مايو 23, 2019
  • مايو 23, 2019
  • Home
  • مدوّنات
  • الغرابة التي قادتني لقراءة إيكو والتأثر به
فبراير 24, 2019

الغرابة التي قادتني لقراءة إيكو والتأثر به حسين المطوّع

By 0 326 Views

أذكر تمامًا حين دخلت معرض الكتاب تائهًا سنة ٢٠١٤. لم أكن أعرف ماذا أريد من الحياة في تلك المرحلة من عمري، وبناء عليه لم أكن أعرف ماذا أقرأ. كنت برفقة الصديق محمد ماجد العتابي حين مررنا بجانب جناح “دار الكتاب الجديد” فلمحت في أقصى اليسار من الرف العلوي رواية “مقبرة براغ” لأمبرتو إيكو. لا أدري ما الذي شدني في الرواية؛ لا أعرف من هو أمبرتو إيكو، ولا أعرف ما هي براغ وأين تقع على الخريطة، ولم يكن حينها هاجس الموت والمقابر يسيطر علي بعد. لكني أخذتها وكانت الكتاب الوحيد الذي اقتنيته تلك السنة من المعرض. بعدها بأيام شرعت بقراءة الرواية، جالسًا في كافتيريا كلية الآداب حين شاهدني الصديق عبدالله الشمري وقال مندهشًا: تقرأ لإيكو!؟ قلت:نعم، ومن يكون إيكو؟ حدثني عن كم الإبداع الفلسفي في روايته “جزيرة اليوم السابق” وحدثني عن كتابه “اعترافات روائي ناشئ” وعن مدى انعجابه بفكره في تناول الشخصيات المتخيلة وعلاقتها في العالم الواقعي.

أذكر في نفس ذلك اليوم كنت على موعد مع أستاذ الفلسفة الدكتور الزواوي بغورة ـ بعد أن تجادلت معه قبل أسبوع مدعيًا أن المثيولوجيا المصرية ذكرت في بعض أساطيرها أن الماء هو أصل الكون، فطالبني بإحضار المصادر والمراجع ـ دخلت مكتبه حاملًا كتب المثيولوجيا الشرقية وتقبع فوقها رواية مقبرة براغ. فأعاد علي نفس السؤال الذي سألنيه صديقي قبل لحظات بنفس النبرة المندهشة: تقرأ لإيكو!؟ هنا – وبفضل التجربة – تصنعت الفهامية وقلت: نعم فهو واحد من أهم الروائيين المعاصرين وهو مؤلف رواية جزيرة اليوم السابق، هل قرأتها دكتور؟ قال: لا قرأت روايتيه “إسم الوردة” و “بندول فوكو” وأنوي قراءة باقي أعماله. إلى ذلك الحين لم أعرف من هو إيكو لكن عرفت أن الذي بين يدي ليس أمرًا بسيطًا.

بعد شهور من هذه المواقف، اتخذت قرارًا بأني سأركز بحوثي بعد تخرجي من الجامعة في قضايا النقد. اتجهت إلى أساتذة الأدب والنقد في الكلية أستجدي النصح والإرشاد آملًا أن يوجهني أحدهم في بداياتي في البحث أو على الأقل يرشح لي كتبًا أنطلق منها، فلم أحصل منهم على شيء يذكر باستثناء نصيحة واحدة من دكتور سليمان الشطي: عليك بقراءة كتب النقد التطبيقي. أخذت بنصيحته، أو لأكون دقيقًا أخذت بنصف نصيحته.. فلم أكن أعتقد أنه من السليم أن أعرف التطبيق دون أن أُلم بالنظرية. عموماً، بدأت رحلة التخبط وحيدًا في البحث ووجدت ضالتي أول الأمر لدى عراب الكتب في الكويت فارس المعقدين، اشتريت منه كتابين “مدخل إلى النقد الأدبي الحديث” تأليف دكتور شلتاغ عبود، و “جماليات المكان في شعر السياب” تأليف دكتور ياسين النصير. في قراءتي لكتاب دكتور شلتاغ استوقفتني المدرسة السيميائية، قررت البحث والتبحر فيها أكثر، وما لبثت أن وجدت أمبرتو إيكو يطل علي مرة أخرى في حالة تعزز فكرة القدر لدى المؤمن وتشبه الصدفة لدى غيره. وأيًا كان البعد الميتافيزيقي لهذا التكرار الملفت، أولته أنا كإشارة متكررة لا يجب تجاهلها، فدخلت لموقع “جملون” وطلبت كمية من كتب وروايات إيكو. بدأت باسم الوردة ثم تأملات في اسم الوردة فاعترافات روائي ناشئ.. إلخ. قضيت ما يقارب السنة في علاقة تلمذة خاصة مع كتب أمبرتو إيكو إلى جاء ذلك اليوم الحزين، جالسًا مع الأصدقاء علي العريان ومحمد العتابي في مقهى ديوان الطيبين أحدثهم لساعات مملة عن إيكو وأنني قررت أن أكتب فيه بحثًا أقدمه كرسالة ماجستير. كانت الساعة الثالثة فجرًا حين تركتهم، كانت الساعة السادسة فجرًا حين اتصل محمد العتابي يخبرني بأن إيكو مات، كانت الساعة السادسة والنصف حين بكيت، صارت الساعة السابعة والنصف حين أدركت أنني أبكي جزعًا على شخص لم ألتق فيه من قبل. لا أريد أن أجر الموضوع إلى نوائح درامية، لكن اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على تلك اللحظة لا زلت كلما أتذكر أمبرتو إيكو أستحضر تلك الغرابة التي قادتني لقراءته والتأثر به. وهي ليست مسألة خاصة في أمبرتو إيكو، لدي العديد من الحالات والأمثلة مع كتب كثيرة أشتريها دون سبب واضح وتركتها لشهور أو سنوات، وحين قرأتها وجدت فيها إجابات لمعضلة آنية كنت أواجهها ذلك الوقت بالتحديد، فأتساءل هل كان مقدرًا أن أقرأها في هذا الوقت بالذات؟ وفي حالات أخرى أقرأ كتابًا فأكتشف أنني ما كنت سأفهمه لو لم أقرأ قبله ذلك الكتاب صدفة، وأتساءل نفس التساؤلات: هل هناك يد خفية ترتب الأمور؟

في الحقيقة أستطيع بسهولة أن أسطر مجموعة هائلة من الحالات لتصنع ما يشبه التدخل الميتافيزيقي في القراءة. وأستطيع أيضًا بطريقة أخرى أن أسقط كل هذه الأفكار في حجة منطقية واحدة أستعيرها من كارل بوبر.
لا أعرف، وأظن أنني سأموت ولن أعرف، هي كلها إسقاطات تأويلية نرتب من خلالها الأحداث ونحبكها بطريقة تجعلها في الأخير صالحة لإنتاج معنى يعطي الحياة لمسة رومانسية. أو ربما العكس، لا أدري..

ـــــــــــــــــــ
روائي من الكويت

من صفحة الكاتب حسين المطوع على الفيسبوك