سبتمبر 23, 2019
  • سبتمبر 23, 2019
  • Home
  • هندسة الرواية
  • العالَم الروائيّ بين التَخييليّ والواقعيّ.. نبيل سليمان نموذجاً
أغسطس 23, 2019

العالَم الروائيّ بين التَخييليّ والواقعيّ.. نبيل سليمان نموذجاً  زياد الأحمد

By 0 333 Views

الروايةُ منجزٌ إبداعي ثلاثيّ العَوالَم، واقعيّ وتخييليّ وروائيّ، وهي عوالم متداخلة متكاملة، تتعايش مع بعضها البعض بين دُفتي الرواية، ولا يُفصَل بينها إلا نظرياً.

العالم الواقعي:

هو ما استند إليه الكاتب، ونهل منه مادته الخام قبل أن يدخلها إلى معمله الإبداعي، وهو عالم مادي محسوس، له وجودُه، وموجوداته الخاضعة لسنن الطبيعة غير القابلة للاختراق، وله علاقاته، وإشكالياته، وأنظمته، وقوانينُه الخاصةُ به التي يُمكن التحكّمُ فيها أو تغييرها.

العالم التخييلي: وهو العالم الورقي الذي يبدع الكاتبُ وجودَه وموجوداتِه، محاكاةً للوجود السابق، لكنه يزيد عليه في إمكانيّة التحكّم في حَتميّة قوانينه التي تَشلّ موجوداتِه، كالتحكم بقيود محدودية قدرة الجسد، والعقل وعلمه، واختراق الغيب وحجبه، وحتمية الموت، وخَطيّة سيرورة الزمن وما شابه، وهذا العالم وجوده المادي محدود بين دُفتي الرواية، ولا وجود له خارجهما.

العالم الروائي: وهو العالم الثالث المنبثق عن العالَمين السابقين، والممتد نظرياً -وليس مادياً- بَعدَهما، ولا وجودَ له خارج ذهن المتلقي، ويمكن أن نسميَه روح الرواية، فعلى الرغم من كونه غيرَ محسوسٍ لكنه يمنح الرواية وجودها الحقيقي؛ فهو الذي يمنحها عالمها، ويحدد عمرها، وقد يمنحها خلودها، وبحكم أنه عالمٌ غيرُ محسوس قد تختلف ملامحُه ويتبدل وعيه، وفهمه من قارئ إلى آخر، تبعاً لزاوية تلقّيه. فالعالم الروائي في “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر رأى فيه البعض عالماً من أجمل عوالم الرواية العربية المأمولة، بينما رأى غيرهم فيه عالماً من الكفر والانحلال يدعو إلى الشجب، والاستنكار، والتظاهر ضدّه، وكذلك رواية “مدائن الأرجوان” لنبيل سليمان  رأى بعضهم أنها فضحٌ لجرائم الإخوان المسلمين المرتكبة ضد المواطنين الآمنين وأصحاب الفكر، والقلم، وهذا يتوافق مع ما رَوّجته حملةُ النظام السوري التي قامت بقمعها آنذاك، بينما رأى آخرون أن العمل يصوّر عالماً روائياً يفضح ذلك النظام، وممارساته الأمنية القمعية التي أوصلت البلاد إلى ما نعيشه اليوم من خراب، وذلك من خلال رصد مسارات عدد من الشخصيات الروائية التي وقعت بين مطرقة النظام وسندان «الإخوان» من دون أن يعني ذلك المساواة بين الاثنين في المسؤولية. فالروايةُ ترفض التطرّف والعنف الصادرين عن بعض الجهات المعارضة، وتتّخذُ موقفاً واضحاً من ممارسات النظام القمعية، وأساليبه في إخضاع الناس وإسكاتهم.

وليس من الضرورة أن يكون العالم الثالث “الروائي” عالماً حلمياً مرجواً، أو مأمولاً يحلّ مَحلّ الواقعي، فقد يكون كشفاَ لماهيته ورصداً لخفاياه، أو تحذيراً من سيرورته وتداعياته، أو حلاً لإشكالياته وغير ذلك…

وتتفاوت أهمية الروائيين تبعاً لقدراتهم على الانتقال من الواقعي إلى التخييلي، وهو أمر يمكن تعلّمه بامتلاك أدوات الكتابة الإبداعية؛ والتي أصبح لها ورشاتُ عمل لتلقينها ولكن عظمة الكتاب -كما أرى- تكمن في مقدرتهم على الوصول إلى العالم الثالث وهو العالم الروائي وتقديمه كعالم حقيقي مقنع على الرغم من عدم وجوده.

