سبتمبر 23, 2019
  • سبتمبر 23, 2019
سبتمبر 24, 2017

الفصل الأول من رواية ” فيلسوف الكرنتينة “* وجدي الأهدل *

By 0 345 Views

أوصى (ابن زيمة) مؤسس المقبرة، ومبتدع مذهبها الرملي، قبل وفاته، بوضع شمس صناعية في السماء، وذلك على جاري عادته في الدعوة إلى صنع نسخ مُقلدة من كل شيء.
وبعد أجيال وأجيال، نفذ (القحطاني الكبير) الحاكم الحالي لمقبرة زيمة الوصية. وموّل هذا الحاكم الطموح مشروع تصنيع الشمس العملاقة التي أنجزت بمعونة مهندسين بارعين من مقبرة الهمبرغر، فتوفرَ الضوء والدفء لديدان مقبرة زيمة المتعطشة منذ جثث لا تحصى لأي بصيص نور. لكن هذه الشمس المصنوعة من النفاية التي خلفتها مصانع البتروكيماويات أوقعتنا في ورطة، فبدلاً من أن تساعدنا على وضوح الرؤية، أدت إلى ملء واقعنا بالمغالطات!
متشبثاً بطوف نخرته أمواج البحر الأحمر الضارية، تمكن الفيلسوف (مشعل الحجازي) في الليلة الفائتة من التسلل إلى ساحل المقبرة، مُتدثراً بالظلام الدامس الخالي من النجوم، وقد أضناه العطش. حين وطأت قدماه اليابسة، لم يتمالك نفسه من التعب، فهوى من فوره مستسلماً للرقاد. استيقظ منزعجاً حين انطلق النهار دفعة واحدة من آلة هائلة الضخامة، مُعلقة بين السماء والأرض كأنها عنبة طافية، وغامر بالتجول راجلاً في شوارع مقبرة زيمة بحثاً عن شربة ماء. تمشى في شارع (الحمراء) وهو يُحس بملوحة البحر الرطبة تعشش في مغابن أصابع قدميه، وتسببُ له أكلاناً لاسعاً، فتناوشته رغبة مُحرقة في الحك حتى يقشط اللحم عن العظم. كان الحنق يملأ نفسه على عملية التزييف الواسعة التي طالت كل شيء تقريباً، ويُكلم نفسه بصوت عالٍ كمجنون: “المُزورون حتى التاريخ غيّروا ملامحه، وألغوا عمداً الاسم الأصيل لمقبرتنا، مقبرة أمنا حواء، واستبدلوه باسم إمامهم زيمة”.
بطول الكورنيش شاهد دوديات حسناوات، من مقبرة الفايكنغ، لم تظهر الغضون في جباههن بعد، ودخلن البلاد بطرق غير مشروعة مثله، يبعن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المحظور تداوله، تحت سمع وبصر عناصر الشرطة الذين كانوا ينتهزون فرصة غياب المتنزهين ليغازلوهن. ترك الرصيف الذي تغطيه قشور اللب، ومُضغ اللبان، وبقع المياه الغازية التي أكسبها المناخ الرديء خواص الغراء، وراح يمشي على الرمل الساخن السبخ، ورويداً رويداً اقترب من مياه البحر بفم يابس وحجر تحت لسانه، مُفكراً بالشرب من شآبيب الأمواج العالية مُمنياً النفس بأنها قد تكون أقل ملوحة، وحين أقبلت موجة بارتفاع جبال الهملايا، وانحنت لـه كراهب هندوسي، عانقها غامساً رأسه، وعبّ منها كما يعبُّ الثملان من إبريق مفرشخ العنق، لكن الملوحة الشديدة أحرقت بلعومه ومعدته، وشعر بدوار وصفير حاد يخترق أذنيه، واصفرّت الدنيا في عينيه.. وأنّب نفسه كيف تجاهل المعلومة التي تذكر أنّ البحر الأحمر أشدّ البحار ملوحة في العالم! أخذت رائحة البترول تصعد من جوفه، فأدرك أن ماء البحر مُلوث عمداً بالنفايات النفطية. شعر بمغص وقرقرة في بطنه. هاجمه ندم عظيم لقراره العودة إلى مقبرة زيمة، وأحس بهذا الندم يُهاجمه كطعنة في جنبه. وقف يحدق في صورته المنعكسة على سطح الماء، ورأى بخاراً كثيفاً يخرج من منخريه، ويتشكل على هيئة طائر مالك الحزين، له قوام شفاف كالبلّور، وانفصل عنه، ثم طار عالياً. أخذ يُنقل خطواته بصعوبة بالغة حتى أدرك الشاطئ، وحين أحسّ باليابسة تحت قدميه، تقيّأ الماء المالح الملوث الذي شربه، وانتقى حجراً ناعم الحواف ودسّه تحت لسانه، فاختفت الصفرة العالقة بالأشياء وعادت لها ألوانها الأصلية، وشعر بنفسه خفيفاً صافي الذهن. استراح ممدّداً قدميه باتجاه البحر الذي بدا لـه وكأنّه يبتسم ساخراً من محاولته الخرقاء النيل منه! التقط قوقعة ونظّفها من الرمل، وتأمّلها بإمعان .. كانت متحجّرة ومجعدة كوجه يذكّره بأحد أسلافه، هو لم يره، ولكنه سمع عنه، وعلى هذه الصورة تخيّله: جدٌّ متوحّش كان يشرب مخيخ عظام الجثث من منخر واحد متباهياً بفتوّته المثيرة للنفور. توحّد بالقوقعة، وساوره اعتقاد محزن أنّها صورة مطابقة لذاته الخاوية التي تصفّر فيها الرياح فحسب.
