مايو 25, 2019
  • مايو 25, 2019
ديسمبر 17, 2018

الفصل الأوّل من رواية “أعشقني” سناء شعلان

By 0 383 Views

الفصل الأوّل: (البُعد الأوّل: الطّول؛ في امتداد جسدها تسكن آمالي كلّها، ويغفو بدعة طوق نجاتي)

جسدها العاري المسجّى على سرير أبيض عارٍ إلاّ منها هو خصمي في هذه اللّحظات،ولكنّني لستُ خصمه،بل المنتظر له بلهفة مجنونة تملك أيادي متعطّشة للاحتواء، لا أريده حيّاً وشبقاً ومُشتهىً يضجّ بحرارة الحياة وجمال الأفعال والتّفاصيل، بل أريده تماماً كما هو الآن؛ أريده دون حياة أو غدٍ أو قادمٍ، أريده بضجعةٍ أبديّةٍ لا تملك بعثاً إلاّ لي وبي، ملامحها الغارقة في سلام عجيب لا تتناسب مع عذاباتها الطّويلة على أيدي معذّبيها، لعلّ جسدها الصّغير الناّفر الثّديين الضّامر البطن البادي النّحول وحده من يفضح دون خجل أو خوف رحلتها الطّويلة مع العذاب عبر الكثير من الكدمات والجروح والحروق، لو كانت الظّروف مختلفة لما كنتُ قبلتُ أبداً بهذا الجسد الصّغير النّحيل الأسمر الذي لوّحته الشّمس بتفنّن نادر، وشوّهتهُ يد التّعذيب بجور غامر بديلاً عن جسدي الممتدّ في أفق الجمال الذّكوريّ والتّناسق البديع والشُّقرة الغارقة في حمرة شهيّة متوارثة في جينات أسرتي التي احترفت شراء أجود أنواع المنيّ المنحدر من السّلالات الشّقراء الهجينة،ولكنّها الأقدار هي من جمعتنا في هذا المكان الرّهيب متقابلين على سريرين بجسديين عاريين إلاّ من انتظار قدريّ ساخر ومحموم.

فاتني أن أسأل عن اسمها، ومن يهمه أن يعرف اسمها الآن؟ فقط هي رغبة الحياة والفرار من الموت من تهصر لحظاتي بيديها الجبارتين المنفلتتين في العدم، والعابثتين بالخراب، وتنفتح بفيه أحمق على أسئلة الوجود والعدم كلّها.لعلّها هي من ترغب في هذه اللّحظة في أن تعرف من أكون، أتراها كانتْ ستهبني جسدها ليكون وعاءً لي لو كانت حُكّمتْ في هذا الأمر؟ أم ستكون عصيّة عنيدة كما هو شأنها في الحياة والنّضال والرّأي والموقف؟ يا لها من أقدار عابثة حدّ المجون والعهر! هاهي تلك العنيدة القادمة من غياهب الزّنزانات الانفراديّة في معتقلاتنا السّياسيّة في أقاصي كواكب المجرّة تترجلّ عن صهوة كبريائها ورفضها وصمودها بعد طول عناد، وتلفظ أنفاسها الأخيرة على أيدي جلاديها دون أن تتراجع عن أيّ موقف سياسيّ، أو عن رأيّ لها معارض لسياسة حكومة دربّ التبّانة.

قيل لي إنّ بنيتها الضّعيفة خلاف مراسها وعزيمتها وإصرارها قد جعلتها لا تصمد أكثر من أيام قليلة أمام التّعذيب، وشاء القدر لها ولي أن تلفظ أنفاسها هذا الصّباح، ترى كيف ماتت بالضّبط؟ هذا لا يهمّني الآن، المهم أنّني حيّ في هذه اللّحظـة، وإن كانت تحيّرني تلك الابتسامة الباذخة التي تزهو بسمرتها، وتداعب شفتيها دون خوف من سلطة الموت! أين شحوب الموت؟ أين هلع الأنفاس الأخيرة المغادرة دون رجعة؟ أين النّظرات الزّائغة؟ لماذا هي مبتسمة في لحظة النّهاية؟ أتراها تسخر مني؟ أم تسخر من الموت؟ أم تسخر من السّخرية ذاتها؟!

