الرئيسية / قراءات / الصراع المأساوي في الشرق الأوسط من خلال “أساطير رجل الثلاثاء” لصبحي موسى نديم الوزة

الصراع المأساوي في الشرق الأوسط من خلال “أساطير رجل الثلاثاء” لصبحي موسى نديم الوزة

ما الذي يدفع شاباً ثريّاً كأسامة بن لادن إلى التخلي عن حياة السلام والهناء واللهو في أوربا وأمريكا وأينما أراد، ليعيش حياة الجهاد والشقاء والالتزام في صحارى أفغانستان وجبالها الوعرة و القاسية؟




هذا السؤال راودني كثيراً لسنوات خلت ولاسيما بعد خبر مقتله. وربما كنت قد تناسيته ضمن انشغالاتي الحالية بالتفكير المتوجّس من هذه الجماعات الدينية التي وصلت إلى مقربة مني، و تهدّد وجودي الشخصي طالما لا أتبنّى رؤاها عن الحكم وكيفيته.
وأن تصل رواية “أساطير رجل الثلاثاء” للمبدع صبحي موسى إليَّ مؤخراً وبعد سنتين من صدورها عام 2013 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، ربما لا يفقدها راهنيتها وضرورة الكتابة عنها الآن ليس لأنها تجيب عن سؤالي السابق و حسب- و إن كان جوابها رائعاً بحدّ ذاته- وإنما لأنها تجيب عن أسئلة كثيرة مشابهة تحتاج إلى مصادر ومراجع كثيرة للتأكّد منها، مثل كيفية إنشاء تنظيم القاعدة وثمّ طالبان وما هو الدور الخفي للولايات المتحدة والدور الأكثر وضوحاً للمملكة العربية السعودية ولاحقاً دور إيران في ذلك!. و من ثمّ كيف تمّ انقلاب القاعدة وطالبان على الولايات المتحدة وحلفائها لتعملا لصالح روسيا والصين وإيران من خلال أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الذائعة الصيت، وذلك رغبة من هذه الدول الثلاث الأخيرة بالثأر لنفسها من الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تدمير غواصة نووية للروس واكتشاف طائرة أمريكية تتجسس على الصين. و هذا يعني بطبيعة الحال أنّ الدول الخمس المذكورة إضافةً إلى حلفائها جميعاً قد لا تكون معنية بمحاربة الإرهاب طالما لا يتعارض مع مصالحها؟ غير أنّ عمل الدول تحاكمه القوانين والمعاهدات والصفقات الدولية، ولا يخضع لمحاكمات وتأويلات روائية.




وربما لم يكن صبحي موسى راغباً بالتورط بهذه المحاكمة، أو إتاحتها تأويلياً، لو لم تكن سبيله الواسع لكشف الغطاء عن الوعي الجهادي ولاعقلانيته من خلال اعتماد هذا الوعي على الفكر البياني (الأسطوري) وابتعاده عن الفهم العلمي (البرهاني) لكيفية بناء الدول واستمرارها. هذا الإيضاح للأسطوري من خلال مقارنته بالعلمي- والذي فهمته بوضوح من خلال قراءتي لإحدى مقالات الباحث السوري فراس السواح – هو ما يمنح عنوان هذه الرواية جدواه المعرفية. ليس لأنّ الوعي الأسطوري يعتمد على اللغة والرغبة الواهمة وحدهما، وإنما لأنّ هذا الوعي، ومهما تسلّح بأدوات حديثة، سوف يخسر ويهزم في النهاية أمام برهان الواقع وحقائقه الموضوعية. وربما يكون هذا المستوى من الصراع الدرامي، المأساوي بطبيعة الحال، هو سر الإبداع في هذه الرواية التي تبدي سرداً متعاطفاً مع هؤلاء المجاهدين لتسرد زيف مشروعهم –بالمعنى الحضاري والتاريخي- في الوقت نفسه.
وطالما أنني قرأت مقاربات بنيوية ممتازة لتعدّد مستويات السرد في هذه الرواية من خلال أزمنتها وشخوصها وبعض التأويلات النافذة، وهي لأهميتها تحتاج إلى شروحات أكثر لتفي “أساطير رجل الثلاثاء” حقها باعتبارها رواية أساسية في إبداع ما بعد الحداثية التحرّري – و لاسيما تحرّرها من أشكال ما بعد الحداثة الزائفة “؟” (سؤال موجه إلى المشتغلين على ما بعد الحداثة).- يمكن أن أنتقل إلى مقاربة ربما تكون ذات جدوى في فهم منطق ما بعد الحداثة القائم على السلم والمعرفة والحوار بعيداً عن التشظّي والحرب والدمار. لكن للأسف هذا المنطق سيتكفّل به الروائي وليس الراوي للأسباب الموضوعية الفائتة.




