أبريل 25, 2019
  • أبريل 25, 2019
أبريل 14, 2019

الرواية ثمرة الوجع الإنسانيّ نسرين بلوط

By 0 171 Views

عندما قال الأديب فيكتور هوغو: “الألم ثمرة، والله لا يضع ثماراً على غصنٍ ضعيفٍ لا يقدرُ على حملها”، فقد كان يدرك في داخله بأنّه رسولٌ يحرّكُ أغصان الإنسانية بحفيفٍ رقيق، يشبه خربشة القلم على الأوراق، وأنّه ككاتبٍ، يستطيعُ أن يسلكَ كلّ التعرّجات الضيّقة في النفوس البشرية، ويحملَ أوزارَها وهمومَها، ويصلَ برسالته الأدبية إلى النور، رغم أنف الغيوم الرازحة في فضاء الأرواح المعذّبة.

عندما بدأتُ كتابة الرواية، أدركتُ بأنّني أمام فنٍّ خطير، لا يحتملُ المجازفة، ولكنّ ثقتي بقلمي، وشغفي بها، غزا كلّ الغضون المستوحاة من التردّد والوجل.

كانت روايتي الأولى بعنوان: “مساؤك ألم”، تناولتُ فيها أحداث ثورة يناير في مصر، وما خلّفته من الآثار العميقة على الصعيد الإنساني والوطني، وعالجتُ قصة ممثل مصري شهير وشاعرة لبنانية، يلتقيان عبر موقع التواصل الاجتماعي، في إطارِ قالبٍ درامي جميل يستحيلُ مأساويّاً بعد أن يتّضح للقارئ بأنّ البطل مريضٌ نفسي، يعبث بحبيبته ويستخف بمشاعرها، وتتدرّجُ الأحداث كزخّاتِ مطرٍ خفيف، يستحيلُ عاصفةً هوجاء، فتسرد قصة كلّ من الأبطال الثانويين في الرواية وعلاقتهم الدائرية بالبطلين، ويسحقُ عنصر المفاجأة بنابه كلّ ما حوله، لتخرج الرواية إنسانية وتاريخية في نفس الوقت.

في روايتي الثانية “الخطيئة”، توجّهتُ أيضاً للتاريخ بشكلٍ أكثر شمولاً، وصوّرتُ مشاهد حيّة من تاريخ الاحتلال العثماني في لبنان ، وذلك في زمن طانيوس شاهين الذي أعلن ثورة الفلاحين، وكانت بطلة الرواية فتاة مارونية إقطاعية تدعى ميرا، من مدينة زحلة، تقع في حبّ شابٍ درزي اسمه عابد، فيلتقيان في الكهف، وتتكرّر لقاءاتهما سرّاً، حتى يقعا في حضن الخطيئة، وتحدث مجزرة زحلة وتتأزم الأحداث، فيقتل والدها وينقذها الفلاح متّى الذي يعشقها بدوره من الموت، تكتشف في سير الأحداث أنّها حاملٌ من عابد، بعد أن كانت قد اختارت الدير لتتعبّد فيه، فتهرب منه وتعود إليه ثلاث مرات، وتكون النهاية صادمة للقارئ،.


التاريخ يدخلُ في رواياتي، لأنّه أرضٌ صلبة تتمكّن من غرس جذور الحبكة في بيادرها، والفلسفة بدورها ترسمُ لوحة التموّجات الدقيقة على سفح الحدث. فقد قال الفيلسوف نيتشه: “من يعرفُ السبب الذي يعيشُ من أجله، يستطيعُ تحمّل العيش بأي طريقة”، وهذا ما يحاول الروائي إثباته في العقدة المتأزمة لسرد أحداث روايته وصولاً للحلّ النهائي، لماذا يعيشُ هؤلاء الأبطال في الرواية؟ وكيف يختارون مصيرهم ومن يختاره لهم؟ أهو القدر أم رغبتهم الذاتية؟ وكيف يتكيّفون مع ظروفهم ليتحمّلوا نتائجها ومسبّباتها؟.

كلّ ما يطرحه الروائي من أسئلة، يتحرّك أبطاله تلقائيّاً ليجيبوا عليها بأفعالهم النهائية، فيستحضرهم بآفاتهم وحسناتهم لتبرق تحت عين الشمس، حتى وإن كان يحتمي بالظلام، فيخرجُ من سرّه الداخلي، وقوقعة قبره إلى النور، وكلّ من يعاندُ سير الحدث يحدث اختلالاً في توازن الحبكة. عندما طرح غوته مسألة العلاقة بين العشق والإنتحار مثلاً، في رواية “آلام فرتر”، وهي قصّته الحقيقية، استحضر خوفه عندما جعلَ بطل روايته ينتحرُ بسبب حبٍّ أعمى، وهو ما لم يستطع الإتيان به في الواقع، فقد عشق وخُذل ورُدم قلبه، فوصف الزيزفون والنور والشجر، ثارت أقلام النقاد عليه، خالوه يحفّزُ جيله على الانتحار في سكرات اليأس، ترى ماذا كانت فلسفته آنذاك ولماذا فرضها؟ أمّا في الواقع، فقد هجر غوته معشوقته كما هجرته وكان قويّاً وصلباً، ولم تنفع توسّلاتها المستبسلة لاحقاً لاستعادته، بينما بالنسبة لبطل روايته فرتر، فقد نحرته حبيبته في نبض قلبه برفضها له، فأزهق روحه. فهل للكاتب وجهان؟ وجهُ القلم ووجهُ التقلّبات النفسية في وجه الريح؟ باعتقادتي أنّ غوته كان مسيّراً في روايته وليس مخيّراً، لقد سرق منه فرتر دفّة التسلسل الحدثي، ولم يترك له فسحةً للإعتراض، وهو ما يحدثُ مع جميع الروائيين. ففي نهاية روايتي الخطيئة لم أستطع أن أضع النهاية التي أحبّذها للأبطال، بل اختاروا مصائرهم بإرادتهم الحرّة، فأصبح كلُّ بطلٍ حيّاً في نهاية المطاف.

في الروايتين، خضتُ غمارَ التاريخ ولم أكن مؤرخة، فالمؤرخ ينقل الماضي ويركّز فيه بدقة متناهية، أمّا الروائي فيحتلّ المستقبل أيضاً، تماماً كما تحتلّ الشمس قلب السماء. “مساؤك ألم” لعب بها المونولوج الذاتي لغة الراوي، في خواطر نثرية شعرية موجعة، أمّا “الخطيئة”، فقد أتت سردية بشكلٍ بحت، مع مونولوجٍ”غيري” في السرد.

احتلّت رواية “مساؤك ألم” المركز الثالث في الكتب الأكثر مبيعاً في معرض الشارقة لعام 2014، أما رواية “الخطيئة” فرغم أنّها لم توزّع في البلاد العربية بعد، إلا أنّها لاقت رواجاً وانتشاراً كبيرين بين القراء في لبنان.

تجربة الرواية جعلت قلمي يجلو الرياء والزيف عن غبار الواقع، ليرتطم بوتد الواقع الخشن، فكما قال الروائي الكبير نجيب محفوظ: “الزيف في الحياة منتشرٌ كالماء والهواء، وهو السر الذي يجعل من باطن الإنسان حقيقة ناردة، وقد تخفى عن بصيرته في الوقت الذي تتجلّى فيه لأعين الجميع”.

ـــــــــــــــــ
نسرين بلّوط: شاعرة وروائية من لبنان.