يقولون إنّها زعيمة وطنيّة مرموقة في حزب الحياة الممنوع والمعارض، ويذكرون أنّها كاتبة مشهورة، كما يقولون عنها الكثير من الأشياء الأخرى التي ماعاد ذهني المشوّش بفوضى الألم يتذكّرها في هذه اللّحظة، أنا لا أعرف الكثير عن آرائها ومواقفها، لا شكّ في أنّ حروبي الطّويلة مع المعارضين والمنشقّين عبر المجرّة قد سرقتني حتى من معرفة هذه المرأة التي يقال إنّها مشهورة بلقب النّبيّة.

لقد بتُّ أحفظ تفاصيل بزّتي العسكريّة الواقيّة من الإشعاعات الكونيّة والإشعاعات الحربيّة المعادية أكثر ممّا أحفظ من تفاصيل وجهي وقسماته، أستطيع الزّعم كذلك إنّ مركبتي الفضائيّة المقاتلة أكثر قرباً إلى نفسي ومعرفتي وتواصلي من زوجتي الجميلة الزّلقة الملمس والرّائحة والطّعم والمزاج والإخلاص، وكذلك أكثر قرباً إليّ من أبنائي الاثنين المنذورين لدراسات أكاديميّة إلكترونيّة معقدّة في الجناح العسكريّ للحربيّة الوطنيّة في معسكرات الشمّال المتجمّد منذ وصلوا إلى سنّ الخامسة، بل إنّ مساعدي الأول الآليّ هو خير عندي وأكثر أهميّة وفائدة من مجمل أصدقائي الذين باتتْ تفصلني عن أماكن سكنى بعضهم بضع سنوات ضوئيّة.

ليتني أستطيع أن أرثي لها ولجسدها المسجّى، ليتني أستطيع أن أرفض أن أأُسر في جسدها المنكمش على آلامه وعلى سيرته المحمومة، ليتني أستطيع أن أتشبّث بجسدي الحبيب، ليتني أملك الجرأة لأقول للأطباء: دعوني أموت، أنا أرفض أن أكون حقل تجارب، وأرفض أن أكون أوّل إنسان تُجرى له عملية نقل دماغ، ليتني أستطيع أن أرفض بعزم وإصرار أن يُنقل دماغي إلى جسد تلك المرأة المعانقة للموت والعدم منذ الصّباح، ليغادر مكرهاً جسدي المهترئ حدّ التآكل، والمحترق حدّ التّفحّم جرّاء أشعة ذلك الفخّ الانتحاريّ الذي نصبه لي ثوّار المجرّة في دوريتي الصّباحيّة الاعتياديّة صباح هذا اليوم في مدار القمر، فهتّك جسدي، والتهم أعضائي، وما أبقى إلاّ على رأسي سالماً وعلى فتات من ذكرى لحمٍ وعظام مسحوقة كان اسمها جسدي.

لكنّني جبان ضعيف أمام رغبتي المتشبثة بالحياة، لا زال طعم الحياة الحلو ينخر إرادة الرّفض والاستعلاء على الضّعف في نفسي، ويلحّ عليّ بإصرار لعين لأتشبّث بالحياة ولو في جسدٍ آخر، ولو كان هذا الجسد مسروقاً من امرأة كان لقبها في الصّباح النّبيّة.

