوا على دراية برياضة القفز لأنهم مضطرون للقفز فوق تخوم الرواية تارة و النزول الى أوديتها و شعابها و من ثمة التحليق مجددا فوق تخوم (ثالة) و (بوحمامة) هذه الأماكن ذات المشموم و التاريخ الأمازيغي موطن الشاوية( آرجااا، يصرخ بوبكر، يخرج عشرين ألف من جيبه يتظاهر أن الجيب ممتلئ بالأوراق الحمراء الرثة يصرخ بوبكر من جديد : هذي عشرين مطبوعة من جيهتين ما تكفر ما تسب الدين /قالك يبداها زعيم و لا كريم و لا ولاد السكتور لقديم، من عند سي عبذ الصمد لي ما يكرهو حد قالك و الله ما ننساك ما طالت ليام يبقى اللوم عليك لو انسيتيني اسمك في يدي وشمتو توشام و خيالك موحال يغيب عليّا… قصيدة يا الحاج قالك، عيّاش عيّاش أممي، و صوته يختلط بصفير المكبر، لا أحد يبقى مستقيما حين ترتفع هذه الأغنية العتيقة، لو أن الأوراس دولة مستقلة، لأختاروها نشيدا وطنيا…)
لقد استطاع حيدر عبر هيمنة الأحداث المتلاحقة و المتراصة على رأس (العلمي) المسكين بصفته راوي رئيسي لخيباته أن يهيمن على مجرى الحكاية و يتحكم في باقي الشخصيات التي يعرفها وتعرفه وأن يتعقب مصائرها عبر مجرى النص بإنطباعاته و تعليقاته و علاقاته مع سعدية التي هجرها زوجها ووجدت في العلمي العشيق الذي ملأت به فراغها الجنسي كذلك علاقة العلمي مع أبّا قدور المعلم والقدوة في إصطياد النسوة بحكم تجريته مع الجنس اللطيف مع العالية، بوحة، العيد … و أخرين ليصل في الأخير الى الحقيقة الممتعة رغم مرارتها حيث حسم جلال حيدر في الأمر وهو يهوي بمطرقته على الطاولة كقاض يصدر حكمه النهائي في القصة ومع ذلك لم يتوانى الروائي لترك لغز كبير و محير بخصوص علاقة أبا بوبكر المشبوهة بأم سعدية.. هل كان العلمي في علاقة مع أخته يا ترى؟ كل تلك الأحداث تؤكد لنا أن الكتابة بحثا عن المجهول لا يمكنها أن تجهل ولا أن تتجاهل الأسئلة.
لن أزيد فوق هذا و أترك للقارئ اكتشاف المحضور في أول عمل روائي للكاتب الجزائري جلال حيدر/ قلم مختلف وجريء لا يؤمن بحدود للحكي، الرواية بالنسبة إليه هي الحدود القصوى للعيش – الرواية صادرة عن منشورات بغدادي بالجزائر سنة 2018 تقع في 232 صفحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب و مترجم من الجزائر.
.mohamedatefb@yahoo.fr

شاهد أيضاً

صورة المرأة في “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي * د.أحمد بوغربي *

– تقديم الرواية: تتقدم رواية “ذاكرة الجسد”، في شكل خطاب يكتبه الراوي “خالد” إلى البطلة …