لإيضاح ما أقصده بالمنطق الحواري يمكن أن أستعيد فهمي لعمل سعد الله ونوس حول مشروعه الحواري بين الخشبة والصالة، وأذكر أنني أوضحت في كتابي ” الوعي وبناؤه في مسرحيات سعد الله ونوس” إمكانية هذا الحوار من خلال جميع النصوص الأدبية، وربما لأول مرّة أقرأ روائياً عربياً يستطيع أن يؤكّد فكرتي حول ذلك. ما أودّ قوله إنّ السرد العاطفي أو المنحاز للراوي إنما يسوغّه الثيموس التمردّي المناصر للعدل لدى عائلة أسامة بن لادن من جهة أبيه لولا أنّ الروائي يخضع هذا السرد لحوار موضوعي مع السرد البراغماتي لأقرباء العائلة و أصدقائها من جهة أمّه ، لكن تبنّي كلا السردين للسرد الديني الإسلامي حول الحكم أعاق تطوّر الحوار و أفشل إمكانياته المتعدّدة للتغيير والإصلاح في المجتمعات العربية. لتنتقل الرواية إلى مستوى آخر من الحوار يقوم بين الرواية (الخشبة) والقارئ (الصالة) بهذا المعنى تطرح الرواية عدّة أسئلة على قارئها يكتشف من خلالها أنّ الحكام المسلمين لم يخضعوا لضرورة الإسلام إلا لأنه ضرورة للملك، وكان كلما برز الفراق لديهم بين الإسلام والملك كانت الأولية دائماً لصالح الملك على حساب الإسلام والمسلمين. و هذا لم يمنع من اتساع جغرافيا الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام، بل ربما كانت أولية الملك على الإسلام التي أخذ بها الملوك العرب منذ الدولة الأموية هي من وراء توسع الملك والإسلام معاً. لكنّ القاعدة وطالبان لم يستوعبا هذا الفهم القديم للحكام المسلمين – وقد سرده الراوي و شخصياته مراراً!؟- بل أرادتا أن يكون الجهاد مطلقاً ومستمراً إلى ما لا نهاية حتى أثناء سيطرتهما على كابول ومعظم المدن الأفغانية الكبرى. هذا الجهل المطلق بمنطق التاريخ وكيفية تحولاته -على الأقل من خلال ابن خلدون – هو ما جعل الإسلام السياسي خاضعاً لأمزجة الدول الكبرى ومصالحها. ليس لأنّ حماية الإسلام و التبشير به غير ممكنة إلا من خلال المسلمين و قوتهم الحضارية في كافة مجالات الحياة – الشيء الذي اشتغلت عليه المسيحية من خلال الاستعمار الأوربي والذي تشتغل عليه اليهودية من خلال إسرائيل- وإنما لأنّ الوعي الإسلامي غير حامل لمفهوم الدولة الحديثة، وهذا المفهوم لا يحتمل التأويل فيه اقتتالاً بقدر ما يدفع للحوار وابتكار المعرفة المتجدّدة. بمعنى أنّ الملك المتضمّن للإسلام قد يحتاج من أجل إدارته إلى أدوات ليس من الضروري أن تكون إسلامية، وهذه الأدوات قد لا تكون سوى أنظمة وأسلحة الكترونية وتكنولوجية بفهم الجهاد الإسلامي الأصولي، ولكن بفهم العقل الإسلامي الجديد قد لا تكون سوى أنظمة سياسية، مدنية، وديمقراطية وما الذي يمنع أن تكون علمانية طالما أنها تضمن حرية الفكر والاعتقاد والطقوس لكافة مواطنيها وعلى قدر المساواة؟ وهذا لا يجمع المسلمين بكافة طوائفهم ومذاهبهم والمسحيين والملحدين على العدل والقانون، وإنما قد يعيد للجهاد مفهومه الأساسي أو الأكبر وأقصد به جهاد العلم و المعرفة. لولا أنّ سؤال أسامة بن لادن برواية صبحي موسى “هل نحن مازلنا أحياء، أم أنني أهذي في يوم الحساب؟”. يبدو حتى الآن أكثر واقعية لسؤال الوعي العربي السائد بانتظار جهاده المعرفي لنتمكن من محاورته!.
19 \ 12 \ 2015
مجلة ألف




شاهد أيضاً

“بوركيني” لمايا الحاج.. عن الرمز العار في كلية الفنون محمد حمدان

مايا الحاج هي كاتبة وناقدة لبنانية تكتب بشكل دوري في صحيفة الحياة اللبنانية. وهذه هي …