حدثت الأمور بسرعة قدريّة تشبه مؤامرة حقيرة تُحاك في الظّلام، هي لفظتْ أنفاسها الأخيرة هذا الصّباح في زنزانة قذرة، وأنا تعرّضتُ في الوقت نفسه لحادث انتحاريّ، هي باتت دون روح ودون دماغ، وأنا بتُّ عقلاً ينبض بالحياة دون جسد، وهنا في هذه المستشفى العسكريّ النّوويّ حيث لا يدخله إلاّ كبار الموظفين والعسكريين والعلماء الذّريّين والأثرياء كان طبيب جامح ومساعده الطّبيب الآليّ وعصبة كبيرة من الأطبّاء المشهورين والمخضرمين والمتدرّبين والباحثين في هندسة الجينات البشريّة وفيزياء الجسد وكادر من الممرضين والممرضات والمساندين والمساعدين الآليين في انتظاري باقتراحهم الإبليسيّ وتجربتهم المخيفة، لم يكن أمامي إلاّ القليل من الوقت لأوافق على هذه العمليّة بتهور وعلى عجل يتنازعه ألم جسديّ عظيم، وخوف رهيب من الموت والرّحيل، ورغبة ملتهبة في أخذ فرصة جديدة للحياة، ولو كانت فرصة أكبر من مستحيلة، وتكاد تكون الأولى من نوعها، أو هي كذلك.يا لها من فرصة مقيتة مسروقة من امرأة ميتة مسجّاة عارية إلى جانبي! فيما تفكّر هذه الصّامتة في هذه اللّّّّحظة؟ّّّّ لعلّها ترفض بصمت رهيب أن تهبني جسدها الصّغير، ولكن من يبالي برفضها؟! وأنا الجبّار القويّّ في هذه اللّحظة بسلطة حكومة درب التبّانة على الرّغم من ضعفي وعجزي، وهي الضّعيفة العاجزة السّادرة في العدم.

الكثير من مسكّنات الألم المتطّورة استطاعتْ بصعوبة وبطء أن تمدّني بلحظات من صمت ألم حروق جسدي وكسور عظامي كي أفهم العرض المقدّم لي من الأطبّاء على طبق من المستحيل والمجازفة، كلّ شيء جاهز؛الأبحاث الدّقيقة والنّتائج الإيجابيّة والمبشرّة والأكيدة بعد استخلاصها من عمليات مشابهة على الحيوانات والكوادر الطّبية والتّمريضية المدرّبة والأجهزة المتطوّرة والدّعم الآليّ المتقدّم وجسدها ودماغي وزمن حرج مخنوق مشدود بتوتّر إلى القلق والعجز والقصر والانقضاء السّريع،و فرصة واحدة تكاد تكون زائلة لا تتجاوز بضع ساعات تفصلني عن موت مؤكّد في ضوء معطيات جسدي المتآكل الذي يعمل قلبه ورئتاه بصعوبة معاندة لكلّ الآلات الصّناعيّة المنعشة والتّشغيليّة المربوط إليها.

علي أن أختار سريعاً، أو هذا ما يخيّل إليّ أنّني سأفعله، أو ما يجب أن أفعله فعلاً، ولكن الحقيقة تقول بصفاقة لا مبالية إنّ الأقدار قد اختارتْ مسبقاً، ورتبت الأمور والصّدف والأحوال كما ينبغي، وأنا مضطر إلى أن أرضخ إلى تصاريف الصّدف والأفعال العبثيّة والقدريّة في آن، مادام العلم كلّه والتّقدّم الحضاريّ بأسره في الألفيّة الثالثة من تاريخ البشريّة وسلطتي ورتبتي العسكريّة الرّفيعة ونفوذي الخطير وسيرتي العسكريّة المشرفة وطموحاتي العملاقة ومآثري المزعومة لا تستطيع جميعـاً أن تهبني لحظـة حيـاة إضافيّة إنْ انتهت إقامتي الجبريّة اللّذيذة في سيرورة الحياة.حتى جسدها الصّغير المقرور هو قدري في هذه اللّحظات فضلاً عن موتها أو للدّقة قتلها في يوم حاجتي إلى جسد ما.