كان دودة في الأربعين، طويل القامة، ناحل العود، صحيح البدن، يجمع بين الرشاقة والصلابة، ويضع نظارة سميكة العدستين على عينيه الواسعتين الناتئتين من محجريهما، ورأسه بيضاوي الشكل تميّزه جبهة عريضة مقبّبة مشدودة الجلد توحي بألمعية صاحبها. أذناه مفلطحتان وكبيرتان تناسبان وجهه الطويل الحليق المتناسب الأجزاء، ولـه أنفٌ طويل ضيّق المنخرين يحمل بيسر شاربين دقيقين قصيرين يوحيان بالأناقة والذوق الرفيع. الفم مستقيم استقامة تامة دون انحناء حتى عندما يبتسم، وشفتاه رقيقتان متساويتان لا واحدة ممتلئة أكثر من الأخرى، وذقنه برونزي مسبوك دون نتوءات، وأما العنق فطويل مدوّر يخلو من العروق النافرة المشوّهة، وكأنه عنق فتاة في ميعة الصبا، وكان هذا العنق الجميل بالذات مبعث تأفّفه، لأنّه يهبه ملمحاً أنثوياً لم يكن يرتاح لـه.
قضى النصف الأول من عمره في حشو دماغه بأصول المذهب الرملي، واستيعاب مسائله الدقيقة في الفقه، واستظهار أقوال علماء الرمل المشاهير في التفسير والأسانيد غيباً من الذاكرة، ونال مبكراً لقب (الشيخ) الذي يسيل لعاب الكثيرين من أجل تحصيله. وعلى كره منه ابتعثته وزارة الشؤون الدينية إلى مقبرة نائية في أوروبا ليعلم الديدان المهاجرة من الشرق الصلاة. وحين أنجز مهمته، رمى بتذكرة العودة في فتحة المرحاض، ثمّ أنفق عشرين جثة من عمره في دراسة الفلسفة، ناهلاً من متع الحياة حتى الشبع، متحللاً من كلّ قيد، وحين أحسّ أنه قد شفي تماماً من إيمانه العميق بالمذهب الرملي، وزال من نفسه كلّ تعاطف، قرّر العودة إلى مسقط رأسه ليبشّر بالفكر الجديد. كان قد قرأ في مؤلفات ابن رشد عن خاصية فريدة تميزت بها تربة مقبرة زيمة: زَعم أنّ ترابها لا يمسك الماء لاتساع مساماته، وأنّ الكتب تمّحي حروفها بعد أيام معدودة من خطّها لقساوة مناخها وهول عواصفها الرملية. منّى الفيلسوف مشعل نفسه بحصول مراده وارتفاع قدره بين فلاسفة العالم إذا ما تمكّن من جعل رمال مقبرة زيمة تحتفظ بالماء فتصير طيناً صالحاً للزراعة، والكتب تطبع بورق مقاوم للغبار فتحيا الحروف سليمة أزمنة مديدة.