وقد يرى بعض النقاد أن العالم التخييلي هو العالم الروائي ذاته، والحقيقة لو كان كذلك لما اختلف قارئان في فهمهما وتصورهما له. لأن العالم التخييلي هو العالم المقيّد بنسخة الكتابة، عالم من كلمات ثابتة، حبيس بين دفتي الرواية، وهي نسخة واحدة لا تختلف كلماتها باختلاف الأعين التي تمر عليها، ولكن الذي يختلف هو تلقيها وتصور معانيها، ودلالاتها، ومرامي صورها، ومشاهدها وهذا التلقي هو ما يشكل العالم الثالث “الروائي” والذي لا مكان له إلا ذهن المتلقي، ولذلك قد يختلف من متلق إلى آخر.

الكتابة الإبداعية والتفكير الإبداعي:

يروي كولن ويلسون في كتابه “فن الرواية”[1] أنه كُلِّف بتدريس منهجٍ عن الكتابة الإبداعية في جامعة روتجرز بكامدن في نيوجرسي، ويشبه عمله هذا بمن يضع سماداً في حديقة ملأى بالأعشاب الضارة، مّذكراً بقول فوكنر حين سُئل رأيه في جيل نورمان ميلر فقال: إنهم يكتبون كتابة جيدة، ولكن ليس لديهم ما يقولونه، وهذا يذكرنا بميلان كونديرا الذي يرى أن الرواية التي لا تضيف جديداً إلى الحياة هي عمل غير أخلاقي.

ولتقديم هذا الجديد كما يرى كولن ويلسون لا يكفي أن يكون لدى الكاتب ما يقوله بل عليه أن يدرك ماهيتة، ولا يكفيه تعلم الكتابة الإبداعية بل عليه أن يمارس التفكير الإبداعي.

ويمكننا القول إن وعي الكتاب للعالم الواقعي الذي يعيشونه وإدراكهم لماهيته يجعلهم يمتلكون ما سيقولونه، والكتابة الإبداعية هي الأداة التي تمكنهم من تحويل الواقعي إلى التخييلي، وحين تترافق عملية التحويل تلك بمهارات التفكير الإبداعي يتكوّن ذلك العالم الثالث الذي سميناه “العالم الروائي” الذي لا شك أنه سيضيف جديداً إلى الحياة، ولن يكون نسخة فوتوغرافية عن الأصل.

ويمكن لنا أن نتخذ من تجربة نبيل سليمان أنموذجاً لإيضاح المفاهيم السابقة؛ كونَه صاحب تجربة نقديّة وروائيّة وصلت إلى 53 كتاباً منها اثنتان وعشرون رواية أخرها “تاريخ العيون المطفأة” 2019.  وقد سيطر على تلك التجربة هاجس يتجلّى في سؤالين؛ الأول سؤال الواقع وارتباطه بتاريخيته وقراءة مآلاته وتحولاته اجتماعياً وسياسياً، والسؤال الثاني يُعنى بالسردي والفني؛ أي بأدوات تحويل الواقعي إلى تخييلي فكانت السمة الغالبة على جميع أعماله بعد رباعيته الأولى “مدارات الشرق” هي البحث والتجريب في اللغة السردية، وخاصة مع رواية “أطياف العرش” التي جاءت “كمحاولة للخروج من أسر “مدارات الشرق” على حد قوله في أحد لقاءاته. فهو دائب البحث عن كيفية تقديم نص جديد مختلف، كما يرى أنّ تطور الفن بشكل عام يكمن في المغامرة.