أستطيع أن أزعم بنَفَسٍ استعلائيّ مقيت متعفّن أنّ إرادة جبارة في هذا الكون تريد أن تهبني فرصة جديدة للحياة، وهي بجبروت إرادتها السّلطوية النّافذة قد رتبت الظّروف كلّها حتى موت هذه المرأة السّمراء الصّغيرة من أجل إنقاذي، ولن يعيبني أن أدّعي في لحظة انتحار أمنيات واحتضار قسريّ مؤلم أنّ خلق هذه المرأة وسيرتها وأقدارها جميعها حتى موتها إنّما كانت كلّها بترتيب الإرادة الخفيّة الجبّارة من أجلي أنا دون غيري من مخلوقات هذا الكون،ومن سيمنعني من أن أهمس لنفسي بصمت، وأن أقول لها مخفّفاً عنها بلاءها ومجافياً إلحادي العتيد المعلن المنكر لوجود إله أو آخرة أو حساب أو جنة أو جحيم: إنّ هناك قوة في السّماء تحبّني بشدة على الرّغم من كفري وجحودي، لعلّها محاولة غير يائسة من تلك القوة، وقد تتكلّل بالنّجاح من أجل استمالتي نحو الإيمان والتّصديق بالرّبوبيّة وسائر فانتازياتها التي أقرأ عنها من وقت إلى آخر في كتابات بعض الباحثين عن الشّهرة السّريعة من الكتّاب والإعلاميين في المنظومة الإعلاميّة الإلكترونيّة الكونيّة.

باختصار ليس أمامي إلاّ أن أركع في محراب الفرصة الثّانيـة والأخيـرة للحياة، ولو كان ذلك على حساب المسلّمـات والطّبيعيّات والمعارف والعوالم والحقائق كلّها، بل وعلى حسابها هي،أيّاً كانت الأحوال، وأيّاً كان قراري، فهي في الأحوال كلّها لن تبالي بمصير جسدها المنكود، فقد ذاق العدم والنّهاية الحتميّة، وما كان كان، ولا أخال أنّها ستغضب من أن يبقى جسدها حيناً من الزّمان خالداً بعد رحيلها عن دنيا الوجود مسجوناً بي أو معي، أو ساجناً لي بمعنى آخر، بل قد يفرحها ذلك بمعنى ما، وإن كنتُ أشكّ في أنّها ستفرح بأن تترك جسدها عالقاً في عالم المادة مع رجلٍ أخال أنّه واحد من ألدّ أعدائها لاسيما وأنّه هو من فتك بالكثير من أصدقائها الثوّار الذين أرادوا للبشريّة أن تتراجع في ضوء مطالبتهم بمثاليّات سخيفة بالية عتيقة قد تجاوزتها الحضارة الإنسانيّة منذ قرون، وباتت تاريخاً منسيّاً مغضوباً عليه في ذاكرة جمعيّة كادت تجهضه تماماً من تاريخ حيّز تذكّرها.

ومن يدري ربما كان هذا الأمر سيسعدها، وسيتناسب مع نسق مثالياتها وأفكارها الرّومانسيّة المغرقة في إنسانيّتها المنفّرة ويتواطأ معها؛لتبرهن للمجرّة كلّها على أنّ ثورتها كانتْ صادقة وقابلة لتجاوز العثرات والأسئلة والمزالق والتّشكيكات والأزمات كلّها، وبذا تخلص إلى لقب النّبيّة بكلّ استحقاق وجدارة، فمن سيكون غيرها عندئذٍ حريّاً بهذا اللّقب ؟وهي من تهب عدواً من ألدّ أعدائها جسدها راضية مرضية، وإن كان في زمرة من ساهموا في ملاحقتهـا وسجنها وقتلها بمعنى من المعاني مادام هو ضمن جنود حكومة المجرّة، وواحد من أبرز رجالاتها وزعاماتها وقوّداها.

