مارس 25, 2019
  • مارس 25, 2019
مارس 4, 2019

الفصل الأوّل من رواية “سلالم ترولار” سمير قسيمي

By 0 227 Views

في شهر أوت/ أغسطس من عام لا يذكره أحد، حدثت هذه القصة. أغلب الظن أنها بدأت في الرابعة وأربع وثلاثين دقيقة، فجر الخامس والعشرين من الشهر، وقتما صحا جمال حميدي فجأة على صوت مواء قطّة رمادية، عرف لاحقا أنها ليست من قطط الحيّ.

ومهما بدا الأمر غريبا، فقد شعر بمجرد استيقاظه بأن ثمة ما سيحدث، وأنه حين يحدث ما يشعر به، سيتباهى كعادته على زملائه البوابين قائلا: “انتابني يومها شعور غامض بحدوث الأمر”.

في الحقيقة، لم يكن يملك غير هذه الجملة الذكية ليقطع بها حديثهم في كل اجتماع يدعوهم إليه باعتباره نقيب البوابين في البلد، وهو منصب محترم لو لم يكن يعني في النهاية أنه مجرد بواب.

كان جمال حميدي في السابعة والخمسين من العمر، ولم يعد يفصله عن التقاعد إلا خمس سنوات قرر أن يقضيها نقيبا مثلما فعل في الأعوام الخمسة عشر السابقة، فقد بدا الوضع مذهلا ألا ينتبه إليه أحد من زملائه ويزاحمه على منصبه، أو على الأقل أن يظهر أي مرشح آخر ليحلم بمنصب العميد، حتى حين وقع له ذلك الحادث الأليم وأفقده القدرة على الحركة، أو لمّا أصيب قبل شهر بنوبة قلبية، بسبب مقوّ جنسي أخذه ليتذكر أمجاد العشرين مع منظفة شابة، التحقت بطاقمه المتكون في العادة من منظفات عجائز.

كان جمال حميدي يملك ذاكرة صوتية، اكتسبها من تلصصه الممتد لسنوات على سكان عشرات المباني التي اشتغل فيها. كان يعرف وبالتفصيل الممل جدّا كل ما يحدث في العمارة المكلف بها. ثم سرعان ما امتد فضوله، بسبب السأم من معرفة كل أسرار الجيران، إلى محيط عمارته من حجر وشجر ونبات وحيوان. ما جعله يوقن حين سمع صوت القطة أنها ليست من قطط حيه الواقع في مدينة زرعت في الريف، بأرض كانت ذات يوم بستان كروم تسمّت تبرّكا برجل قتل من أجل الوطن اسمه زموري. وكانت عمارته التي يسكن في طابقها التحتي، بنيت على أنقاض مصنع خمور يذكره الناس كما يذكرون الله مرة كل حين.

استيقظ جمال حميدي متعرّقا، فقد كان الجو حارا ورطبا. ولم يكن في غرفته مكيّف هواء ولا مروحية، فبعد أن طلقته زوجته إثر حادث مروّع جعله مقعدا ونصف عنين، حملت معها كل ما استطاعت من أثاث. وما كان ليجرؤ ويمنعها خوفا من أن تشيع بين زملائه ما أصبح يعاني منه إيره من خَدَر، فقد كان يخشى أن تؤثر تلك الأقاويل-التي سيدّعي بنحو لا شك فيه أنها غير صحيحة- على مستقبله كنقيب عام لبوابي البلد.

بعد جهد، أجلس نفسه ثم سحب جسده الضخم وتمكن من بلوغ كرسيه المتحرك الذي كان قد وضعه بجانب السرير. حرك كرسيه رغبة في الخروج من غرفة نومه إلى المطبخ ليعود منه بقارورة ماء باردة، من دون أن يهتم بإنارة الغرفة أو الرواق.