ألهبت فروة رأسه الخفيفة الشعر شمس القحطاني الكبير التي كانت مشغّلة على أعلى نمرة، لتمنح سكان المقبرة شعوراً كاذباً بحلول موسم الصيف القائظ. ذهب يبحث عن ظلّ، ورأى أشجاراً وارفة محبوسة في أقفاص مربّعة على جانبي شارع نظيف منسّق، لُوّن إسفلته بطلاء أخضر، فنوى أن يسعى إليها ويرجوها أن تمحضه ما تتفضل به من الظلّ تحت أغصانها، وحين اقترب منها وكلّمها، فوجئ برائحة عفنة لا تطاق تفوح منها – إذ كانت تسقى بالنفط المنزوح من المجاري- وأنها لم تكن تملك أيّة فكرة عن الضوء والظل، والإزهار والإثمار، كما أنها تجهل تماماً وجود الماء، وأنّه يُفترض بها أن تطلق الأوكسجين.. لقد تمّ تلقينها أنها أشجار زينة ولا شيء أبعد من هذا. شعر بقلبه يتمزّق أسى على هذه الأشجار المسكينة، وبدّل طريقه متجنّباً الشوارع العريضة المشجرة، وراح يسلك الأزقة الترابية المهملة العامرة بأكوام الزبالة وأسراب الذباب، وتعثّر أكثر من مرة بقطط وكلاب كسولة مستلقية على الأرض وكأنها قد فارقت الحياة. مرّ بالقرب من مدرسة ابتدائية، واستفزّه منظر معلم ملتحٍ يتطاير الشرر من عينيه، ويحمل خيزرانة رهيفة، لفّ عليها لاصقاً أسود اللون، ليُدخل الرعب في قلوب الطلبة المتأخرين، وقد وقف متوارياً خلف الباب، وقدمه تنكث التراب متشبّها بالثور حين يتأجج الغضب في عروقه، وسرّه تغامز خمس عجائز “حجات” يبعن اللب والفول السوداني المملح، وتندّرهن من بلاهة المطوع، وقد أسندن ظهورهن لسور المدرسة، وكلّ واحدة منهن ترتدي الزيّ الوطني الخاص ببلادها، وساعدته دقة ملاحظته على تخمين المقابر التي جئن منها من طريقتهن في اللبس واختيار الألوان: ثلاث من تشاد، وواحدة من جنوب السودان، وخامستهنّ من تكرون بنيجيريا. واسترجع بمتعة أيام الدراسة السعيدة، حين كان ينفق مصروفه اليومي كله على هاته النسوة الطيبات اللاطيات دوماً بأسوار المدارس. وكان تحلّقه هو وزملاؤه حولهنّ، وتدافعهم للشراء منهن، ربما أجمل ذكرى علقت في ذاكرته عن تلك الفترة البعيدة من حياته. وقطع عليه تفكيره في ماضيه، زعيق المأسورين الصغار بنشيد جماعي، يتغنّى بفضائل عاهل المقبرة (القحطاني الكبير) واختتموه بالدعاء لـه بطول العمر. مع بدء هيجان الريح وتلوّث الجوّ بالغبار، وانخفاض مدى الرؤية، أخذت الحياة تدبّ في المقبرة، وانتعشت شوارعها بالمشاة، وعمّ الفضاء ضجيج أبواق السيارات، وطنطنة دعاة المذهب الرملي الفائحة من البيوت والمحلات التجارية التي ساعد على انتشارها رخص أسعار أشرطة الكاسيت. وشعر الفيلسوف مشعل الحجازي بأنّه بطريقة ما قد دخل في إيقاع الحياة اليومية لشعب مقبرة زيمة.