أيّاً كانت الاحتمالات والمشاهد والفرضيات والتّأويلات فقد انتصر بسهولة ويسر لرغبة الحياة، وقرّر المجازفة مادام لا يملك غيرها، وهناك الموت يتربّص به، وينتظره قيد ساعات ليغرز نابه الأزرق المسموم في روحه المعذّبة الآثمة وفي بقايا جسده المهصور، وها قد أعطى موافقته على إجراء العمليّة عبر توقيع إلكترونيّ معتمد له في منظومة الدّولة العسكريّة والقضائيّة مشفوعاً بأرقامه السّريّة الخاصة.

وهاهو ينتظر بقلقه المسيطر وعقله النّابض بحمى الألم وأشلاء جسده، وعجزه البائن الكسير اكتمال الاستعدادات، وحضور الطّاقم الطّبي المشغول بصخب هذه العمليّة الاستثنائيّة التي اجتذبت آلاف الفضوليين، واستقطبت مندوبي وسائل الإعلام من شتّى أنحاء المجرّة، وباتتْ تبثّ الأخبار على التّوالي عبر فضائياتها المرئيّة والمسموعة والسّابقة لسرعة الضّوء كي ترسل الخبر إلى شتى أنحاء الكون عبر رسائل باللّغات كلّها لكلّ سكان الكون المعروفين والمجهولين القريبين والموغلين في البعد حيث لا أمل في التّواصل معهم بأيّ شكل من الأشكال إلاّ بالتقاط البثّ العشوائيّ الموجّه إليهم.

وهو ليس له إلاّ الصّمت والانتظار والأمل والرجاء والتفرّس في جسدها الشّاب العاجز المسجّى في الطّاولة الموازية لسريره بعجز محزن، لا يختلف كثيراً عن عجزه وضعفه، وكسر شوكة نفسه وعنفوان جسده وعزم إرادته الذي كاد يسحق نبض كبريائه وصهيل جموحه، ليتضاءل ويتقزّم في احتراق نيزك ضائع في مجرّة متوحّشة عملاقة أو موت كوكب تليد في لحظة إشعاعه الأولى.

يبتسم على مضضٍ لسبب يجهله، ولكنّه يمنّي نفسه بتحقّق المعجزة، لم يسبق لبشر أن نجح في أن يعيش بدماغ غيره، ولكنّه على ما يبدو على حلفٍ مع الأحداث الغريبة والنّكسات الاستثنائيّة، وهاهو مضطر الآن إلى أن يخضع لعملية غريبة لا تقلّ وحشيّة عن بتر عضو بسكين ثلماء كي يغدو له جسداً جديداً مسروقاً من امرأة عاجزة لا يعرفها، ولا تعرفه.

القدر يسخر منه بحق، فيسرق منه جسده الرّجوليّ الوافر الجمال والعنفوان والاكتمال والبسطة في الطّول والصّحة والعطاء والحضور والجاذبيّة، ويهبه جسداً أنثوياً أسمرَ، يغالب ندوباً وجراحاً وألوان طيف الشّمس ورفيف الموت المداهم له عنوة وقسراً.

الأطبّاء أكّدوا له أنّ هذا الجسد الأنثويّ المنسرح في أحضان الموت بابتسامة قرمزيّة مترعة بالسّلام والرّضا وبشيء آخر لا يعرف له اسماً أو لوناً أو صفة هو الجسد الوحيد الملائم جينيّاً وأنسجة وخلاياً لجسده، في حين تغيب الاحتمالات الأخرى الملائمة له، حتى تلك الجثّث الكثيرة المكوّمة في المشرحة حصيلة حادث مروريّ على الخطّ الضّوئيّ السّريع بين الأرض والقمر ووفيات طبيعيّة، ومواجهات دامية مع الثوّار في الشّمال، وانفجار في معمل كيميائيّ نوويّ جميعها لا تناسبه جينياً، ولذلك عليه أن يقبل بأن يدسّ روحه ودماغه في هذا الجسد الصّغير على كُرْه أو رضا حتى ينجو بحياته، وعندها سيكون من السّهل على الأطبّاء نقل دماغه من جديد إلى جسدٍ ذكوريّ، يُنتقى على هوادة وتروٍ وفق شروطه ورغباته بمساعدة مخابرات المجرّة لتعويضه عن خسارته الرّهيبة لجسده في حربه المخلصة للدّولة في مواجهة الأعداء والثوّار والمخرّبين.