وهو يهمّ بذلك، وقبل أن يخرج من الغرفة، لفحته نسائم هواء لم يفهم من أين أتت. كان متأكدا من أنه أغلق كل شبابيك ونوافذ شقته قبل أن يغط في النوم. وإذ ذاك، قرر بعد أن استحالت عليه الرؤية أن يشعل مصباح الغرفة. وما كاد يفعل حتى تملكته الدهشة. فلسبب لن يشرحه الكاتب طوال هذه القصة، ولن يحاول التمهيد له، اكتشف جمال حميدي بمجرد ضغطه على زر الإضاءة أن نافذة وباب غرفة نومه اختفيا.

هكذا، تحامل على نفسه وراح يجوب على كرسيه أرجاء شقته ذات الغرف الثلاث، مذهولا غير مصدق لما كانت تراه عيناه. اختفت كل الأبواب والنوافذ، وحلّ محلها فراغ صادم، أهدر بوجوده كلمات تفيد في العادة تبرير ذلك الشعور التافه والخرافي المُسمّى “الأمان”.

للحظة شعر بشيء يشبه الحرج وهو يتخيل عدد المارين بمحاذاة نافذته ينظرون إليه، يحدّقون في جسده المريع شبه العاري، بكرشه الضخمة، كثيفة الشعر، حين كان ممددا على سريره يغط في النوم قبل قليل.

شعر بذلك للحظة واحدة فقط، لأنه كان مدركا أنه كائن لكثافة شعر جسده لا يستطيع أي واحد، مهما بلغت درجة تركيزه، أن يعرف إن كان عاريا أم لا.

أحس بالغبطة وهو يفكر في ذلك، فأخيرا أصبح لبعض عيوبه محاسن ما. فقد كان جمال حميدي صورة واضحة لما يمكن أن تبلغه الطبيعة من تهور، أو إذا شئت، صورة لما قد يمكن أن يصير عليه الإنسان لو توقف خط التطور عند نقطة شبيهة بالنقطة التي توقف فيها عنده.

في البداية، فكر بأن الأمر قد يكون نتيجة عرضية لكل تلك الكوكتيلات التي كرعها قبل أن ينام. فقد حدث أنه بالأمس وبعد أن انتهى دوامه، قرّر أن يحتفل بعيد ميلاده الذي لم يكن قد حان بعد. فمنذ شلله النصفي، أصبح جمال حميدي يكثر من التأمل الفارغ المفضي إلى لا شيء، وهو نوع من الـتأمل تلقنه من تلصصه على عدد من الكائنات الطيّعة، اعتاد رؤيتها وقتما كان بوابا مبتدئا في بناية بيضاء بأعالي العاصمة تحمل يافطة كبيرة كتب عليها “وزارة الثقافة”.

كان حينذاك شابا بمقدوره الإنتصاب بكل طوله الذي لا يتعدى المتر ونصف المتر. وكانت كرشه رغم كبرها أكثر تماسكا مما هي عليه الآن، بحيث كانت تشبه حدبة بأبعاد واضحة، شعر أحيانا أن الكثير من الناس يحسدونه عليها، خاصة حين يرونه يتحدث، مريحا كلتي يديه عليها وكأنها سطع مكتب.

في تلك الفترة من حياته، كان فخورا بعمله في وزارة الثقافة. فكلما سأله أحدهم عن وظيفته ردّ بلا تلكؤ: “موظف في وزارة الثقافة”. كان يقول ذلك من دون أن يقصد ما قد يتصوره الناس: بذلة رخيصة، ربطة عنق، حذاء صيني مبتذل ومكتب تملأ أدراجه الأكاذيب. لم يكن جمال حميدي من هذا النوع من الموظفين الذين كان يحتقرهم لسبب “غامض جدا” لم يستطع إدراكه رغم تأمله الفارغ، فطوال أزيد من عشرين سنة رفض أي نوع من الترقية، مفضلا البقاء مجرد بواب لبناية يزعم أصحابها أن بين جدرانها تتشكل روح دولة ولدت أصلا بلا روح. ومن هذا المكان وفي هذه الوظيفة، كان شاهدا على التطور المدهش الذي قد يعرفه الخلق. في النهاية، لم يكن داروين مخطئا في تصوره لسلسلة تطور تتيح لحيوان طفيلي أن ينتهي إلى كائن بشري سوي، مع فارق أنه في هذا المكان لم يحتج جمال حميدي إلى مليارات السنين التي احتاجتها الخليقة ليشاهد هذا التطور. كانت تكفيه سنوات قليلة أحيانا ليرى بعينيه كيف يمكن لحيوان وحيد الخلية أن يصبح كائنا بشريا، وكيف يخدمه لاحقا تاريخه الطفيلي ليصبح نصف إله.