لمح دودة شابة هيفاء، سمراء البشرة، تغطّي وجهها ببرقع، تبتسم لـه بعينيها الكحيلتين الواسعتين كعيني الظبية، فارتعش قلبه، وانفتح فمه بآهة إعجاب مديدة. ورآها تسلك زقاقاً مقفراً فلحق بها واستوقفها، وطلب منها أن تسقيه. ضحكت من طلبه الغريب، وقلبت في ذهنها عدة أفكار لعوبة، ونفذت أكثرها جرأة: خلعت عباءتها السوداء بغنج وتأوه، ثمّ رفعت فستانها الأصفر إلى مستوى حلمتيها، فانكشف نصفها الأسفل عارياً يلمع متألقاً ومبهراً ككثيب هلالي ناعم تغوص فيه القوافل، وقالت بصوت ممطوط أغن مشيرة إلى بئرها: “اشرب من هذه.. بالهنا والشفا!”. ساح قلب الفيلسوف مشعل كالزبدة، ونبضت أوردته بنداء الغريزة، وتوحّش عصفوره فصار صقراً يصأى مدلياً بمنقاره لالتهام الفريسة. تلفت حواليه ثمّ نظر إلى الخلف فتبيّن دودياً ملثماً يحمل بندقية آلية همبرغرية الصنع يتقنّصه. خمّن الفيلسوف مشعل أنّ الدودي الملثّم من العسّة “الحرس الليلي” وفهم أنّه مراقب من الدبابير المعادية بالفطرة لكلّ من يحوي رأسه شيئاً جديداً، ففرّ بجلده إلى شارع ضيق ملتوٍ، متجاهلاً نداءات الشابّة التي أرادت أن تغرّر به، وأطلق ساقيه للريح متوقعاً بين لحظة وأخرى سيلاً من الرصاصات الغادرة تحلج ظهره. اجتاز لاهثاً حارة (البلد) ذات المباني القديمة الطراز المتباهية بمشربياتها وقبابها وأقواسها، وخرج إلى شارع رحب مزدحم بالسيارات والمراكز التجارية، فأخذ يمشي الهوينى وقد هدأ نبضه واستوى نَفَسه، وسحب من جيب بنطلونه باكت سجائر سرعان ما طوّح به في سلة مهملات مثبتة بعمود كهرباء، مدمدماً بشتائم بذيئة بحق البحر الأحمر وكلّ عائلته من البحار الأخرى. ولج أحد المراكز التجارية الفخمة، وهاله عدد الشبان الفاغري الأفواه الذين ليس لتواجدهم أيّ غرض حقيقي باستثناء معاكسة ومشاكسة الإناث. ولاحظ أنهم يرتدون ثياباً بيضاء”مُخصّرة ” تضيق بشدة عند الخصر والأكتاف، وكأنها فساتين نسائية مشغولة بمهارة على مقاس الجسد. وكان هؤلاء الفتية كلّما مرّت بقربهم غانية مياسة القدّ، يتهافتون على فرش دربها بالقصاصات الورقية الملوّنة، المدوّنة فيها أرقام هواتفهم السيارة، على أمل أن تلتقط واحدة منها، وتتّصل بصاحب الحظ السعيد لتضرب لـه موعداً! اشترى باكت سجائر من ماركة رخيصة، وسحب سيجارة وأشعلها، وخرج من المركز التجاري وهو يشعر بالقرف من روائح العطور القوية المختلطة برائحة منفرة، تشبه عطن التيوس حين تحبس في زريبة مكتومة الهواء! بجواره سمع شباباً يتفاخرون بشراء أرقام مميزة لسياراتهم بمبالغ ضخمة، وآخرون كانوا ينظفون إطارات جمالهم الحديدية بدواء الصداع! واصل المشي على غير هدى، وأخذ يسلّي نفسه بترديد أغنية “وصبري صبر بحارة، بغوا في اليم محارة” للفنان الذائع الصيت محمد عبده. كان متحمّساً لمشروعه التنويري الضخم الذي وطّن نفسه أثناء إقامته في الخارج على إنجازه عند عودته، لكنه صُدم بمظهر أولئك الشبّان المنحلّين وسلوكهم المتهافت. كان مدركاً أنّ ما يودّ القيام به يشبه الحفر في الصخر الأصمّ، وأنّ جهوده قد لا تثمر إلاّ بعد جثث طوال. ورغم إيمانه الراسخ بتحدّي كلّ الصعاب وقهرها، فإنّه لم يتمكّن من نزع نفسه من الحالة السوداوية التي حاصرته منذ الصباح الباكر. شدّت انتباهه لوحة إعلانية زرقاء كُتب عليها “معهد ترقية الفكر”. فقال في نفسه والفرح يشعّ من محيّاه: “يا إلهي، أخيراً عثرت على ضالتي! من هذا المعهد يمكنني الانطلاق لتدريس المذهب الإنسانوي ونشر تعاليمه بين سكان المقبرة .. كلّ ما أتمنّاه أن يجود عليّ القدر بمريدين مخلصين”. خبّ خطاه في الاتجاه الذي حدّده السهم، ودخل بناية حديثة، واستقلّ المصعد الزجاجي الشبيه بعلبة هدايا شفافة إلى الطابق الثامن عشر، وهناك وجد باب معهد ترقية الفكر مفتوحاً، وثمّة دودي من مقابر شرق آسيا يبتسم لـه. مشى باتجاهه وتصافحا بحرارة وكأنهما صديقان قديمان. قال الفيلسوف مشعل وعيناه تومضان كنيزك انشطر إلى نصفين:
– أنا مشعل الحجازي، أحمل شهادة دكتوراه في الفلسفة الإنسانوية وأريد أن أعمل معكم في المعهد.