وقد حاول سليمان في رواياته الأربع الأخيرة تقديم عالم روائي موازٍ للواقعي الذي زلزله ما سُمِّيَ بثورات الربيع العربي؛ وهي مدائن الأرجوان 2013 وجداريات الشام “نمنوما” 2014 وليل العالم 2016 وأخيراً تاريخ العيون المطفأة 2019

وهذه الأعمال جميعُها تُحوّم حول رؤيا بؤرتها أنّ الواقع المأساوي الذي وصلت إليه سورية بعد ثورتها ليس إلا امتدادا ونتيجة حتمية لاستبداد النظام الدكتاتوري الذي أجهض هذا الواقع من أي حلم أو خلاص؛ بل وأدخله في عالم ليل سرمدي وحالة من العماء

وفي مقابلة مع الروائي[2] يصرح بأن هذا المشروع الروائي هو محاولة للإجابة عن سؤال ماذا جرى ولماذا؟ فيقول:

هذا السؤال الذي دوّنته في روايتي “جداريات الشام.. نمنوما” هو ما بات عنواناً رئيساً ربما لمشروعي الروائي، وكنت قد حاولت أن أتلمسه في رواية “مدائن الأرجوان” 2013، في العودة إلى ما تفجر في سوريا نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي. ربما كانت هذه الرواية تمهيداً لتاليتها التي حاولت أن تكتب سوريا 2011، أي سوريا المظاهرات السلمية الأسطورية، وما واجهتها به السلطة من عنف وقمع، وكذلك بداية العسكرة المعارضة.

مدائن الأرجوان:

وهي الرواية التي صدرت 2013 أي بعد عامين من الثورة، لكنّه ليشرح ما جرى يعود ثلاثين عاماً إلى الوراء؛ ليستعيد واقعاً حقيقيا له زمانه ومكانه، وأحداثه وأسماؤه المعروفة، فينطلق من اللاذقية، أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، ومقتل الشيخ يوسف صارم إمام جامع جعفر الصادق عام 1979، ومقتل طبيب الأمراض العصبية في اللاذقية عبد الرحمن هلال 1981. ولكنه لكي يحوله إلى عالم روائي يخترق هذا التحديد الدقيق لواقعية المكان والزمان إلى فضاء زماني أوسع، فيهدم خطيّة الزمن ويتجول في التاريخ القديم والحديث لسورية،  “وتتحوّل الأمكنة من شكل إلى آخر ومن جغرافيا إلى أخرى، وتنهمر المدن السورية بكل تاريخها وعمرانها وثقافاتها وعاداتها وإرثها ونكباتها وجروحها متدافعة، من اللاذقية إلى حماة فحلب فدمشق… سورية كلها كانت مشروخة ومجروحة، وهي تصرخ اليوم ودماء أبنائها تسفح على الإسفلت بدلاً من الأرجوان الذي كانت أوغاريت تصدّره إلى الأمصار في سفن الحضارة الإنسانية.” وبذلك نجد أنفسنا في عالم روائي مختلف عن نسخته الأصلية حيث تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات.

جداريات الشام:

ومعها نتابع بشكل غير مباشر الواقعي الذي في سابقتها، وكأنها تقول: إن ما حدث في الثمانينيات لم يمت كما تخيل النظام الذي استمر في قبضته الأمنية التي خنقت البلاد والعباد الذين انفجروا من جديد.

وقد نجحت الرواية في رصد الحياة الاجتماعية، والتفاصيل الدقيقة لذلك الحراك السلمي في شهوره الأولى من عام 2011 وكأنها ارادت أن توثق كل ما جاء فيه من شعارات وأغان وأهازيج، وتعارُضِ أفكارٍ، واختلافات في وجهات النظر، وما تبعها من انقسامات حتى في الأسرة الواحدة.

“وربط الكاتب الثورة السورية بالثورات العربية الأخرى: “هرمنا” التونسية التي دفعت بزين العابدين بن علي إلى القول: أي نعم فهمتكم. وربطها بمعركة الجمل في القاهرة وسقوط حسني مبارك، وبمعمّر القذافي الذي توعّد “يا جرذان والله سأصفيكم واحداً واحداً”، فيضيف الكاتب “جراثيم سوريا تحيّي جرذان ليبيا”.