بفضل تأمله الفارغ المُكتسب خلال معاقرته لمن عرف لاحقا أنهم يسمّون مثقفين، وبسبب إصابته بالشلل أدرك حقيقة ما كان ليدركها لولا إصابته واضطراره على قضاء الكثير من الوقت مع نفسه بعد الدوام، والذي بالمناسبة كان حبسا انفراديا من نوع ما. فمرة، قبل أن يرى الصورة كاملة، وقبل أن يدرك الرسالة النبيلة لمهنته، سأل عن السبب الذي يجعل البواب مضطرا للبقاء بمدخل العمارة، داخل غرفة بائسة تشبه الصندوق، لا يفعل شيئا غير النظر في وجوه كل من يدخل ويخرج. لم تكن بالطبع مسألة تفحص وجوه الناس أو مراقبتهم أو التلصص عليهم ما دفعه ليطرح هذا السؤال على مسؤوليه، حتى إن بقاءه جالسا أو واقفا ثماني ساعات يوميا بمدخل العمارة، لم يؤرقه يوما، بقدر ما بعث نوعا نادرا من السعادة في قلبه، وشكلا خبيثا من مرض الدوالي في ساقيه.

كان جمال حميدي قد بلغ عامه السابع والخمسين، ولكنه بسبب الحركة العرجاء للكون لم يشعر بمرور السنين كأي رجل يبلغ هذا العمر. فقد ولد في التاسع والعشرين من فبراير، وهو يوم لا يعود إلا مرة كل أربعة أعوام، لهذا أو لأسباب أخرى، ساد في نفسه اعتقاد مضحك في أنه يستقبل من العمر أكثر مما استدبر.

بدأ الأمر بمزحة سخيفة أطلقتها أمه في أول حفلة عيد ميلاد أقامها لنفسه. كانت تفتخر بسذاجة بأن لديها ابنا لا يزيد عمره إلا عاما واحدا فقط كل أربعة أعوام.

ربما كان هذا قبل أربعين سنة، وقتها كان جمال حميدي كائنا أكثر وسامة مما أصبح عليه لاحقا. فلم يكن وهو في السابعة عشر من العمر، قد أدرك حقيقة أنه مجرد قزم بدين، لن يزداد طوله عما كان عليه حينها. ولم يكن يتصور بأن الشعر الذي بدأ يكسو ذقنه، سيمتد إلى وجنتيه ومنخاريه وأذنيه ورقبته وصدره وسائر جسده، حتى صار المسخ الذي أصبح عليه الآن. كما لم تكن قد بدأت تصدر من جسده تلك الروائح الغريبة التي أحالته إلى ما يشبه خنزيرا وحشيا يسير على قدمين.

أثناء تأمله الفارغ المفضي إلى لا شيء، أدرك جمال حميدي أنه رغم أعوامه السبعة والخمسين، لم يحتفل بعيد ميلاده إلا أربع عشرة مرة فقط. وبعملية حسابية بسيطة، احتاج كما اعتاد دائما لإجرائها إلى آلة حاسبة لجهله التام بالحساب، أدرك أنه مدين للسعادة بأربعين حفلة عيد ميلاد، وهو دين وَجَب قضاءه قبل أن يحين تقاعده. ثم بعملية حسابية أكثر بساطة استعمل فيها الآلة الحاسبة أيضا، قرر أن يحتفل كل سنة بستة أعياد ميلاد إضافية، طرح منها بالأمس فقط أول حفلة عيد ميلاد من دين السعادة عليه.