ردّ العامل الآسيوي ببرود وتكشيرة بطيئة ترتسم على محيّاه الأمرد:
– إنته مخ ما في! شوف حديده حبه حبه.
التفت الفيلسوف إلى الاتجاه الذي أشار إليه العامل الآسيوي، فشاهد لوحة معدنية شارحة كتب عليها “معهد ترقية الفكر يقدّم دورات علميّة متخصّصة في تعليم الطهي والأكل الشرقي”. احمرّت أذنا الفيلسوف مشعل، واضطرم بالخجل والغيظ من نفسه، وبإيماءة باهتة للعامل الشامخ بأنفه غادر الطابق الثامن عشر والبناية الرائعة التصميم، وهو يشعر بخيبة أمل مريرة. حوّم فوق رأسه المكشوف فصيلان متعاديان من الغربان، واشتبكا في الجوّ بالمناقير، وتساقط الريش الأسود على الأرض، وكأنّما السماء وسادة منبوشة، فغيّر طريقه مرة أخرى، وقد آذته نذر الشؤم هذه. استبدّ به العطش حتى أوشك على الإغماء، وجازف بسؤال دوديّ طاعن في الجثث ومحدودب الظهر يتوكأ على عصا عوجاء عن المكان الذي يشربون منه الماء، ارتجّت مفاصل الدوديّ الشيخ من السرور ورمى بعصاه في الهواء، ثمّ خرّ ساجداً جاعلاً الفيلسوف مشعل خلفه تماماً، ثمّ أتى بحركة خالية من التهذيب لفتت انتباه المارّة وجعلتهم يتجمهرون حول السائل والمسؤول .. حسر الدوديّ الشيبة ثوبه الأبيض إلى قفاه كاشفاً عن عورته المغلظة، ثمّ أشار ببنانه الأربع: “من ها هنا يشرب الزيميون ماءهم!”. تضرّج وجه الفيلسوف مشعل بالحمرة القانية، وأحسّ بساقيه ترتعشان وغير قادرتين على حمله، إذ راحت النظرات الناريّة المتوعدة تحوطه من كافة الاتجاهات، وأدرك أنّه مُسيّج بالنوايا العدوانية المتحفّزة لإراقة دمه. ستر الفيلسوف مشعل وجهه بيديه متراجعاً إلى الخلف بخطوات واسعة، فيما الضربات الحاقدة تنهال على قفاه، واللعنات المتطايرة كالسهام تلاحقه بلا هوادة. وبشقّ الروح أمكنه أن ينجو من بلطجة المطاوعة المتعصّبين بأقلّ الخسائر. وحين تحسّس قذاله الذي كان يؤلمه بشدّة تفاجأ بالدماء تسيل من جرح ربّما تكون شفرة مطواة هي التي أحدثته. ضمّد جرحه بمنديل وهرع خلف ثمانية عمّال قصار القامة من مقبرة البنغلاديش، رآهم يتقافزون إلى حوض سيارة وانيت ربع نقل فصعد خلفهم وهو يتلفّت إلى الوراء خائفاً. انطلق السائق بسرعة جنونية غير مبالٍ بحياة الذين حملهم معه في حوض مكشوف خالٍ من شروط السلامة. شعر الفيلسوف مشعل بالتعاطف مع هؤلاء الأغراب القادمين من أقصى بقعة في شبه القارة الهندية الذين كانوا يؤمنون بتحقيق حلم واحد: أن يجمع الواحد منهم مبلغاً من المال يكفي لبناء بيت بسيط ثمّ يقفل راجعاً إلى بلاده. أراه الشاب الجالس إلى جواره، وكان أكثرهم وسامة، وأطولهم قامة، صورة فوتوغرافية لزوجته الجميلة، مخبأة بعناية خلف جيب بلاستيكي شفاف في محفظة بنيّة مهترئة، وقال بعربيّة مكسّرة إنّهما تزوّجا قبل جثة ونصف، وعاشا شهر العسل في أحد شوارع دكا، فأسرتاهما منذ أجيال بدون مأوى، وإنّه لهذا السبب قرّر أن يغترب، ليُوفّر لأطفاله حين يولدون سقفاً يحميهم من لفح الشمس وبلل المطر. قبّل البنغلاديشي الوسيم الأحور العينين صورة زوجته، وتنهّد حتى ارتعش كيانه كلّـه، ثمّ خبّأ المحفظة في جيب القميص الملاصق لقلبه، واغرورقت عيناه الرائعتان بالدمع. أخرج الفيلسوف مشعل باكت السجائر من جيب بنطلونه باذلاً محاولة يائسة لتبديد الحزن الذي انقضّ على أعماقه كالصاعقة دون سابق إنذار وآذن بهطول دموعه، وعرض على رفاقه العمال السجائر، فلم يمدّ أحد منهم يده حياءً، فألحّ وأقسم عليهم بنيتشه أن يأخذوا! سأله البنغلاديشي الوسيم مرتكباً:
– بابا .. أنا ما يعرف نيشته!