ليل العالم:

وتأتي رواية ليل العالم بعد جداريات الشام “نمنوما” وفيها يُقرّبُ سليمان عدساتِه المُصوّرة التي ابتعد بها في العملين السابقين لتشمل سورية كلّها، يقترب هنا ليكبر التفاصيل من خلال بقعة من سورية؛ وهي الرقة وليجعل منها نموذجاً لما آلت إليه الثورة التي قام النظام والمعارضة بحرفها عن مسارها؛ محاولةً لإجهاضها والقضاء عليها.

فيرصد تحول الثورة من السلمية إلى التسليح، ثم إلى الطائفية والأسلمة، ويركز عدسته على المظاهرات السلميّة في الرقة، والوحدة الوطنية بين كافة الطوائف التي قامت بها، ثم دخول الجيش الحر، ومن بعده سيطرة داعش عليه، وعلى محافظة الرقة لإنشاء إمارة إسلامية، وممارساتها الإرهابية الفظيعة التي دفعت بالبعض إلى الترحم على إيام النظام.

ومن خلال كل هذا الواقعي الذي كاد يقترب بالرواية من الوثائقية، الإيهام  بحضور شخصيات حقيقية كالأب “باولو دالوليو” وكذلك هو حضور “أبو لقمان” و”أبو علي الأنباري” من قادة داعش في الرقة، وعلى الرغم من هذا قدم عالماً روائياً بطريقة مختلفة عن نمط الحكاية التقليدي التي يسيرها زمن خطي حتمي، فقد اعتمد الكاتب هنا على الحركة، حركة الحدث والشخصيات ليقدم عالما يشف عن موقف نقدي من كل الأطراف التي جنحت بالثورة عن مسارها، وفي إجابة عن سؤال ما إذا كانت الرواية توثيقية تسجيلية يوضح سليمان ما قدمه للوصول إلى عالم روائي من خلال الواقعي:

“لقد رسمَتْ هذه الرواية أحداثاً كبرى وصغرى، مما عاشته الرقة بخاصة منذ سنة 2011 حتى 2015، ولكن الرسم غير التسجيل، وغير التوثيق. الرسم غير الحَرْفية التي يناديها التسجيل أو التوثيق. لكن الرسم الروائي، كما الرسم غير الروائي، وكما هو الفن بعامة، يستفيد من التسجيل ومن التوثيق، يتمثلهما ويعيد إبداعهما، وهنا يأتي الفرق بين رواية تستطيع، لا أن توهمك فقط، بل أن تقنعك تماماً بأنها سجلّ عن الواقع، و/أو بأنها قائمة على الوثيقة الفلانية أو العلانية، وقد تعود إلى الوثيقة وتجد منها ما تجد في الرواية، ولكن حين تعود إلى الرواية ستجد أن الوثيقة قد تخلّقت في إهاب جديد، في خلق آخر.[3]

 

تاريخ العيون المطفأة:

ولعل هذه الرواية لم تضف جديداً في وصف الواقعي على سابقاتها لكنها تتميز ببناء عالم تخييلي جديد.

فمن رصد الواقعي التاريخي ستتكرر فيها وعلى نطاق أوسع مظاهر الحراك الشعبي ومواجهته بالقمع ومكاتب الأمن والتحقيق والتعذيب والفساد والرشاوى وتفكك بنية المجتمع حتى على صعيد الاسرة الواحدة التي نجد فيها رجل الأمن الذي يصل به الإجرام إلى فقء عيون المعارضين للنظام بينما أخوه معارض تتقاذفه مكاتب التحقيق في مراكز الامن والأخ الثالث مارق على القانون الدولي ويعمل في التهريب، وأكثر من هذا سنجد انقسام الفرد وتشظية لأكثر من شخصية متناقضة كشخصية مولود فهو معارض ولكن يفرض عليه أن يكون عميلاً لرجل الأمن ، وهو امين وخائن، عاشق ومضح بنفسه في سبيل من يحب وسارق لأمواله في الوقت ذاته.

وأما الجديد في الرواية فيكمن وراء ابتعاد سليمان بعدسة تصويره ليشمل العالم العربي الذي يضج بحراك الحرية.