جرى الأمر كما يلي: اشترى جمال حميدي تورتة فواكه وقارورتي ماء غازي وست عبوات بيرة وقنينة نبيذ رخيص ممّا أصبح يستورد من بلد مجاور. ولأنه كان مدركا بحقيقة ألاّ أصدقاء لديه، فقد اكتفى بوضع قائمة ضيوف تضم بوابين يعملون تحت إشرافه ومنظفات عجائز ممن يصلحن ليكنّ فزّاعات لإخافة الغربان.

في البداية، ضمت قائمته اثني عشر اسما، ولكنها في النهاية تقلصت إلى ثلاثة أسماء لا غير: “موح بوخنونة” و”إبراهيم بافولولو” وبالطبع زوجته السابقة “أولغا”. مع إدراكه التام أن احتمال تلبية طليقته لدعوته، هو نفسه احتمال أن يزداد طولا، ومع ذلك أصر على دعوتها، آملا أن يجد طريقة إذا حضرت لإغوائها مجددا كما فعل قبل عشرين سنة، أيام كان يعمل في وزارة الثقافة.
وقتها، كانت أولغا في الثلاثين. وهو عمر جعلها تتصور أن خلاصها كأنثى لن يكون إلا بالعثور على ذكر يمنحها صفة الزوجة.

وكانت لأسباب نفسية لا علاقة لها بالحقيقة، تعتقد بأمرين لا صلة لهما بالواقع: الأول أنها جميلة والثاني أنها شاعرة قديرة، تحالفت ضدها الصدف لتمنعها من أن تكون كذلك.

كان اعتقادا واهما احتفظت به حتى بلغت هذا العمر، وما كانت لتحتفظ به لمدة أطول، لو لم يحدث أن التقت صدفة بجمال حميدي، الذي لحكمة في السماء أو لمرض في عقله اعتقد نفس اعتقادها، إلى درجة أن وقع في غرامها ومنحها خلاصها الذي كانت ترجوه.

في الصورة الكاملة، تلك التي لم يكن بمقدور جمال حميدي رؤيتها، كانت أولغا تشبه أنثى وحيد قرن بيضاء، بمؤخرة بحجم طاولة بلياردو وبصدر ضخم متدل كعنقود عنب، وكان رأسها كبيرا بجبهة عريضة وبعينين صغيرتين بلا رموش تقريبا، أما حاجباها فكانا متصلين يشبهان في الشكل جناحي طائر. ومع ذلك، كانت أولغا على الرغم من بشاعتها، أكثر جمالا من تلك النصوص التي اعتادت أن تجلد بها ظهر الشعر. ولكنها لم تكن لتدرك ذلك بسبب أن لوثة غريبة أصابت ذائقة الناس في ذلك الزمن، بحيث صارت كل “محمحة” أو “أحأحة” قصيدة شعر رائعة إذا خرجت من فم أنثى.

ربما بفضل هذه اللوثة، عاش جمال حميدي حياة كلها سعادة، لولا الحادث الذي جعله مقعدا ونصف عنين، والذي بسببه طلقته أولغا، وطلقت معه اسما أطلقه عليها منذ أول موعد لهما، لتعود إلى اسمها الحقيقي المكتوب في السجل المدني.. “حورية”. وهو اسم لم يكن يحمل بالنسبة لجمال حميدي أي معنى، على عكس أولغا الذي أعجبها لسبب لم تطلعه عليه قط.

– سأدعوك أولغا.

قال لها في أول موعد لهما، راسما على وجهه ابتسامة تعمّد فيها ألا يفتح فمه لئلَا تظهر لها أسنانه الفاسدة، والتي لم يكن قد أصلحها بعد.

– أولغا؟ǃ

– نعم أولغا، اسم يليق بك بلا شك.

وافقت بلا تردد. أوهمته أنها معجبة بهذا الاسم الجديد، فقط لأنها كما رآها تشبه النساء الروسيات في البياض وقوة الجسم. وافقته من دون أن تذكر شيئا بخصوص مرضها بالبرص الذي جعلها على هذا اللون غير الطبيعي.