قال الفيلسوف مشعل بثقة وكأنه يتحدّث عن زميل دراسة:
– نيتشه نبيّ كبير .. نفر واجد مزبوط !
تأثر البنغلاديشيون بلهجته الحاسمة، وعظّموا يمينه، فسحبوا بالدور سجائر على عددهم، وراحوا جميعاً يدخنّون بنشوة. وبدون أيّة إشارة من القدر، وجدوا أنفسهم يتشقلبون في الهواء ويتساقطون على الإسفلت، بعد أن اصطدمت سيارة الوانيت بعمود إنارة، وكان من حسن حظّ الفيلسوف مشعل الذي كان قابعاً في المؤخرة جهة اليمين، أنّ الصدمة رمته بعيداً على أرض ترابية، فلم يُصب إلاّ برضوض خفيفة. كان عمود الإنارة ذاك منتصباً في وسط السكة تماماً، لأنّه بعد توسعة الشارع وسفلتته مجدّداً، لم تجرؤ البلدية على إزالته خوفاً من التهم السياسية المغرضة، فقد كانت صورة حاكم المقبرة القحطاني الكبير معلّقة بأعلاه، وأيّة محاولة لإزالة الصورة من مكانها ستفسّر على أنها مؤامرة ضد نظام الحكم، قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. لذا فضّلت البلدية أن تضيف المزيد من السواتر الإسمنتية لحماية العمود من شتّى الصدمات التي قد تؤدي لا سمح الله إلى سقوط صورة القحطاني الكبير. مسح الفيلسوف مشعل التراب العالق بفمه وعينيه ونفض بزّته، ثمّ اتجه إلى موقع الحادث، حيث رأى سيارة الوانيت وقد انضغطت مقدمتها وتكسّر زجاجها الأمامي كلّـه، وعلى مسافات متباعدة رقد على الأرض الإسفلتية الساخنة البنغلاديشيون الثمانية.. هرول نحوهم وتبيّن لـه أنّ إصاباتهم خطيرة، ولحق به السائق البدين الأشمط الذي نجا من الحادث المروّع دون أن يُصاب بخدش واحد ـ لأنّه ربط حزام الأمان حول كرشه ـ وأخذ يحمد ربّه على نجاته من الموت! اختطف الفيلسوف مشعل الهاتف السيّار من يد السائق المُبلبل الحسّ، واتصل بالإسعاف والشرطة. وبعد دقائق قليلة لفظ البنغلاديشي الوسيم أنفاسه الأخيرة، ويده قابضة على المحفظة الجلدية المهترئة التي تضمّ بداخلها صورة زوجته البشوشة، لأنّه عندما طار في الهواء وتقلّب على الإسفلت عدة مرات، لم يكن يهمّه الحفاظ على سلامة دماغه أو حماية وجهه، أو أيّ عضو آخر في جسده، بقدر ما كان يهمّه أن تبقى حبيبته البنغالية هناك مستقرّة فوق قلبه. أغمض الفيلسوف مشعل عيني العاشق وقبّلهما، وجلس بجوار الجثة المدّماة يبكي دون دموع. وبعد نصف ساعة أُخلي الموقع من أيّ أثر للجريمة وكأنّها لم تكن، وأُطلق سراحُ السائق بعد تحقيق سخيف مقتضب، انصبّ حول رأيه في القحطاني الكبير، وما إذا كان يستهدف إسقاط صورته من عليائها. وأما البنغلاديشيون الضحايا فلم تستفسر الشرطة بشأنهم مطلقاً. ثمّ هبط عدد من عناصر العسة إلى الشارع، وانتهروا الفيلسوف مشعل لبقائه دون عمل، وطلبوا منه ترك المكان فوراً.