ورغم ذلك الابتعاد رسم عالماً تخييلياً روائياً بحرفية دقيقة تصل إلى حد التركيز على الكلمة، ودلالتها، وخاصة في العتبات النصية الأولى، وعناوين الفصول الروائية وأسماء الأماكن والشخصيات، ومن ذلك استبداله بكلمة “مقدمة” و”متون” كلمة “كالمقدمات” وكالمتون وقد فعل هذا في “ليل العالم” من قبل، ليحمّل كاف التشبيه الشك والقلق الذي ينتابه أمام فهم ما يحدث؛ أهو مُقدّمة؟ أم شيءٌ كالمقدمة؟ والمتن أهو متن حقيقي أم أنه يشبه المتن؟

والحقيقة إن هذه الكاف هي التي تشير إلى “العالم الروائي” الذي قصدناه في بداية هذه الدراسة فهي تحيلنا إلى عالم يشبه العالم الواقعي ولكنه ليس هو.

حتى كلمة فصل أو قسم استبدلها بها كلمة “عين” فكان المتن مؤلفاً من 48 عيناً وليس قسماً أو فصلاً لتتناغم مع العنوان الرئيس، أما الخاتمة التي سماها كالخواتيم فكانت سطوراً فارغة؛ دلالةً على غياب الرؤى في غمرة ذاك العماء الذي خلقته الأنظمة وانعكس على واقع الثورات ومآلاتها، حيث طمس عجيجُها أيّةَ رؤية للخلاص، وتركها على قارعة كل الاحتمالات.

كما أنه يبدع عالماً لا وجود له من ثلاث دول متعادية الحكومات، ولغتها واحدة في الجامعات وهي (كمبا وبر شمس وقمّورين) فكمبا قريبة من موريتانيا في أقصى المغرب، والكمب كلمة أجنبية تعني المعسكر ولها دلالتها على الحجز والتقييد، وبر شمس تستطيع أن ترى من شواطئها جزيرة قبرص، ولا تخفى دلالة كلمة “شمس” التي ترادفها في اللغة الهندية القديمة كلمة “سوريا” وكذلك يمكن ربط قمورين بالأموريين أو العموريين وهي مجموعة سامية اللغة هاجرت إلى بلاد الشام والرافدين في نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد، ويلمّح إلى هذا عودة أصول بعض مواطنيها كنجم الدين الصمدي إلى اليمن، وانقطاع الروابط مع تلك الأصول….. وهذا العالم المتخيل ولغاية إقناعيّة محاط بدول عربية وبأسمائها الحقيقية موريتانيا اليمن مصر ..

وهذه الدول المتخيلة يجمع بين أبنائها لغة واحدة، وروابط قرابة ونسب، وتسامح ديني ومشاعر عاطفية قومية جعلتها تهب للتطوع في جيش الإنقاذ سنة 1948، إضافة إلى جيل متمرد خرج إلى الساحات مطالبا بالحرية.

كما أن هناك روابطً توحد بين حكوماتها وأولها العداوة فيما بينها واعتماد نظام موحد للقمع والاستبداد والقبضة الأمنية، والتّسابق في منجزات طرق التحقيق والتعذيب وأنواع السجون إضافة إلى فنون الكذب والخداع والشعارات الوهمية العابرة للزمان والمكان.

ويعمّ الدول الثلاثة وما يحيط بها بلاء واحد هو العمى شعوباً وحكومات، والذي اعتمده الروائي مرتكزا لعنوان الرواية الرئيس، ودون أن يذكره بلفظه.

وبتفكيك هذا العنوان نرى أنه يصلح أن يكون عنواناً رئيساً للروايات الأربع السابقة، فجميعها تحفر في تاريخ المنطقة (سوريا وما حولها من بلدان عربية) وهو تاريخ قمعي حكمه طغاة ودكتاتوريون ومستبدون، أدخلوا شعوبهم في متاهات الجهل والضياع وطمسوا كل درب أمامهم وخلفهم، مما جعلهم جديرين بأن يُكَنَّوا بأهل “العيون المطفأة”.

