الرئيسية / آراء ومدونات / الشخصية الروائية.. خيالية ولا علاقة لها بالواقع مهما حاولت التشبه به خلود الفلاح

الشخصية الروائية.. خيالية ولا علاقة لها بالواقع مهما حاولت التشبه به خلود الفلاح

كيف يصنع الكاتب شخصياته السردية؟ كيف يمنحها بعدها الحكائي؟ هذه الشخصية السردية هل صنعها الخيال فقط؟ كيفية التعامل مع الشخصية التي تعلن عن حضورها بشكل مفاجيء؟
هذه الشخصيات قد يعتقد القارئ أنها تأتي على مهل ولكنها تربك الروائي ويمكنها أن تسبب في فشل العمل إذا لم يتمكن الروائي من تحريك شخصياته وإدارة الحوار بينها.
في هذا الاستطلاع لم يتفق الضيوف على هوية شخصياتهم من الخيال فقط ام متشبعة بجزء من الواقع. تاركين للقارئ مهمة تخمين من هذه الشخصية.

مناورة الشخصية

رفضت القاصة والروائية السورية سوزان خواتمي أن تكون شخصياتها محض خيال، كما أنها ليست الواقع بحذافيره، وتضيف: “إنها خلطة سحرية يتقنها الروائي وفق تصوراته التي يستقيها ممن حوله، ومن مخياله الخاص. فصنعة الكاتب هي المزج بين العشرات لخلق شخصية يحركها ضمن العمل السردي، لذلك أجد من السطحية أن يُقرأ العمل ضمن إسقاطات معينة لربط الأبطال بحياة الكاتب الشخصية، أو لتكهن العلاقة بين شخص الروائي وأحداث روايته”.
وتابعت: يكون خلق الشخصيات – لنقل الرئيسية منها – كتقشير البصلة: السطح للشكل، والمحيط في مجموعة علاقاتها، والطبقة المتوسطة لحركتها وتصرفاتها، والطبقة المركزية لأبعادها النفسية. بطبيعة الحال فإن البصلة الجيدة هي المتماسكة، بحيث لا تفلت من الكاتب أياً من مركباتها، وبالتالي توظيفها ضمن سياقها، بل ويعتبر العديد من النقاد أن الشخصيات هي المكنة الفاعلة لتدفق الأحداث، وبالتالي فهم يرون بأن الرواية هي فن الشخصية. بالنسبة لنا كقراء نحن نلاحق الشخصيات القادرة على إقناعنا بالمضمون السردي، فنتعلق بها ونصادقها ونصدقها، بل وفي كثير من الحالات تبقى ضمن وجداننا، فلا ننساها حتى لو فقدنا قدرتنا على تذكر الرواية في حد ذاتها، على سبيل المثال: أحدب نوتردام، فأنا لا أتذكر سياق الأحداث، ولكني لا أنسى كوازيمودو المهمش. آنا كارنينا الشخصية العصية على النسيان. كاترينا الحلوة عند حنا مينة. سي السيد في ثلاثية نجيب محفوظ.
تقول خواتمي: أثناء الكتابة – وأتحدث هنا من واقع تجربتي الخاصة- يتنامى الحدث، ومع تناميه غير المحسوب، تظهر شخصيات ثانوية طارئة على الرسم المبدئي للعمل، تستطيع فرض نفسها. البعد الدرامي يجعلها تنافس الشخصيات الأساسية، وهنا لا أستطيع سوى أن أهيء لها الحيز المناسب وأعمل عليها كبصلة متماسكة. يحدث العكس أيضاً حين تتهمش إحدى الشخصيات الأساسية وتتضاءل مساحتها، وهناك شخصيات أقوم بحذفها نهائياً من مسودة العمل باعتبارها فائض عن التكتيك السردي، ما يجعلني ككاتبة أعيد حساباتي أثناء مراجعتي للمسودات الأولى والثانية.
واعتبرت خواتمي أن روايتها التي تعمل عليها مؤخرا _ربما لأني عملت عليها لفترة أطول مما يجب_، سيطرت عليها شخصياتها إلى درجة أنها تحلم بها. لهذا تعتبرعلاقة الشخوص بالروائي علاقة تماهي واستحواذ في الدرجة الأولى. وأحياناً ولاعتبارات أنانية أو نفسية، يقع الكاتب في مطب التعلق بإحدى الشخصيات وتكرارها دون أن ينتبه، أو إرغامها على التصرف بما يتنافى مع طبيعة تحولاتها.
وبحسب خواتمي، الكتابة عمل شاق، يلزمك وقت لتضيف ثم تحذف ثم تعيد ثم تتردد ثم تراجع جميع شخوصك، ومسودات كتابك، إلى درجة أنك لا تستطيع الرضا عنه تماماً، ولا إنهائه بسهولة.

