أكتوبر 19, 2018
  • أكتوبر 19, 2018
مارس 29, 2018

الرواية.. كيف تنبض الحياة في الحكاية؟ عبدالله البصيّص

By 0 36 Views

“القراءة كانت السبب”.
هذا ما قلته لصديق سألني كيف كتبت رواية “ذكريات ضالة”؟. وأضفت:
“عندما تقرأ رواية فأنت تشارك الكاتب في كتابتها، وعليه فنحن نتعلم الكتابة من القراءة”.
كنت شاعرا قبل ذلك أكتب الشعر النبطي، وقد تعلمته من حفظي القصائد ومحاولاتي الكثيرة لفك شيفرة الجمال في الإيقاع والعذوبة في الكلمات. حتى أصبح لدي معرفة جيدة بطريقة رنة خلخال الوزن لإثارة شهوة الكلمات. بعد ذلك بدأت أقرأ الروايات. ما أعجبني في الرواية أنها تستطيع أن تأتي بالشعر بشكل أفضل مما تأتي به القصيدة. وبطريقة أكثر عمقا وأبعد مقصدا. ما كان ذلك إلا من انبهاري لشاعرية عبدالرحمن منيف، والطيب صالح، ونجيب محفوظ، ورشاقة عبارات ثلاثية رضوى عاشور، وطريقة جمل هؤلاء الروائيين الانسيابية في المضيّ ونهايات فقراتهم المحبوكة في التوقف.
وقفت على كثير من الجمل تصلح أن تكون أبيات شعر عظيمة. ثم انهلت على الروايات وأصبحت أبحث عن الأكمل والأجدر بالقراءة. أصبحت بعد فترة أناقش الحبكات مع نفسي، وأتتبع مواطن الجمال في السرد. كان أكثر ما يبهرني هو جماليات اللغة، والحبكة.
تتبعّت في كل رواية تعجبني الطريقة اللعوب لحبكتها، معيدا قراءة الفصل تلو الفصل أعبد الطريق أمام فهمي، دافعا ذهني بين منحنياتها المبهمة وذرواتها المتصاعدة وسقوطها المفاجئ نحو الحل. حتى ذات يوم قلت لنفسي لماذا لا أحاول أن أكتب قصة قصيرة. لدي قصائد كثيرة لم تنشر فلن تكون هذه القصة زيادة عليها. فكتبت أول قصة، عن صديقين التقيا بعد مدة، كانت ظروف كل منهما قد حددت مكانتهما. قال لي صديق استشرته، لا يعرف فن القص، أنها أعجبته. نشرتها اليوم التالي في منتدى كنت عضواً فيه كشاعر نبطي. لقيت أصداء قليلة لكنها مشجعة. فكتبت بعدها قصيدة بشكل قصة. لم تنل إعجابهم مثل بقية قصائدي. فاستمررت أكتب قصائد وأقرأ روايات، حتى لاحظت أن ثوب الوزن والقافية صار ضيقا وأنني أكتب نبطي بأسلوب الجمل السردية في الروايات. قللت من القصائد وذهبت أكتب القصص. أعجبني كثيرا التعمق في الشخصية أثناء الحدث. أن تفكر في ردة فعل شخصية تصنعها لا تعرف عنها أي شيء أمر متعب ورائع في الوقت ذاته. أصدرت مجموعتين قصصيتين. وفي الحقيقة لم أكن قارئا مخلصاً للقصص القصيرة، كنت أقرأ الروايات بشهية يتضور الجوع منها. ثم قلت لنفسي سأكتب رواية. فكتبت أول محاولة. فشلت عند منتصفها بالإمساك في الفكرة. كانت الشخوص عنيدة في إظهار سماتها النفسية وتصرفاتها. كما رفضت الحبكة كل محاولاتي للي عنقها. شعرت باليأس. فقررت أن أكتب رواية بسيطة في حبكتها وقليلة في شخوصها. شعرت وأنا أمسحها من جهاز الكومبيوتر – بعدما أنجزت اثنتي عشر ألف كلمة- أن الروائيين أشخاص عباقرة. وازداد إصراري أن أكون عبقرياً معهم. لأن الذي يجمع علاقات متضادة بين حبكة وشخوص وأحداث في قالب متجانس لهو عبقري بالفعل.
عدت إلى روايات منيف وصالح وعاشور ومحفوظ. تمنيتها. جعلت فعل القراءة فعل كتابة. واضعا نفسي مكان الكاتب في حياكة المآزق وحل المعضلات. حتى أتى يوم توقفت فيه عن القراءة وفي بالي ولد في التاسعة من عمره يلعب مع صديقه كرة قدم في ساحة. سيفترقان ثم يلتقيان ببعضهما بعضاً بعد عشرين.عاما، وسيكون لكل واحد منهما ظروفه التي تحدد مكانته.