وهو عنوان يكتظ بالمعاني من خلال تركيبه النحوي والبلاغي الذي اعتمد الإضافة والنعت والاستعارة، وهو ما أكسبه إشعاعاً شعرياً يبوح بدلالات كثيرة. فالعيون وهي نافذة الضوء الذي يتسرب إلى الأعماق يمنحها الوصف بالانطفاء صفة الضوء؛ بمعنى أن تلك الشعوب كانت ضوءاً وقد شعّ نوره على العالم يوماً وهو ما أشار إليه في مدائن الارجوان، من خلال أوغاريت وحضارتها والرقة وتاريخها، ولكن جاء من يطفئ هذا الضوء ويرخي سواد “ليل العالم”، ولا يخفى ما يبوح به استخدام صيغة اسم المفعول “مُطفأة” من القمع والاستبداد، إضافة أنه مشتق من فعل مبني للمجهول “أُطفِئ” وكأن من قام بفعل إطفائه لايزال مجهولاً او غيرَ واضح المعالم.

ومنه فتركيب “العيون المطفأة” يسم تلك الشعوب بسمتين متضادتين، تاريخية مشرقة مبصرة، وراهنة عمياء مظلمة واستدعت السمتان كلمة “تاريخ” لتضاف إلى العنوان وذلك لرصد مرحلتيهما. ولهذا رأينا أن “تاريخ العيون المطفأة” يصلح أن يكون العتبة النصية الأولى للروايات الأربع لما يكمن فيه من دلالة تومئ بمضمونات تلك النصوص وتهيئ القارئ لدخولها.

ومن كل ما سبق يمكننا القول أنّ سليمان استطاع أن يقدم ما قصدناه بـ “العالم الروائي” من خلال رواياته التي رسمت عوالم تخييلية، أرادها موازية لعالم الربيع العربي، تميزت بالحياديّة والموضوعيّة، وخاصّةً من الحراك السوري الذي هو معني به، فقد عبّرت تلك العوالم عن مختلف الشرائح، والمواقف السياسية للنظام والمعارضة، والرماديين والصامتين، ورغم هذا أزعجت تلك العوالم السلطات الحاكمة، وقامت بمنعها. وللكاتب حكايته الطويلة مع الرقيب والمنع بدءاً من روايته “السجن” في طبعتها الأولى عام 1972، وكذلك كان الأمر مع رواية “جرماتي” التي منعها الرقيب في عام 1978، ثمّ مُنعت روايته “جداريات الشام – نمنوما” في عام 2014، قبل أن تُمنع روايته “ليل العالم” عام 2016.

ونستطيع أن نقرأ في هذا المَنْع لروايات سليمان، وغيرِه شهادةً على النجاح في الوصول إلى ما سميناه العالم الثالث للرواية؛ فهذا المنع في حقيقته ليس منعاً لأوراق بين دُفتي كتاب بل هو منع لعالم روائي رآه الكاتب دون غيره، وخلقه على أنقاض العالم الذي تحكمه السلطة التي قامت بالمنع، وهو عالم مخشي بالنسبة لها، وحين أقول هذا المنع هو دليل نجاح فهذا يعني أن الروائي فطن للمسكوت عنه في التاريخ الرسمي الذي تدونه السلطة الحاكمة وقام بنبشه، وإظهار التفاصيل اللامرئية فيه، وكشفها لعامة الناس،  ولو كانت الرواية تصور العالم المرئي الواقعي فقط لما خشيتها السلطات، لأنها ستكون قد رصدت عالماً خارجياً رسماً سطحياً ظاهرياً يعرفه ويعيشه الجميع.

فما أحوجنا اليومَ إلى الكثير الكثير من الروايات الممنوعة لرسم معالم الربيع العربي الممنوع وقد طال شتاؤه!.

 

 

****************

  • زياد الأحمد: أديب وناقد سوري من أعماله الكرسي الدوار (قصص) أسرار زوجية (قصص) رواية الحرب (دراسة نقدية) أزمة الهوية والاغتراب في شعر ياسر الأطرش (دراسة نقدية) درر الأوابد في الأدب والقواعد.

 

 

[1] كولن ويلسون- فن الرواية –ت محمد درويش – الدار العربية للعلوم ناشرون – ط1 2008 ص 9

[2] حوار محمد الحمامصي مع نبيل سليمان  – موقع العرب 10/ 6/ 2015

[3] موقع العين الإخبارية الخميس 31 /1/ 2019