ومثلما لم تطلعه على مرضها، لم تجد حاجة لإخباره أن أولغا اسم سبق أن خاطبها به كاتب كبير، كان أول من اكتشف موهبتها غير الموجودة أصلا، وأول من أدخلها عالم النساء وهي في العشرين من العمر. فقد كان كاتبا يفهم في الكتابة والنساء على حد سواء، تماما ككل كتّاب ذلك الزمن الذي أصبحت فيه الموهبة مجرد قرار يتخذه المرء ليصبح موهوبا.

كان جمال حميدي يأمل أن تلبي أولغا دعوته لحضور حفلة عيد ميلاده التي لم يحن وقتها، ومع ذلك كان يعلم في قرار نفسه استحالة قدومها، لهذا لم يهتم بحلق ذقنه وولم يتعب نفسه في ارتداء أي شيء يليق بالمناسبة. اكتفى بمساعدة موح بوخنونة في تحضير حفلة عيد ميلاد لم يحضرها في النهاية سواهما، بعد أن اعتذر إبراهيم بافولولو “بسبب التزام عائلي طارئ اضطره إلى السفر”.

كانت تلك طريقة إبراهيم بافولولو للتنصل من أي دعوة لا يرغب فيها، فكما كان لجمال حميدي جملته الذكية التي يقولها في كل اجتماع يضطر لعقده مع بوابيه: “انتابني يومها شعور غامض بحدوث الأمر”، كان لإبراهيم بافولولو أيضا جملته التي لا تقل ذكاء أو أناقة، يقولها كلما رغب في التنصل من دعوات أصدقاء لم يعتبرهم يوما أنهم كذلك.

في الحقيقة لم يكن له أصدقاء، فقد كان مكتفيا دائما بذاته وأحيانا بعائلته المشكلة من شخص واحد لا غير، ابنته حورية، التي بسببها اضطر إلى التعرف على كائن بغيض كجمال حميدي، وإلى تقبل فكرة مصاهرته والادعاء الكاذب أنه صديقه. ومع أن علاقته بصهره انتهت بمجرد خروج حورية من حياة جمال، إلا أنه أبقى على بعض الودّ مع صهره القديم، ليس حبا فيه ولا شفقة، بل لأن إبراهيم بافولولو كان يعرف نفسه، وأكثر ما عرفه عنها أنه رجل لم يخلق ليواجه أي شخص.

لا يعني ذلك أنه كان جبانا أو شيئا من هذا القبيل. كل ما في الأمر، أنه لأسباب عرقية لا يد له فيها، كان ينتمي إلى زمرة اللامرئيين، تلك التي اختارت التواجد من غير أن تكون. زمرة الذين لا يلاحظهم أحد، وهي طريقة ذكية اختارها للوجود بلا خطر. هكذا ضمن أقصى ما يحققه الأمان من غير تكاليف تذكر، وإن كانت تافهة كهدية عيد ميلاد أو مقابل الوقود الذي كان سيهدره فقط لو قبل دعوة جمال حميدي لحضور حفلة عيد ميلاده.

وقتما وصلت دعوة جمال حميدي، كان ابراهيم بافولولو يستعد للخروج إلى المسجد. فقد كان رجلا يقدّر الله ويحبه للأسباب الوجيهة، التي تضمن له البقاء صامدا في زمرة اللامرئيين. وكعادته منذ مجيئه إلى العاصمة، كان ينوي التوجه إلى مسجد “الأخوّة” بحي “تونجين”، أين يجدر بأي ميزابي يحترم إباضيته أن يصلّي.

بالطبع، لم يكن ليصرح بذلك علنا، وأحيانا حين يلح عليه بعضهم للصلاة معهم في أقرب مسجد، كان يتحجج بالعمل في محل الخردوات الذي يملك في الدوق ديكار، دون أن يعلن ما لُقنه صبيا في أن الصلاة في مسجد غير إباضي لا تجوز. فقد كان ابراهيم بافولولو رجلا يفهم في الأصول، ويفهم أكثر أن البقاء لا يحتاج أحيانا إلى القوة بقدر ما يحتاج إلى إظهار المزيد من الضعف.