قادته قدماه إلى ميدان واسع تتوسّطه ساعة رملية ضخمة، وكان زجاجها يشفّ عن أطنان من الرمل الراكد في نصفها الأسفل بينما يخلو نصفها الأعلى من ذرّة رمل واحدة! تفكر الفيلسوف مشعل مطولاً في الطريقة التي يمكنه بها قلب المجسّم رأساً على عقب، لكي يعاود الزمن حركّته بداخلها. كان الميدان يعجّ بالعسكر وديدان الأمن، فخمّن أنّه على مقربة من قصر القحطاني الكبير. وكلّما سمع صوت طلقة نارية ارتعد بدنه لا إرادياً رغم محاولاته المستميتة إخفاء ضعفه، وراح يمشي محاذراً الاحتكاك بالعسكر الذين كانوا يتفاخرون بختان أعضائهم بواسطة المسدّسات. عرض عليه ضابط وقح النظرات يربّي سكسوكة خفيفة أن يختن لـه عضوه بطلقة واحدة بارعة، فاعتذر الفيلسوف مشعل بأدب جمّ قائلاً:
– يؤسفني ألاّ ألبّي طلبك، ذلك لأنّ بلبلي لم يعد ملكاً لي.
ضحك الضابط الوقح النظرات وأخرج مسدّسه من جرابه ووضع فوهته تحت سرّة الفيلسوف:
– ماذا تقصد؟ هل هو مرهون عند عاهرة ضاجعتها بالدين؟
قال الفيلسوف مشعل ممسداً شاربيه باعتزاز:
– كلا فالأمر ليس على هذه الدرجة من السوء، كلّ ما هنالك أنّني تبرعت بـه
لصالح العلم!
قال الضابط الوقح النظرات معيداً المسدّس إلى جرابه الجلدي وقد بدت عليه علائم الانشراح:
– والله هذا خبر طيّب، لكن هل تعتقد أنّ العلم سيتقدّم بفضل تبرّعك؟
قال الفيلسوف مشعل وقد استردّ رباطة جأشه:
– أنا متأكد من أنّ تبرّعي سيساهم في جعل مختلف الحقول العلمية تحبل بالمزيد من الاختراعات، انتظر تسعة أشهر فقط وبعدها ستسمع بأذنيك صرخات التكنولوجيا الوليدة المتحدرة من صلبي!
غشي الضحك العسكر، وتغامزوا بترك (المهرّج الجديد) يمضي على راحته.
اشتدّت وطأة الحرّ، وزاد الغبار من ظمأ الفيلسوف مشعل، فقرّ عزمه على التوجّه إلى دار الإمارة ليبثّ شكواه من سوء المعاملة التي لقيها من الأهالي للقحطاني الكبير نفسه. كان للقصر ثمانية عشر بوابة حديدية متتابعة، استغرق منه اجتيازها زهاء ساعتين من التفتيش الدقيق والاستجواب المكرّر المملّ، ثمّ مرق من حديقة جميلة مزدانة بنافورة شمّ منها رائحة المازوت، وعلى جانبيها اصطفّت نخلات باسقات، حُمر ألوانها، قليل سعفها، عقيمة لا تثمر، فتبادر إلى ذهن الفيلسوف مشعل أنها أشجار مجلوبة من عالم الكوابيس، فانتابه شيء من التوجّس والتشاؤم. وما كاد يدلف إلى صالة الانتظار المُكيفة حتى استحوذ على اهتمامه مجسم جمالي عجيب المنظر: نخلة عملاقة ذات جذع ذهبي، ويتدلى منها رطب أسود ينز زفتاً.
انتظر ثلاث ساعات ثمّ أُذن لـه بالدخول، فأصلح من هندامه ومشى متمهلاً، وفي رأسه وساوس مخيفة ضخّمها العطش. رأى القحطاني الكبير المتصدّر ديوان الحكم منشغلاً بملاعبة طفل عمره أربع جثث، فركّز بصره متفرّساً في ملامح أقوى دوديّ في مقبرة زيمة وأكثرها شهرة. بدا وجهه مربّعاً، وفكّه السفلي عريضاً قوياً، تزيّنه سكسوكة خفيفة كالهلال، وتحت شفته السفلى الممتلئة المرتخية عنفقة تبدّت كنجمة سوداء تتوسّط هلالاً مظلماً. خدّاه حليقان ومصقولان كالمرآة ولا أثر للتجاعيد فيهما. وتحت أنفه الكبير الواقف كأنه جناح طائر، استلقى فوق شفته العليا المشدودة شاربان خفيفان كانا يُظهرانه بمظهر الشاب اللاهي المُنغمس في الملذّات، وعلى العكس من ذلك كان حاجباه الكثّان الفاحما السواد كذيل الغراب يوحيان بالصبر والجلد وسعة الحيلة وعلوّ الهمّة، وأمّا عيناه فكانتا لغزاً نيئاً .. مزيجاً مريباً من الذكاء والعاطفة المشبوبة والوحشية الباردة. رقبته القصيرة اللحمية تمدّ عروقها في المنكبين العريضين، وجسده بدين مدوّر، ويعاني من كرش مترهّلة تخدش صورته الشبابية. كان يرتدي ثوباً أبيض، ومشلحاً أسود مذهّب الحواشي، ويغطي رأسه بغترة بيضاء وعقال أسود، وقد ثنى طرف الغترة الأيسر إلى جهة اليمين فظهر جانب من شعره الكثيف المتشابك المسترسل حتى شحمة أذنه.