هو في هذه اللّحظة لا يثق بمخابرات المجرّة ولا بالأطبّاء ولا بهذه العمليّة المستحيلة ولا حتى بجسدها المسجّى بصمت واستسلام، لكنّه يثق بعجز واضطرار بطاقة كونيّة عجيبة قادرة على أن تخلّصه من هذه المحنة الخرافيّة، ويفكّر في أن يتمتم بنشيد ما ليساعده على أن يعلو على رهبة الموقف وصقيع الوحدة والخوف، ولكنّ فكّه المكسور يحرمه من هذه المصالحة الصّغيرة مع لحظته، ويسلمه وحيداً محزوناً لجسدها، ولاشيء غير جسدها.

يحاول أن يهرب منها باستذكار عقيم لمفردات هذه العمليّة، ومراحلها ومجازفاتها وتوقعاتها وإمكانياتها التي حدثّه الأطبّاء عنها بإسهاب مُساط بقلق الزّمن، يدرك أنّه نسي معظم ما قيل له، خلا أنّ جسده البالي سيُلقى به في مشرحة كليّة الطبّ، ودماغه سيرتدي جسدها، وهي ستكونه، وهو سيكونها، وبذلك يكون رجلاً في جسد امرأة، أو جسد امرأة بعقل رجل، أيّ سيكون اثنين في واحد إلى أن تنجح العمليّة، ثم يعيد الأطبّاء الكرّة، ويهبونه جسداً ذكوريّاً يسكنه حتى يأتيه الموت مرة أخرى مطالباً بإصرار بانضمامه إلى قافلة الرّحيل والعدم، وحتى ذلك الوقت عليه أن يؤمن بالمستحيل وبجسدها، وببركات روحها النّبيّة، لعلّها تهبه النّجاة من هذا الكفر الموصول.

في غضون دقيقة يأتون جميعاً، لا يعرف لهم أسماء، كلّهم هنا من أجل ميلاد هذا الإنجاز الطّبي المستحيل، به قد تكون ولادة حقبة جديدة من تاريخ البشريّة والتّقدّم الحضاريّ والإنجاز الطّبيّ، هو وحده من سيملك أن يقول نعم أو لا لتكرار هذه التّجربة له ولغيره من البشر،هو وحده من سيجيب على هذا السّؤال البشريّ المعلّق، ووحده من سيكون معلّقاً في العجز والوحدة والحرمان والغربة داخل ذاتـه في هذه التّجربة العجيبة التي تفوقه، ووحده من سيُسجن داخل جسدها المفصّل على قدر صفاته الجينيّة وعجزه وحرمانه وغرابة الصّدفة التي يكره أن يؤمن بها، وأن يستسلم لها.

آنت اللّحظة القدريّة الفجيعة، لا مفرّ من أن يستسلم لهم ولمباضعهم المتأهبّة للانقضاض عليهما، يغزوه غاز مخدّر عبر قناع الأوكسجين الذي يحاصر فمه وأنفه، يحاول أن يبحث عن ابتسامة تشجيع من الوجوه التي تغزو مساحة رؤيته، وحين يخفق في أن يحصل عليها برغبة مستجدية ملسوعة، يهرب دون وعي إلى جسدها، يسترق النّظرات إليها عبر ثقوب المساحات بين الأجساد التي تحاصره، يكاد يلمح ابتسامة تخصّه تختال على شفتيها، يغزوه اطمئنان صغير دافئ، وينسرح في عالم الهلوسات والأحلام والغياب والخدر، وتغيب الأشياء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– رواية (أعشقني) للدكتورة سناء شعلان. صدرت الرواية سنة 2016.
الرواية نت – خاصّ