أشارت الروائية الليبية عائشة إبراهيم أن تجربتها في رواية “قصيل”، التي تحققت فيها واقعية الزمان والمكان ومستوى إلى حد ما من واقعية الأحداث، كانت شخصياتها منحوتة من الخيال، ورغم ذلك تأتيها تساؤلات ممن عاشوا في نفس القرية وعاصروا نفس الزمان يسألون، كيف ابتدعتِ هكذا شخصيات لا نعرفها ولم تكن تعيش بيننا؟ وكيف حركتِ هكذا صراعات وقضايا بين أولئك الشخصيات لم نسمع عنها شيئا؟ وبالتالي فإن الشخصيات ليست بالضرورة أن تكون حقيقية ولكنها تأتي وفق طرائق خاصة بالتخييل عند الراوي.
وأضافت: “الأحداث لا تأتي جميعها من محض خيال، فلابد أن تتشبع بشيء من الواقعية لتنعكس في خيال القارئ ويتقبلها ويتماهى معها، والواقعية تحتاج إلى زمان ومكان، وبالتالي فإن هذه العناصر الثلاثة (الأحداث والزمان والمكان) هي الأبعاد الثلاثة للواقعية هي التي تجعل من العمل ليس محض خيال، وإذا تحققت تلك الأبعاد، يصبح استحضار الشخصية من الخيال أو من الواقع ليس بالأمر الفارق، فكونها خيالية أو حقيقية لايشكل قيمة كبيرة إلا بمقدار ماتضيفه للنص من التشويق والنبض والحرارة وتحريك الأحداث في اتجاهات جديدة”.
وتابعت: هذه الشخصيات المصنوعة، قد يختارها الكاتب حين وضعه للتصورالعام لعمله الروائي، ولكن مع تدفق الأحداث تتسلل إلى النص شخصيات جديدة لم تكن ضمن التحضيرات، تظل تناور داخل مساحة العمل، ويمنحها الكاتب فرص الظهور فإن كانت ذات تأثير وتأقلمت مع العمل وتداخلت فيه بسلاسة ودفعته في اتجاهات جديدة، فإنه يرحب بها ويمنحها الثقة والقبول أما إذا لم تضف شيئاً أو سببت في تشتيت خيال المتلقي فيتم استبعادها.