وبرغم جفاف حلقه وثقل لسانه وتشقق شفتيه من الظمأ فقد جأر الفيلسوف مشعل بشكواه صائحاً:
– انصفني أيّها الأمير ممّن ظلمني.
التفت إليه القحطاني الكبير وحدجه بنظرة باردة تستبطن أغواره، ثمّ أنزل الطفل من حجره وحرّك رأسه متأكداً من ثابت العقال:
– هداك الله وهل ظلمك أحد من رعيّتي؟
– نعم، فإنّي وصلت إلى مقبرة زيمة بالأمس فما والله ذقت حتى قطرة ماء واحدة، وإنّي لأوشك على الهلاك من العطش.
– لو كنت استسقيتهم لسقوك.
– بلى فعلت، وطلبت من زيمية رغداء أن تسقيني فكشفت لي عن عورتها، فوليت منها فراراً بعفّتي وشرفي، ثمّ لقيت زيمياً ناهز السبعين جثة أو ينيف، وسألته أن يدلّني على مكان الماء، فأشار إلى سوأته وراودني عن نفسه، فظنّت بي الديدان ظنّ السوء، وسوّلت لهم أنفسهم الفتك بي، ولكن حسن تصرّفي أنقذني من الهلاك على أيديهم.
قال لـه القحطاني الكبير وإمارات الأسى والحزن ترتسم على وجهه الأسمر:
– مع الأسف ابتلاني الله بأحطّ وأنذل رعيّة في العالم، آخ لو تعرف كم آذوني وأتعبوني، إنّ قلبي ليكاد يتفطّر من أعمالهم الخسيسة، وإنّي لأشعر ببطني ممتلئة دوداً مما يبلغني عنهم من أخبار، وأقسم بالله وأنت لم تحلّفني بأنّ الدودة في بطني من مثل هذا.
نطق القحطاني الكبير جملته الأخيرة وقد أظهر عضوه النافر للفيلسوف مشعل المذهول من فعلته. فهم الشاكي حراجة الموقف الذي وضع نفسه فيه، فتصرّف بذكاء وطلب من أحد الغلمان ورقة بيضاء رسمية، وحين جاءه الغلام بالمطلوب، كتب على نفسه تعهّداً بأن يمتنع عن شرب الماء طيلة مدة إقامته بمقبرة زيمة. أعجب القحطاني الكبير بسرعة البديهة التي أبداها الفيلسوف مشعل، واستلم منه التعهّد بلطف غير معهود منه وختمه بخاتمه. وفي لمح البصر دخل ديوان الحكم من باب جانبي دوديّ طويل عريض متجهّم الوجه يشبه الغوريللا، يرتدي ثوباً رمادياً ويتمنطق بحزام جلدي بنيّ في أحد طرفيه مسدّس وفي الآخر سيف، وبيده كأس من النفط . اقترب الحارس من الفيلسوف مشعل وعيناه تتّقدان ناراً وناوله الكأس .. وبأصابع مرتعشة دفع الأخير الكأس إلى فمه، وعبّ الشراب الثخين الأسود على نفس واحد. لاحت ابتسامة الرضا على محيّا القحطاني الكبير الذي أعطى إشارة لا تكاد تلحظ لأتباعه، تعني السماح للفيلسوف بالإقامة في المقبرة دون أن يتعرّض لـه أحدٌ بسوء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فيلسوف الكرنتينة، رواية، دار كيكا، لندن، الطبعة الثانية، 2012 .
* روائيّ يمنيّ.

الرواية نت – خاصّ










Next Post

كم أكره القرن العشرين *

سبتمبر 30, 2017 0