وكان قد حدث قبل هذا بأشهر أن مصعد عمارة بافولولو تعطّل بنحو غير متوقع. ولأنه كان يسكن آخر طابق، فقد حاول أن يقنع جيرانه بضرورة تصليح المصعد من دون جدوى، فقد ساد الاعتقاد وقتها بأن الشعب غير معني بأي شيء غير التواجد والعيش بسعادة توفرها حكومة تحبّهم.

كان هناك عدد هائل من الحقوق لا يقابلها إلا واجب الاعتزاز بالوطن. وكان من حق أي شخص أن يملك سكنا بلا مقابل، وأن يوظَّف في أي شركة وإن لم يكن كفؤا، ومن حقه أيضا أن يداوي من غير أن يدفع شيئا حتى لو امتلك ما يبني به عشرات المشافي.

كان زمنا مدهشا، سمح للإنسان الجزائري وقتها بالتشبث بخرافة “الرجل الأفضل”، ومكّن الحكومة من خلق كائن مدمن على رخاء لم يتعب لأجله. كانت الفكرة ابتكار مواطن بلا رأس، تحتل بطنه أكبر مساحة من جسده. وهو ما حدث بسرعة لم يتخيلها أحد.

ربما كان إبراهيم بافولولو أحسن نموذج لـ”الرجل- البطن”، مع استثناء أنه كان الشكل البدائي لمواطني الألفية الثانية والأكثر بدائية لمواطني الألفية الثالثة، فقد كان لا يزال يحتفظ ببعض المخ في جمجمته العريضة، ومع ذلك كان بسبب إدمانه للأكل يشبه كرشا كبيرة بساقين بالكاد تحملان جثته.

بسبب المصعد العاطل والطوابق الخمسة التي تفصله عن الشارع، احتاج إبراهيم بافولولو لخمس عشرة دقيقة ليبلغ مدخل عمارته، ثم إلى ربع ساعة أخرى لينزل سلالم ترولار. كان مع كل خطوة يخطوها يلهث لهاثا يسمع عن بعد مئة متر.

وفجأة ومن دون تفصيل ممل، بمجرد أن بلغ أسفل السلالم حتى توقف قلبه ومات.

حدث ذلك في الوقت نفسه الذي أنهى فيه جمال حميدي وضيفه ثاني قنينة نبيذ، وشرعا يبحثان عن أي شيء يصلح للسكر، ليهتديا حين أعياهما البحث إلى بعض الكحول الطبي مزجاه مع ماء غازي ثم أضافا إليه نصف ملعقة ملح وبعض الخل. شرباه بتقزز في البداية، ثم سرعان ما ألفا الطعم، لينتهيا إلى متعة فريدة من نوعها. كان هذا الخليط يسمّى الزمبريطو، كوكتيل لقّنهما إياه الفقر سنوات المراهقة.

بعدها لم يحدث شيء يستحق الذكر، باستثناء أنه في لحظة ما، ربما قبل منتصف الليل بقليل، تجرد موح بوخنونة من ثيابه وخرج إلى الشارع يعدو كالمجنون، تشيّعه عينا مضيفه الذابلتان. حدث ذلك ثلاث دقائق واثنتي عشر ثانية بالضبط، قبل أن يبدأ جمال حميدي في الشخير، وقبل أربع دقائق فقط من استيقاظ كل سكان عمارته بحثا عن سدادات أذن، فلم يكن ما يصدره جمال حميدي شخيرا بالمعنى المتداول، بقدر ما كان نوعا جديدا من الأصوات، لا أحد كان بمقدوره منحه وصفا. وحدها أولغا كانت قادرة على احتماله، إذ لم يحدث يوما أن تعكّر نومها بسبب شخيره أو لأي سبب آخر. كان يكفيها أن تضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها لتنام.

في الوقت نفسه وعلى بعد ستين كيلومتر وثمانمائة متر وخمسة وعشرون سنتيمترا بالضبط، ركن أحدهم شاحنة “ماهيندرا” بجوار صناديق قمامة بدا أنها لم تُفرّغ منذ يومين. تماما في المنعطف الأول من شارع الدوق ديكار، صعودا من حي ترولار في اتجاه قصر الحكومة.