إنها أول قصة قصيرة كتبتها، لكنها هذه المرة تنبض بالحياة. الرواية هي كيف تنبض الحياة في الحكاية. تأملتهما كل يوم يلعبان في رأسي. يختلفان. يعطي أحدهما ظهره للآخر وينتهي المشهد بكرة قدم وحيدة في ساحة خالية. شيء ما كان يقول لي: اكتب. فكتبت الفصل الأول. مغيرا من بعض التفاصيل، مضيفا بعض التفاصيل الأخرى. كانت العملية مرهقة. ليس من السهل أن يعمل العقل والمخيلة في آن واحد. العقل يُمنْطِق الحدث والمخيلة تريد أن تجمح بتصورها لما يجري. من ثم تأتي صعوبة استخدام الكلمات التي تؤدي إلى المعنى الأفضل. تنازع الولدان رأسي. حبكة شخوص. مكان. فكرة. أحداث. رنة خلخال. لم يكن الأمر هيناً علي. فلم أكن ذلك الوقت أعرف أحدا من الروائيين حتى أستشيره. لكن كان لدي نجيب وعبد الرحمن ورضوى والطيب، وأضفت لهم ماركيز لاحقا، يقولون لي في رواياتهم متى أحتال على الحدث، وكيف أسرق الكحل من عين المعنى. ازداد الشخوص. كثرت الأحداث. طال حبل الحبكة. خرجت المسودة الأولى تقول لي بصوت عالٍ “لست عبقرياً لحد الآن”. وضعتها جانباً فتحت جهازي أبحث كيف كتب ماركيز رواية “مئة عام من العزلة”. ارتحت عندما علمت أنه كان يفكر بها ستة عشر عاماً، وأمضى في كتابتها خمس سنوات. تشجعت. كنت حينها لم أكمل سنة. هذا يعني أنه بقي أمامي معها أربع سنوات كتابة، وخمس عشرة سنة تفكير.
أضفت لمجموعة معارفي عن طريقة كتابك الرواية معلومة جديدة: “الصبر”. ثم رحت اقرأ المسودة مرات عديدة، حتى عرفت مواطن الخلل والفراغ التي تحتاج إلى ملء والفقرات التي تريد شد ترهلها. لم تكن العملية سهلة. كانت تتطلب نوعاً صارماً من الصدق مع النفس، ومواجهة جادة مع الشعور بالفشل .
قررت أن أجعل المسودة الأولى منصة انطلاقي للرواية. مثل نحات أمام حجر قدّ للتو من كتلة رخامية رحت أنحت تلك المسودة، مستخدما الصبر والصبر والصبر وبعض الحيل السردية التي تعلمتها من قراءاتي للروايات. أدسّ المكائد للأبطال، أنبش خوافي نفوسهم، دوافعهم، أتصوّر المكان وأحاول أن أصفه بلغة شاعرية تبث فيه روحاً إنسانية نقية، وشكلاً جمادياً مرناً على حسب الجو العام للمشهد. أسدّد خطا الفكرة وراء الحكاية. بعد ستة شهور من العمل المتواصل – تقريبا- قررت أنها اكتملت وأنني لم أعد أستطيع إضافة أو تغيير أو مسح أي حرف منها. دفعت بها إلى ثلاثة من الأصدقاء، وكنت قد أحطت نفسي بمعرفة كتاب رائعين، الشاعر محمد النبهان قال: “رواية مجنونة”، ناصر الظفيري بعث لي إيميل يقول: “أذهلتني”. الباحث والشاعر إبراهيم الخالدي اتصل علي ليخبرني أنها رواية مكتملة. الشاعر عبدالله الهذال اتصل يحدثني عن استمتاعه باللغة الشاعرية. دفعت برواية “ذكريات ضالة” إلى الناشر، المركز الثقافي العربي، وبعد أسابيع قليلة اتصل مدير النشر يقول لي إنها ستكون مع خطة إصداراتهم لمنتصف السنة الحالية. شعرت أن نجيب محفوظ يصافحني مهنئاً، وأن يد منيف تربت على كفتي مشجعة، ويصفق الطيب صالح ورضوى عاشور من فوق رفوف المكتبة، وماركيز يستند على الباب ليسألني عن موضوع الرواية التالية.
ـــــــــــــــــــــ
* شاعر وقاص وروائي كويتي، اختيرت روايته “طعم الذئب” كأفضل رواية في معرض الشارقة الدولي للكتاب سنة 2017.