حدث غير متوقع

قال القاص والروائي المغربي محسن أخريف أن الأكثر إثارة، والأكثر صعوبة، في الأعمال السردية، الروائية والقصصية، هو بناء الشخصيات بناء مُقْنِعاً. الشّخصيّة في العمل السردي سواء أكان رواية أم قصة مسألة ضرورية وحتمية، فبالشخصية تكتمل دائرة المكونات أو العناصر السردية، فكما لا يمكننا أن نتخيّل عملا سرديّا بدون أحداث ووقائع، بسيطة أو مركبة، فإنّنا لا يمكننا أن نتخيّل عملا سرديّاً بدون شخصيات، تمارس هذه الأفعال أو تتأثر بها. بالأحداث والشخصيات، يجدد النص السردي أنفاسه لكي يتطور ويتوسع في نسج ردائه الحكائي، إذ المسألة تغدو ببساطة تحصيل حاصل. غير أن المبدع السارد حر في اختياراته الفنية، ومنها اختيار المساحة السرديّة التي يمنحها للشخصيات، وفي طريقة توظيفها داخل العمل، وحر كذلك في رسم معالم وجودها الفيزيولوجي والنفسي والتكويني الخاص بالقناعات والمواقف والقدرة على التأثير. الشخصية الروائية أو القصصية هي شخصية خيالية ورقية، وهي تحتفظ لنفسها بهذه السمة مهما كانت درجة التصاقها بالواقع وتشبّهها به.
وتابع:بالنسبة لتجربتي الشخصية، ومن خلال عملي السرديين: “شراك الهوى”، و”حلم غفوة”. فالأمر المشترك بين كليهما، من ناحية التعامل مع الشخصيات، هو أن الشخصيات الرئيسة غالبا ما أحدد بشكل مسبق ملامحها الوجودية المتخيلة العامة: الفيزيولوجية والسلوكية والنفسية، ومواقفها من الحياة وقناعاتها الفكرية، مع الحرص أن يكون ذلك في شكل نسقي يقنع القارئ، ويجعله مطمئنا إلى الوجود الحقيقي والواقعي لهذه الشخصية. أما بالنسبة للشخصيات الثانوية، فغالبا ما ظهر معظمها مع تطور أحداث العمل وتشابك وقائعه. وهذا راجع إلى كوني لا أنطلق من خطة جاهزة محدد فيها بشكل دقيق مصائر جميع الشخصيات.
التعامل مع الشخصيات رهين باختيارات الكاتب، على أن الأكيد، هو أن الوصفة الناجحة، هي ترك الشخصيات تفصح عن ذاتها، داخل العمل، بحرية ووفق قناعاتها الشخصية ووفق خلفياتها الوجودية المختلفة، وهذا ما يجعل منها شخصيات جديرة بالوجود المتخيل وجديرة بالحياة والخلود في ذهن المتلقي.

بدأت الروائية المصرية رشا عدلي حديثها بوضع تعريف مؤجز للرواية (جنس أدبي قصصي يقوم على الحكي القصصي المرتكز على الخيال)، وبذلك يجب أن تكون شخصياتها محض خيال وإلا ستخرج من تصنيفها كرواية وتدخل تحت صنف أدبي آخر كفن السيرة أو فن السيرة الذاتية، وحتى في الروايات التاريخية المستوحاة من أحداث حقيقية يمنح الروائي عمله بعدا خياليا وهذا هو الفرق بين المؤرخ والأديب.
وأضافت: “لا أشرع في كتابة عمل روائي ألا إذا كانت هناك فكرة تروداني وتلح عليّ ومن خلال هذه الفكرة أتخيل أحداث العمل وأبطاله بشكل مبدئي وعندما أبدأ في سرده على الورق تسترسل الأحداث ومعها تظهر العديد من الشخصيات لم تكن في الحسبان وهذا طبيعي فالرواية كعمل سردي متخيل تحتوي على عناصر متعددة من الأحداث والوقائع المسترسلة، هذه الأحداث مرتبطة بشخوص معينة تظهر في العمل في الكثير من الأحيان دون سابق انذار، ويصبح وجودها ضروري ونجدها تفرض نفسها على العمل وفي الكثير من الأحيان تغير مساره وهذه الأشخاص حتى ولو كانت خارج توقعات الكاتب إلا أنه لا يستطيع أن يتغافلها، ففي المقام الأول شخصيات العمل هي التي تساهم في بناء الحدث الروائي ونموه”.
وأوضحت ضيفتنا أنه في روايتها “شواطئ الرحيل”، كتبت عن متشرد في أحد شوارع باريس وكان في نيتها أن تكتب بإيجاز حوار قصير بينه وبين بطل العمل، وتفاجأت أن هذا الحوار الذي كانت تعتقد أنه لن يشغل إلا عدة اسطر أسفر عن أكثر من فصل، حكى فيه هذا الرجل ما الذي أوصله ليشغل ناصية في أحد شوراع باريس ليقيم فيها،فقد كان من الأكراد وأحد ضحايا مذبحة (حلبجة) بين ايران والعراق، ولا غرابة في ذلك ففي العمل الروائي هكذا تجري الامور. وبحسب ضيفتنا كانت هذه الفصول الغير متوقعة من أجمل فصول النص.

الرواية نت

شاهد أيضاً

“الحالم” لسمير قسيمي.. عن سرّ الحياة وإعادة اختراع المصير الإنساني أحمد طيباوي *

في نص ذي جرعة تجريب غير مسبوقة، صدرت الطبعة الثانية من رواية “الحالم” للروائي الجزائري …