نزل رجلان من الشاحنة وبقي السائق في مكانه دون حراك. كل ما فعل أنه أطفأ المحرك، ولوح للرجلين بيده اليسرى، كإشارة على أنه لن يغادر حتى يعودا.

استمر السائق في تشييعهما بعينيه حتى اختفيا عن ناظريه وهما يدخلان العمارة رقم الواحد والعشرين. كان يسيران في صمت وفي تناسق غريب وكأنهما جنديان متوجهان إلى الجبهة. ومع أنهما كانا يشبهان بعضهما في كل شيء، إلا إن أحدهما بدا أكثر دراية بوجهتهما، بحيث بمجرد أن بلغا الطابق الخامس حتى أمر شبيهه بالتوقف قائلا:

– انتظر هنا، ستساعدني في حمل بعض الأغراض.
وقام يطرق باب أول شقة على يسار السلم.

استقبلته أولغا بعينين محمرّتين وبوجه شاحب. لم يسلم عليها ولم يبد أنها رغبت في أن يفعل ذلك. كل ما حدث أنه توجه مباشرة إلى الرواق، وتوقف أمام محفظة جلدية وثلاث حقائب سفر كبيرة تكاد تسدّ مدخل صالة المعيشة. سأل متعمدا ألا ينظر صوبها:

– أهذا كل شيء؟

حركت أولغا رأسها لتقول نعم، ثم أضافت:

– كل ما طلبتَ مني جمعه. لم أترك شيئا له علاقة بتجارة أبي إلا ووضعته في محفظته، أما ملابسه فهي في الحقائب.
– طيّب. أتركك الآن، ما زال أمامنا طريق طويل لنصل غرداية، وقبلها يجب أن نخرج جثة إبراهيم من المستشفى. غدا، نصلي عليه ظهرا.
– وأنا؟

قاطعته والرجل مصرّ على عدم النظر في اتجاهها.

– أنت؟ ! لا علاقة لك بالأمر. إبراهيم أخي وليس أباك، هو فقط الرجل الذي ربّاك وقد مات الآن. بالطبع سننفذ وصيته ونترك لك هذه الشقة. سيصلك أيضًا مصروفك الشهري بانتظام. غير هذا لاشيء، والآن دعيني أذهب.

ونادى على شبيهه وانصرفا حاملين حقائب إبراهيم بافولولو، بينما أولغا تبكي في صمت.

كان الشارع وقتها مضاء على غير عادة الشوارع الداخلية للعاصمة. حتى إنه كان هناك سبعة أعمدة مصابيح موزعة على طول خمسين مترا من الشارع الذي، لسبب ظل غامضا، كان لا يكف المقاولون عن تجديده، حتى شاع بين الناس إن رجلا من الحكومة يملك شقة في الجوار. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماما، وما كان لأحد أن يعرفها بالشكل الذي عرفها ابراهيم. فقبل خمسين عاما، دخل بافولولو على زوجته يحمل رضيعة بين يديه، قال إنه وجدها أسفل سلالم ترولار، من دون أن يذكر لها كيف وجدها، ولا السبب الذي جعله على غير عادته يقضي ذلك اليوم بطوله خارج البيت، مغلقا محل الخردوات.

لم يخبر إبراهيم بافولولو زوجته بأي شيء، ليس لأنه لم يثق فيها، بل لأنه كان موقنا بأنها لن تطرح عليه أي سؤال، فقد كانت زوجة صالحة، والأهم أنها كانت عاقرا وقد أهدتها السماء هذه الرضيعة التي لم يطلعها على حقيقتها أيضا، لأنه لو فعل، لكان عليه أن يسرد عليها قصة بدأت من غير أي رغبة في الانتهاء. قصة بدأت بخدعة لم يتصورها أحد.

__________________________
“سلالم ترولار” أحدث روايات الجزائري سمير قسيمي.